مسرح دوّار الشمس مهدد بالإقفال هل تتحرك الجهات الداعمة لإنقاذه؟
بيروت-“القدس العربي”:عندما أزاح مسرح دوّار الشمس الستارة عن أول عرض وأنضم إلى مجموعة المسارح الناشطة في فضاء بيروت الثقافي في أيلول/سبتمبر عام 2005 وجد الكثير من الترحيب والإقبال. فالمكان الذي تمّ اختياره ليكون مسرحاً لم يكن ليخطر على بال. إنها منطقة الطيونة قريباً من سباق الخيل وحرش بيروت، والتي كانت في الحرب الأهلية خط تماس ساخن.
بين حقيقة وجود دوّار الشمس كمكان ثقافي وحقيقة الاقتصاد اللبناني المتهاوي، وما فرضته جائحة كورونا من إقفال للمراكز الثقافية، ثمة خشية على الاستمرارية. ففي حين تحتاج بيروت لبعض الأوكسيجين يعطيها الأمل بالانتفاض والعودة للحياة من جديد، نلمس صعوبة تحول دون ذلك.
يذكر أن الحفل الأول الذي شكل فاتحة عروض دوّار الشمس تمثل بالعرض الراقص لسارة جبران، ومن بعده توالت العروض المميزة لهذا المكان الثقافي. ولهذا لا بد من السؤال عن واقع مسرح دوّار الشمس؟ الجواب في هذا الحوار مع رئيس مجلس الإدارة الممثل فادي أبي سمرا:
*الفنان القدير روجيه عسّاف أسس مسرح دوّار الشمس مع آخرين. لنعد إلى البدايات فالذكرى جميلة؟
**إنها جمعية شمس التي استثمرت المكان ورممته وأعدته ليكون مسرحاً بعد أن كان “خربة” وعبارة عن ملجأ. بادر روجيه عسّاف لتأسيس جمعية دوّار الشمس مع مجموعة كانت تستثمر مسرح بيروت في عين المريسة، وعندما قرر مالكوه استرداده، وجدنا الفكرة صائبة بتحويل مكان كان في يوم مضى خط تماس إلى مساحة لقاء ثقافية. إذاً للمكان رمزيته المؤثرة لدينا. ساعدنا في إنجاز الأعمال ليصبح الملجأ مسرحاً عضو نقابة المهندسين عارف ياسين.
*هل ظهر المسرح إلى الحياة بتضافر جهود؟
**تواصلنا مع جهات عدة حين كنا في مرحلة التأسيس، منهم من قدم تجهيزات مكتبية، وأخرى إلكترونية وغيرها. وفي الواقع حصلت جمعية شمس على قرض مصرفي لإنجاز الأعمال، وكان التسديد يتم من مداخيل المسرح ومن الدعم المالي الذي كنا نتلقاه.
*وماذا عن معلومة الإقفال؟ وهل وضع كورونا والأزمة الاقتصادية دوّار الشمس في دائرة الخطر؟
**نعم. تضافر الوباء مع الوضع الاقتصادي وضعنا في دائرة الخطر. كافة الأماكن الثقافية والمسرحية كما مسرح المدينة، ومونو وغيرهما تعيش مشكلة حقيقية. توقف النشاط ومعه المداخيل نتيجة كورونا. وحتى اللحظة لا يزال الجمهور يخشى التجمُّعات الكبيرة. نقول حقيقة ما نعيشه بصوت عالٍ ربما نلقى مساهمة من الدولة، أو غيرها من المؤسسات الراغبة في الدعم كي لا نفقد تلك الأماكن. وإن تواصل الحال كما هو فالاحتمال وارد بأن نعاني من عجز كلّي عن تغطية الإيجار، وأيضاً الأمور التشغيلية الأساسية. وقبل بلوغ تلك اللحظة نعمل للتواصل مع عدد من المؤسسات بهدف حماية الأماكن الثقافية من الزوال بعد أن ناضلنا لسنوات طويلة لترسيخها.
