القاهرة ــ «القدس العربي»:
«ليس لعائلتي
تاريخ مع المرض،
ولم يُعْدِني أحدهم،
كل ما حدث
أن حبيبتي هجرتني». (الجسد بيت)
أصبحت المشهدية والمفارقة من السمات الرئيسة في قصيدة النثر المصرية، بخلاف الأنسنة والتشيؤ، كمحاولة لإنتاج علاقات جديدة يمكن اكتشافها من خلال لغة تتجدد عبر دلالات مختلفة، لاستخدامها العادي. وقد ينجح الشاعر في صياغة قصيدة لها شخصية وحياة متميزة ومختلفة، أو قد يصبح لغواً وتكراراً باهتين لتجارب سابقة، حيث تغويه التقنيات فيصبح كلاعب الثلاث ورقات، أو أن تغويه حالة الشعر، وينجح في أن ينقلها ويعيش معها المتلقي بدوره.
ومن التجارب القليلة التي تنتمي إلى الشعر، تأتي تجربة الشاعر محمد القليني، التي بدأت بديوان «أركض طاوياً العالم تحت إبطي» 2016، ثم ديوانه الثاني «سقط شيء من شيء»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة الإبداع الشعري عام 2018. وسنحاول بإيجاز الحديث من خلال المشهد واللغة، التعليق على بعض قصائد الديوان.
المشهد السردي
لا تدور القصائد في لغة مجرّدة، بل يهتم الشاعر برسم تفاصيل الحركة وأصحابها، كذلك تبدو النقلات الزمنية، ما بين لحظة حاضرة تومض منفلتة، وتتمثل في شكل المونولوج الداخلي، بأن يحادث الشاعر نفسه، هذه اللحظة التي يهرب عبرها الشاعر إلى لحظة ماضية وأخرى مستقبلية، مسألة التلاعب بالزمن في أسطر قليلة، ومن ناحية أخرى يمكن تخيّل المكان الذي يدور فيه الحدث، ورسم تفاصيله بدقة وفق هوى المتلقي. فصوت الشاعر وشخوصه، الذين يُصر على استحضارهم وفق أزمنة وأماكن مختلفة، تخلق حالة سردية مكتملة، بدون إسراف أو رطانة، أصبحت تميز قصيدة النثر لدى العديد من كُتابها، وبعيداً عن تجريد وغموض شعراء تجاوزهم الزمن..
«لأنني جبان
لم أقل لحبيبتي: أحبك
سجنتُ الكلمة في صدري
حتى جاء رجل شجاع
وقالها لها.
…
وأخيراً.. وأنا أصافح زوجة صديقي
غافلتني الكلمة وخرجت فجأة:
أحبكِ.
…
غافلتها الكلمات وخرجت منها بشوق:
أنا أيضاً أحبكَ
لست خائناً بطبعي
ولا هي خائنة بطبعها
لكن الشيطان منعنا
أن نخرج الكلمات في التوقيت الصحيح
وسهّل لها الخروج
في التوقيت الخطأ». (انطلاق)
اللعبة نفسها يلعبها الشاعر، وقد تحول من الخاص إلى العام، حيث السياسي والاجتماعي، في لغة بسيطة وساخرة، خاصة من السلطة بداية من رأسها، وحتى السلطة الأكثر تفاهة ـ سلطة المثقفين ـ الذي لا يأبه بهم أحد، لكنهم بدورهم يمارسون أمراضهم على «مخاليق الله»، لأنهم في الأصل يتمثلون السلطة الأعلى، ويريدون بشتى الطرق محاولة الانتساب إليها، بدون جدوى.
«حاول الرئيس أن يبدو مثقفاً
فقال في حوار تلفزيوني:
الشعراء تخلوا عن الوزن والقافية
من أجل الحداثة
فلماذا لا يتخلى الناس
عن الطعام والشراب
من أجل الوطن؟
…
الأغنياء قصيدة عمودية
تحصد جوائز الدولة
والفقراء قصيدة نثر
يتأفف منها المسؤولون». (قصيدة نثر)
اللغة
أما على مستوى اللغة، فالشاعر يدرك جيداً كيفية استخدامها، واختلاق علاقات ودلالات جديدة، بدون تقعر لغوي، أو تهويم وأحجية، وبدون السقوط بها في فجاجة المباشرة. بمعنى أنه يختلق من المفردات العادية علاقات لغوية جديدة تنأى بها عن الابتذال والسطحية. كذلك يجعل من الكلمات القدرة على شحن المفردة بقدر كبير من السخرية من كل ما يحدث، سخرية هادئة وعميقة في الوقت نفسه، ناتجة عن العلاقة الواعية للمفردات وموقعها في الجملة.
«أنا أكتب قصيدة بسيطة وشفاهية
قصيدة تنام على الأرصفة مع البوابين
وتأكل الفول كل صباح
وتهرب من الكمساري آخر الشهر.
تقولون إنه عليّ أن أجرب كتابة قصيدة
ترتدي حلة وربطة عنق
وتأكل على مائدة أساتذة الجامعات بالشوكة
والسكين!
…
نصيحتي لكم
يا أولاد الكلب:
أتركوا لنا الشعر
واعملوا مدرّسي رياضيات». (نصيحة)
وما بين (النصيحة) التي يرمي بها الشاعر عرض الحائط، لاعناً أصحابها، يعود مرّة أخرى ليُمارس البطولة، لكنه يسخر من البطل الجديد، الذي لا يأبه به أحد، ولا يراه أحد. فالمفارقة هنا تأتي من كيفية رؤية الشاعر/البطل لنفسه، وهو هنا يتماس مع كثيرين من أمثاله، وكيف يراه/يراهم العالم. وإمعاناً في السخرية يتعجب البطل بدوره من النتيجة في النهاية.
«رغم أنني بطل العالم في العدو
فإن الدولة لم تُكرّمني.
الصحافة أيضاً لم تهتم بي،
ولا الحسناوات هرعن
لأوقع لهن في الأتوجرافات!
يا الله..
لماذا يتقززون من رائحة عرقي
وأنا أعدو خلف (لقمة العيش)؟» (بطل)
ودائماً ما يتخلق عالم داخلي خاص، وآخر عام كفضاء لرحلات الرجل وخيالاته، عما يجب أن يكون، وعما هو كائن بالفعل. هذه لمحة بسيطة عن الديوان، الذي يصلح لدراسة مستفيضة من الممكن استيعابها في دورية متخصصة. اللافت من جهة أخرى وفي سياق الحِس المأساوي الساخر للديوان، أن الدراسات والمقالات عن الشعر وعالمه، دوماً ما تأتي في حالة مرضية من التقعر، والاستشهادات من كتب ومؤلفات يمكن الاستغناء عنها، لتبدو لغة الناقد، أبسط وأعمــــق وأصـــــدق، بدون الكلاشيهات والمصطلحات النقدية المُترجمة على عِلّاتها، والتي لن تفيد القارئ في شيء، اللهم إلا كتابة على شاكلة ارتداء الحلة وربطة العنق، كما قال صاحب «سقط شيء من شيء».