لا يبدو أن هناك خلافات “معلنة” بين السعودية والإمارات في اليمن
تعتقد الإمارات أن هناك حاجة لتعاون جميع الدول الإسلامية لمكافحة التطرف والاتفاق على مفاهيم مشتركة تتفق مع رؤيتها في تصنيف الحركات والمنظمات على قائمة الإرهاب، مثل جماعة الإخوان المسلمين والجهات والشخصيات القريبة منها بما تشكله من تهديد للأمن والاستقرار والاعتدال في المنطقة والعالم، لذلك انتدبت من نفسها موقع قيادة “الثورة المضادة” لثورات الربيع العربي بالشراكة مع السعودية.
ويرى مراقبون أن الشراكة الإماراتية السعودية في قيادة “الثورات المضادة” لم تكن شراكة مطلقة متفق على تفاصيلها باستثناء الحالة المصرية.
ففي سوريا، تدعم حكومة الإمارات نظام الرئيس السوري بشار الأسد في قتاله ضد الفصائل المسلحة، في حين لا تزال السعودية متمسكة بمواقفها المعلنة في عدم القبول ببقاء النظام في أي تسوية سياسية للحرب في سوريا.
أما في ليبيا، فتبدو الأمور أكثر غموضا، حيث تقدم الإمارات دعما لا محدودا لقوات خليفة حفتر، وهو ما لم تعترض عليه السعودية التي لا تزال تحتفظ بعلاقات مع الحكومة الليبية في طرابلس وتؤيد الحوار بين الأطراف المتحاربة بدون استثناء.
وعلى الرغم من أن الإمارات قد تدخلت في الحرب اليمنية وتمارس أدوارا ضارة بوحدة البلاد وبالتحالف العربي لعودة الشرعية الذي تقوده السعودية، إلا أنها سعت من خلال “القوة الناعمة” لإظهار نفسها قائدا فاعلا في المجتمع الدولي عبر رعايتها الحوار بين الأديان وتقديم أنموذج إسلامي يتفق مع الرؤية الغربية للإسلام “المعتدل”.
وفي الواقع تتشارك السعودية والإمارات قيادة التحالف العربي الذي يضم السودان ودولا أخرى بمساهمات أقل مثل الكويت والبحرين، ومصر التي يقتصر دورها على الدوريات المشتركة مع القوات البحرية السعودية والإماراتية في البحر الأحمر وعند مقتربات مضيق باب المندب.
وعلى صعيد علاقات أطراف الحرب بالمحيطين الإقليمي والدولي، شهدت السنوات الأخيرة تصاعدا في الاستقطابات الدولية والإقليمية لأطراف الحرب، ما زاد في حدة الانقسامات الداخلية بين الأطراف المحلية المتحالفة مع الحكومة الشرعية، بينما يمكن القول إن طرف الحرب الآخر، جماعة الحوثي، حافظ على تماسك صفه الداخلي مع تعميق علاقاته مع الأطراف الفاعلة في الإقليم، وكذلك لدى بعض دوائر الضغط داخل مركز صناعة القرار في الولايات المتحدة.
تقسيم اليمن
تسيطر الإمارات بشكل فعلي على معظم جنوب اليمن وتسعى مع قيادات موالية لها لانفصال الجنوب عن الشمال، خلافا للسياسات السعودية التي تؤكد على عودة الشرعية على يمن موحد بشماله وجنوبه سياسيا وجغرافيا واجتماعيا، ولعبت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات الدور الأكبر في التمهيد لإعادة تقسيم اليمن، الأمر الذي دفع بالرئيس اليمني الذي يمثل الشرعية لدى المجتمع الدولي والتحالف العربي لإقالة الوزير هاني بن بريك قائد قوات الحزام الأمني الذي صرح بعد ذلك أنه الأقوى على الأرض.
ومنذ 2016 عملت الإمارات على تشكيل دولة داخل الدولة اليمنية من خلال دعم كل من محافظ عدن حينذاك عيدروس الزبيدي، ومدير الأمن شلال شائع، والوزير المقال هاني بن بريك، الذين شكلوا قوة خاصة بهم بعيدا عن سلطات الحكومة الشرعية والرئاسة اليمنية، ضمن توجهات دولة الإمارات في محاربة التجمع اليمني للإصلاح بلغت ذروتها في أعقاب التفجير الذي راح ضحيته أكثر من 60 من المجندين في عدن في آب/أغسطس 2016.