*وماذا عن تغطية النفقات في السنوات السابقة؟ وهل كان لوزارة الثقافة حضور؟
**معروف من قبل الجميع أن الأماكن الثقافية والمسرحية لا تملك إمكانية الإيفاء بالمصاريف الأساسية التي تحتاجها. نكسب مدخولا بسيطاً من العروض المسرحية يغطي بعض المتوجبات التشغيلية. ونتلقى دعماً من مؤسسة “سيدا” السويدية العالمية المتخصصة بدعم النشاط الثقافي في العالم العربي. وفي المقابل تمّ تأسيس “تماسي” في الوطن العربي وهي تضّم مسرح دوّار الشمس من لبنان، وفرقتين ومسرح في مصر، ومسرح الحارة وفرقة الفنون في فلسطين، ومسرح البلد في الأردن، وتعمل لدعمها جميعها. و”تماسي” بدورها تتلقى الدعم من “سيدا”. مسرح دوّار الشمس يحصل على دعم سنوي يغطي الإيجار تقريباً. إنه دعم مشكور ساهم طوال السنوات الماضية باستمرار المسرح. وبالطبع هناك مصاريف تشغيلية أخرى من موظفين وعاملين، إلى الكهرباء والماء. ولأن هذه الكلفة دائمة فالأمكنة الثقافية المماثلة تحتاج للدعم الدائم. نحن تواقون لدعم من وزارة الثقافة وعلى الدوام نتقدم بطلبه. خلال هذه السنوات الطويلة حصلنا على دعم بمبلغ متواضع لمرتين فقط. إنما الأمل يبقى موجوداً مع رفع الصوت وطلب الدعم للأماكن الثقافية التي يستحيل التخلّي عنها بغض النظر عن كل الأمور الأخرى. ومجدداً أرفع الصوت لأطلب من أي مؤسسة تهتم ببقاء لبنان على الخريطة الثقافية بدعم الأماكن الثقافية.
*ما هو المطلوب ليبقى مسرح دوّار الشمس قبلة ثقافية؟
**نحتاج لدعم يغطي الإيجار وتكاليف التشغيل الأساسية. يستقبل المسرح عروضاً للمحترفين، وما يجنيه من بطاقات الدخول يذهب جزء منه لأصحاب العرض وللمسرح جزء آخر. مع العلم أن أسعار البطاقات في متناول جميع الناس وليست باهظة الثمن.
*هل سيعقد لقاء مشترك بين إدارات المسارح للبحث بإمكانات الاستمرار؟
**تمّ التداول فيما بيننا بكيفية الاستمرار، وكان الرأي بالتوجه نحو مؤسسات الدولة المهتمة بالثقافة، وكذلك التوجه إلى جمهور المسرح ومحبيه. وتمت الدعوة للمشاركة في نشاطات عودة المسارح إلى الحياة بعد الإقفال. على سبيل المثال بعد حفل الافتتاح في 14 الجاري في مسرح المدينة قررت نضال الأشقر إتاحة الفرصة لكل من يرغب في تقديم عرضه في المسرح. وتركت بدل الدخول مفتوحاً كمساهمة من الجمهور كل حسب قدراته المالية. والهدف الإبقاء على تلك المسارح. وهذا ما نراه إيجابياً بهدف تنشيط المسرح.
*وهل من خطوة مماثلة في دوّار الشمس؟
**مبدئياً لم تسمح وزارة الداخلية بفتح الأبواب في الصالات المقفلة. والمنتظر في الأسبوع المقبل أن نتبلغ الإجراءات المطلوبة في حال إتخاذ قرار بالفتح. ونحن ندرك مسؤوليتنا على صعيد الإجراءات وخاصة التباعد بين الحضور في القاعة والتعقيم.
*هل دخل مسرحكم دورة الإنتاج؟
**نرصد مبلغاً متواضعاً لإنتاج مسرح لبناني وبخاصة للخريجين الجدد الذين لا يملكون الإمكانات، وكذلك للمهتمين بالمسرح. إنتاجنا السنوي اقتصر على عمل أو اثنين فقط ضمن هذا التوجه. فجمعية شمس تهدف لدعم الشباب للتعبير عن افكارهم بالشكل الفني الذي يرونه مناسباً. والدعم هنا لا يعني تقديم المال، فالمكان هو الأساس لأي عرض مسرحي. كذلك شاركنا في إنتاج مباشر في عدد من المسرحيات.
