يبدو أن هناك انبعاثاً لليسار. في البلدان الديمقراطية استعدادات سياسية حثيثة من اليسار والقوى الاجتماعية – الاقتصادية التي تحمله، فقد تلقى اليمين الليبرالي الجديد ضربة شديدة في الأزمة الاقتصادية للعام 2008. وانكشفت منذئذ حجوم عدم المساواة التي أحدثها في عشرات السنين الأخيرة، واحتل عدم المساواة عن حق مركز الاهتمام الفكري والإعلامي. وعادت المفاهيم اليسارية إلى مركز الخطاب، وباتت الاشتراكية علم المرشحين للرئاسة الأمريكية مثل وورن وساندرز. منذ عشر سنوات تقريباً تعود وتندلع موجات احتجاج يسارية في البلدان الديمقراطية. في المرات الأخيرة، انتهى هذا بتثبيت أنظمة حكم يمينية أو وسط – يمينية، وليس ليبرالية جديدة بل قومية أكثر ومناهضة للعولمة أكثر. فهل ستنتهي احتجاجات كورونا بشكل مختلف؟ هل سيكون ممكناً ترجمتها إلى قوة سلطوية فاعلة، إلى بديل حقيقي لترامب، ولجونسون، ولأنظمة حكم أخرى في بلدان ديمقراطية مثل إسرائيل وبولندا؟
لا، ويبدو أن لا؛ لأن اليسار يسقط في حفرة فوضوية من الرفض الرمزي والعملي للنزعة القومية ويصطدم بالتيارات المركزية في المجتمع. في الولايات المتحدة يلعب الحزب الديمقراطي بمثل هذه النار، وهذا واضح في البعد الرمزي الذي هو في إهانة ذكرى آباء الأمة وإهانة القيادة الديمقراطية بركوع غريب الأطوار وعديم الأساس. في البلاد أيضاً يبدو هناك الآن جهد تقليدي ذو إمكانية اشتعال كامنة لا بأس بها. فالبعد الرمزي للاضطرابات في الولايات المتحدة يكشف مضمون الاحتجاج: الهجوم على الجانب العاطفي من الانتماء والتكافل الاجتماعي، بمعنى على النزعة القومية الأمريكية نفسها. كيف يمكن لهذا أن يكون أساساً جيداً لبديل يساري ناجع بدلاً من إدارة ترامب. كيف يمكن الدعوة بالمساواة باسم التكافل في الوقت الذي يهاجم هو نفسه ويُستنكر وجوده بين الجماعات المختلفة في المجتمع؟ وليس السؤال إذا أمكن أن تؤدي استراتيجية شقاق وفوضى كهذه إلى انتصار ديمقراطي. انتخابياً… ربما نعم (معقول أكثر أن لا)، ولكن السؤال هو هل لمثل هذا التشكيك أن يكون أساساً لحكم يؤدي مهامه ويحسن للمجتمع؟
الموازي في البلاد، فضلًا عن أعمال الشغب التي تقوم بها “الأعلام السوداء”، هو الدعوة لارتباط سياسي بين اليسار والوسط – اليسار والقائمة المشتركة التي تضم شيوعيين، وإسلاميين وشبه فاشيين. وبخلاف الدعوة للدمج السياسي للعرب مواطني إسرائيل، فإن ارتباطاً كهذا الذي حصل بعد الانتخابات الأخيرة مع “المشتركة” وبرنامجها المناهض للصهيونية هو هجوم على الأساس القومي لإسرائيل. فهل هذا هو المكان الذي يمكن منه الدعوة للمساواة باسم التكافل؟
تقوم الديمقراطيات الغربية، بما في إسرائيل، على أساس التكافل القومي. وعندما يمس بهذا الأساس، يقوض النظام التأسيسي فيها. وعليه، فليس مفاجئاً أن نجد الآن في استعدادات اليسار في الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا أيضاً مظاهر فوضوية بارزة، بما في ذلك العلم الأسود التقليدي للفوضويين. إن الفشل الانتخابي لمثل هذا اليسار هو السيناريو الأقل سوءاً. أما نجاحه الانتخابي، غير معقول، ولكن الممكن، فسيكون أسوأ وسيبشر بعدم الاستقرار وعدم أداء المهام، والإعداد لتقويض النظام الديمقراطي وصعود قوى شمولية (استبدادية). المساواة الاجتماعية لن تنمو هنا.
كما أن الخطوة الاجتماعية التي يتخذها اليسار الآن في الدول الديمقراطية المختلفة باعثة على الانشقاق في أساسها. فبعد ضعفه في قواعده التقليدية؛ أي في العمال الكادحين وموظفي القطاع العام، فإنه يعلق آماله على تحالف بين الطبقة الوسطى المثقفة وجماعات هوية مختلفة وحركات نسوية وبيئية. ولكن بغياب فكرة انتماء قومي واسعة، فإن هذه التحالفات محكومة بالفشل. لا يوجد كثير من الاستقرار في الحلف بين جماعات سوداء متطرفة والطبقة الوسطى المثقفة في الولايات المتحدة مثلاً، أو بين تقدميين يهود ولاساميين يتنطحون لهم في اليسار. الأمر ذاته يمكن تشخيصه في البلاد. فما بعد الصهيونية ليس برنامجاً سياسياً جيداً لتجنيد تأييد الطبقة الوسطى الشرقية، أو على سبيل البديل.. الطبقات الفقيرة في الجمهور اليهودي مثلاً. وإن تحالفات مشابهة تجعل اليسار في كل العالم يعلق في وضع تناقضي تتميز به إسرائيل منذ زمن بعيد: “يسار” خصومه الأساسيون هم أبناء الطبقات الدنيا أو يسار يشكل تهديداً على الهوية الجماعية في المجتمع. وقد تكون هنا استراتيجية سياسية غير ناجحة على ما يبدو. أما انبعاث لليسار فلا وجود له هنا.
بقلم: آفي بار-ايلي
إسرائيل اليوم 19/7/2020