بشكل مبكر جداً بدأ لبنان جدالاً ساخناً بخصوص الهجرة والبقاء. كان فيديو أعدّته الإعلامية ديمة صادق كافياً لتدفق فيديوهات وتقارير تلفزيونية مقابِلة تحاجج أو تزاود أو تشكك، وليس مستغرباً أن تتبعها مطالبات بالمحاكمة، بذريعة إيهان نفسية الأمة.
في الفيديو تحدث لبنانيون عن نيّتهم هجرة لبنان، لم يبدُ من بينهم من هو سعيد بذلك، بل إن معظمهم بكى، أو كاد. زكي محفوض، صحافي ومسرحي مهاجر إلى كندا. جيزيل خوري، الصحافية والإعلامية المعروفة «ثلاثين سنة في المهنة، وهذه أول مرة أفكرة بالهجرة من لبنان». عايدة صبرا الممثلة المسرحية المعروفة قالت «تاركة لبنان وتاركة معه المسرح». إلى جانب حلاق ومعلمي مدارس ومصرفيين، قالوا إن «لبنان لم يعد يشبهنا، بطّل يشبه أحلامنا وأولادنا» أو «سكّرت الشركة اللي عم أشتغل فيها، ومصاقبة أنه ما عندي برندا (شرفة) أزرع فيها» و»مانو بلدي» و»تاركين كل شي تعبنا عليها 35 سنة»..!
«مشحوطين».. كلمة تضاف إلى قاموس المهاجرين والمنفيين واللاجئين والنازحين
كانت الكلمة الأوجع لسيدة قالت «انشحطنا». ليست هجرة إذاً ولا سياحة، فهؤلاء «مشحوطون» خارج بلدهم، استنفدوا كل طاقتهم على الاحتمال، ولا يكلّف الله نفساً إلى وسعها.
«مشحوطين» كلمة تضاف إلى قاموس المهاجرين والمنفيين واللاجئين والنازحين.. لم يدخل لبنان بعد دائرة اللجوء، ولذلك فإن مغادرته اليوم قد تقع في باب الهجرة، هذه التي غالباً ما تكون أسبابها اقتصادية، بينما يتعلق اللجوء بأسباب كالاضطهاد أو الخوف من الاعتقال أو القتل، لكن في حالة «مشحوطي» لبنان نخطئ لو قلنا إن الأسباب اقتصادية فحسب.
ومع أن الفيديو لا يثير أكثر من الأسى على ما حلّ بلبنان الجميل، حلم الأحلام بالنسبة لملايين العرب، والتعاطف مع لبنانيين يتركون وراءهم شقاء أعمارهم، ولا يدفع ربما إلى أكثر من وقفة للتأمل والتساؤل حول الأسباب ستجد من يزاود ويخوّن ويدرجه في إطار حملة مقصودة تدعو إلى الهجرة.
قناة «الجديد» كانت الأبرز في مهاجمة تقرير ديمة صادق، فقد قدمت لتقريرها «كثيرون رفضوا أن يحوّلوا هذا الوطن إلى فندق يتركونه حين تسوء الخدمة فيه، فقرروا أن تكون البداية والنهاية والعمر كله في لبنان، وينتصروا له في وجه حملة تشجيع الهجرة». تقرير يبدو أنه مستوحى من فيديو سابق للبناني ممانع على ما يبدو (جمال فياض)، مثاله كلمات دريد لحام في إحدى مسرحياته «إذا الوطن غلطان أنا معه،.. بردان أنا تيابه، ختيار أن عكازته، حفيان أنا صرمايته، لأنه تاج راسي..». «الجديد» تعود إلى هذا حديث فياض، كما تستعيد المشهد المسرحي الخاص بـ «صرماية الوطن».
أغرب ما في تقرير «الجديد» هو الرد على كلام الممثلة عايدة صبرا بالذات. لقد وجدوا لها كلاماً سابقاً لقناتهم تقول فيه «هي مش هجرة. أنا عندي كم شغلة وراجعة. أنا عندي جنسية…». ويا له من تناقض! ألا يحدث أن يتردد الناس ألف مرة عند التفكير بالهجرة؟ ها هي قد حسمت أمرها الآن وقررت بشكل نهائي.
صحيح أن الوطن ليس فندقاً، لكنه لا يجب أن يكون مقصلة، «سجوناً متلاصقة، سجاناً يمسك سجان» مقبرة شاسعة.. كل ما يدفع الناس إلى اليأس
الإعلامي المعروف ريكاردو كرم كان له فيديو خاص أيضاً للتعليق على الأمر، ومن بين ما قال «حسيت هالحملة مقصودة لإفراغ البلد من طاقاتها، لتشجيع الناس على المغادرة» وقد أكد أن النضال غايته «النضال بحاجة لأن نبقى كلنا هون».