*ماذا تذكر من محطات وعروض مميزة في مسيرة دوّار الشمس؟
**لم تقتصر المحطات المميزة على العروض العربية كما مسرحيات الفاضل الجعايبي، بل أطلقنا مهرجانات متعددة منها “مهرجان 50/50” الذي أشرف عليه روجيه عسّاف. وكان من ضمن هذا المهرجان عروض عربية متعددة. كما أطلقنا “مهرجان الربيع” مع مؤسسة المورد الثقافي والذي يُنظم كل سنتين. ومنذ ثلاث سنوات نتعاون مع “أشكال ألوان” بعروض مسرحية. ومن تونس عرض في مسرحنا أيضاً توفيق جبالي، وكذلك عروض من المغرب وغيرها. واستضفنا عروضاً من فرنسا، ومن الصين في إطار مهرجان الربيع وغيرها من الدول. وهذا التعاون كان على درجة عالية من الأهمية كونه يتيح الإنفتاح بين الثقافات، ويؤدي إلى تفاعل فيما بينها. همنا الأول الآن استمرار المسرح والبقاء على قيد الحياة. ومن ثم نعمل لتفعيل خطوط التواصل الثقافي مع العالم بمجرد الإنتهاء من الأزمات التي نمر بها جميعنا.
*وهل عانيتم كمسرح من أسر المصارف لأموالكم؟
**بالطبع وكما سائر اللبنانيين. نحن جمعية لديها نظام محاسبة مما يفرض أن يكون لدينا حساباً مصرفياً. مررنا ولا نزال بمشكلات مع المصارف وتعرضنا لـ”هير كات” مُقنع من تحديد المبلغ الممكن سحبه، وكانت معاناة بهذا الشأن. تماشينا مع الواقع المستجد للحفاظ على وجودنا.
*ماذا عن فادي أبي سمرا الممثل الناجح والمطلوب للأفلام السينمائية الجادة لماذا أنت رئيس مجلس إدارة في جمعية شمس؟
**عندما دعانا روجيه عساف لنكون من المؤسسين لبيت الدعوة بحماس لكوني إبن المسرح وخريجه وحضوري الفني بدأ من على الخشبة. المسرح يعني لي الكثير على صعيد تكوين شخصيتي الفنية. حبي كبير لهذه المهنة والمسرح منها خاصة، ومن بعدها كان لي حضور في السينما والدراما التلفزيونية، إنما تبقى صورة المسرح حية في وجداني. وأسعى ليبقى المسرح مساحة تعبير في وطننا، سواء بالنسبة لي عبر مسرحيات أكتبها أو أخرجها أو أمثل فيها، فهذا ما أشعره عضوياً في داخلي. وإن مرّت سنة أو أكثر من دون تقديم عمل مسرحي أو مشاركة أشعر بالنقص. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالمشاركة والحضور من ضمن جمعية قادرة على تنشيط العمل المسرحي سيبقى من أولوياتي. صحيح أن رئيس مجلس الإدارة لا ينشغل بالروتين اليومي كما المدير التنفيذي ومدير المسرح في دوّار الشمس عبدو نوّار. إنما مجلس الإدارة حاضر في رسم السياسات العامة وبرمجة المسرح، وكل ما لا يحتاج للمتابعة اليومية. وسيكون الوقت متوافراً للتنسيق بكل تأكيد.
*والختام؟
**الخلاصة أن المدينة التي تفقد أماكنها الثقافية تتحول إلى مدينة رعب، وتصبح خالية من الروح. والمسرح أحد شرايين روح المدينة. أتمنى لمدينة بيروت أن تحافظ على تلك الشرايين من دون أن تنقطع، فالرئة تحتاج لتنشق هذا النوع من الأوكسيجين في ظل هذا التلوث المتصاعد من كل اتجاه.