وحاول بن بريك المدعوم من دولة الإمارات وخلافا للسياسات السعودية تأسيس إقليم منفصل تحت مسمى “إقليم عدن” على غرار إقليم حضرموت الذي أعلن عنه في نيسان/أبريل 2017 محافظ حضرموت أحمد عيد بن بريك بالاستناد إلى مخرجات الحوار الوطني لعام 2014 التي شرعت لتشكيل ستة أقاليم، ويضم إقليم حضرموت جغرافيا: حضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى، وهي في معظمها مناطق نفوذ إماراتية، الأمر الذي أثار مخاوف السعودية التي ترفض تقسيم اليمن أو تحول جنوبه تدريجيا إلى نظام يشبه نظام “المشيخة” الذي كان سائدا قبل نحو 140 عاما عندما كان اليمن موزعا على 14 مشيخة وسلطنة.
لكن الموقف السعودي الداعم لحكومة الشرعية التي ترفض أي تقسيم لليمن، حال دون تحقيق الإمارات أهدافها الانفصالية بالاعتماد على وكلاء وحلفاء لها في جنوب اليمن.
اتخذت الإمارات موقفا مؤيدا وداعما للمجلس الانتقالي الجنوبي الموصوف بأنه قوة انفصالية تسعى لفصل جنوب اليمن عن شماله، كما تبنت مواقف تحدٍ للسيادة اليمنية في جزيرة سقطرى أدت إلى خلافات واضحة بين حكومة اليمن والحكومة الإماراتية، أجبرت السعودية على التدخل بشكل أكبر في تفاصيل معقدة للسيطرة على تحالف الشرعية والقوى المحلية الأخرى التي تقاتل جماعة الحوثي.
وتشهد علاقات الحكومة الشرعية بدولة الإمارات توترات ظاهرة نتيجة للسياسات التي تتبعها القوى المحلية المدعومة من الإمارات في تعزيز نفوذها وترسيخ مصالحها في اليمن، بالإضافة إلى دعم الإمارات لتوجهات تلك القوى التي تتبنى سياسة فصل الجنوب عن اليمن أو على الأقل إقامة ما يشبه أنظمة الحكم الفيدرالية في محافظات عدة من جنوب وشرق اليمن.
الهدف الإماراتي “المعلن” رسميا من التواجد في اليمن تحت مظلة التحالف العربي لدعم الشرعية يتلخص في إعادة الشرعية لحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، وإفشال مخطط حركة أنصار الله “الحوثي” في الاستيلاء على كامل الأراضي اليمنية بعد “انقلاب” 21 أيلول/سبتمبر 2014 وسيطرة الحركة على العاصمة، صنعاء، واتجاهها نحو مدينة عدن أكبر مدن جنوب اليمن التي أعلنها الرئيس اليمني في 7 آذار/مارس 2015 عاصمة لليمن “لأن صنعاء محتلة من قبل الحوثيين” وهو قرار اعتباري لأن تغيير العاصمة يتطلب تعديل الدستور الذي ينص على أن صنعاء هي العاصمة.
وفقا لمقربين من حكومة دولة الإمارات، فإن الحكومة الشرعية هي حكومة عاجزة وفاسدة ومخترقة من جماعة الإخوان المسلمين، وتتعمد افتعال المعارك الجانبية، الأمر الذي يتطلب من الإمارات “تقييم دورها في اليمن وإعادة جنودها للوطن سالمين فقد أدوا واجبهم الوطني وأكثر”.
ويتحدث مسؤولون يمنيون لوسائل إعلام أن الإمارات العربية المتحدة تعزز وجودها العسكري في سقطرى لوقوعها في خليج عدن وقربها عن دول القرن الأفريقي حيث تتواجد قوات إماراتية في قواعد لها في جمهورية أرض الصومال (غير معترف بها دوليا) وميناء عصب الإريتري.
وتعزز دولة الإمارات نفوذها في جنوب اليمن على مدار الأعوام الماضية بتشكيل قوات “مناطقية” تابعة لها وغير مرتبطة بالحكومة الشرعية، ولها قيادة مستقلة عنها وسجون خاصة بها.
لا يبدو أن هناك ثمة خلافات “معلنة” بين السعودية والإمارات في اليمن، لكن لا شك أن هناك “تباينا” في وجهات النظر يمكن تلمسها من خلال سعي السعودية للوقوف إلى جانب مؤسسات الدولة اليمنية جنوبها وشمالها، والحفاظ على وحدة اليمن التي تهددها “سياسات” إماراتية قائمة على بناء دولة موازية في جنوب اليمن من خلال تدريب قوات “مناطقية” لإعادة تأسيس دولة في جنوب اليمن منفصلة عن شمال اليمن تؤكدها عمليات “السيطرة” على ميناء المكلا جنوب اليمن وعلى مدينة عدن الساحلية وجزيرة سقطرى ومناطق وموانئ أخرى.