المشترك الأساسي بين كل المعترضين على الهجرة استخدامهم لعبارة رائجة «الوطن ليس فندقاً نتركه حينما تسوء الخدمة فيه» وصحيح أننا لم نتمكن من العثور على القائل الأصلي للعبارة، إلا أنه يمكن الجزم أنها عبارة سورية رسمية جداً (تماماً مثل عبارة صرماية الوطن)، ولا نبالغ بالاعتقاد أنها مصممة في قلب أحد فروع الأمن. ذلك أنها النظرية الوحيدة المصممة في مواجهة المهاجرين واللاجئين، وقد استخدمت في سوريا لحدّ أنها علّقت كيافطة في دمشق.
وعلى أي حال، صحيح أن الوطن ليس فندقاً (وليته يكون كذلك، حيث «الفنادق أحلامنا» على ما تقول شاعرة)، لكنه لا يجب أن يكون أيضاً مقصلة، «سجوناً متلاصقة، سجاناً يمسك سجان» مقبرة شاسعة.. كل ما يدفع الناس إلى اليأس كهؤلاء اليائسين الذين ظهروا في الفيديو. لقد دفعهم اليأس إلى اختيار الهجرة، كما دفع اليأس من قبلهم لبنانيين إلى الانتحار، ماذا كنتم ستقولون إزاء فيديو للذاهبين إلى الانتحار!
أمام محكمة ألمانية
غريبة وغير مفهومة تلك الحملة التي يقودها حقوقيون سوريون معارضون للنظام في بلدهم على المخرج السينمائي فراس فياض بعد شهادته أمام محكمة ألمانية تقاضي المنشق عن أجهزة المخابرات أنور رسلان. فياض كان أدلى بشهادة عن اغتصابه حين اعتقاله قال إنه جرى بأمر من رسلان. وهو لم يتحدث من قبل عن هذه الحادثة من بين تفاصيل أخرى عن اعتقاله، ولا حتى لمقربين من عائلته. ولعلها شجاعة استثنائية أن يتجرأ على قول ما يسكت عنه كثير من معتقلين ومعتقلات (سبق لفيلم وثائقي فرنسي أن صدم المشاهدين الفرنسيين بشهادات معتقلات أثبتن أن الاغتصاب عمل ممنهج في سجون النظام).
المخرج السينمائي فراس فياض
المشككون اعتمدوا على أن «السياق الزمني الذي اعتقل فيه فراس فياض لا يسمح بأن تكون هذه الأحداث المروية قد جرت معه. إذ لا توجد شهادة واحدة أو رواية مماثلة تم توثيقها في تلك الفترة. ولم تكن ممارسة الاغتصاب عبر العصا قد طبعت سلوك التعذيب في تلك الفترة» وعلى افتراض أن «لن يكون السيد فياض هو أول من مغامر بشهادته ومصداقيته من أجل الترندينغ والشهرة. هناك من طعن نفسه ليدعي اغتياله ومن ادعى مقتله ومن تحدثت عن اغتصابها مع جميع المعتقلات في السجون!» وبذريعة أن «الغرض هو حماية والحرص على مسار العدالة الوليد من النيل من مصداقية الضحايا الحقيقيين وسرديتهم». فهل هناك من تضليل للعدالة، ونيل من مصداقية الضحايا أكثر من تشكيك حقوقيّ وموثِّق للانتهاكات!
لا داعي لأن نناقش الأسباب التي قدمها الناشط الحقوقي السوري، لناحية «السياق الزمني» (ونحسب أن النظام مارس من الانتهاكات ما لا يخطر على بال في مختلف الأوقات)، و»روايات شهود آخرين» (ومن الواضح أن هناك نقصاً في توثيقها، فعلى الأقل لم يبادر المشكك إياه بالاتصال بمعتقل سابق مثل فياض لتوثيق شهادته)، و»التريندنغ والشهرة» (وهذا مجرد تخمين وضرب في المندل)، فما دام الرجل/المشكك حقوقياً كان لا بدّ له أن يترك الأمر للمحكمة الألمانية للتحقق من شهادة فياض. وحمداً لله أنها ألمانية جداً، لا وجود فيها حتماً لمثل هذه العقول.
كاتب فلسطيني سوري