مثلت مرحلة الخمسينيات والستينيات ذروة النهضة الثقافية والسينمائية في تاريخ مصر الحديث، ورغم ما أثير من آراء حول التوظيف الثقافي والفني لخدمة النظام السياسي الناصري، وتحقيق أهداف ثورة يوليو، وهو ما يعتبره البعض من المساوئ الكبرى للثورة، إلا أن ذلك لم ينفِ التميز الثقافي والتنويري للمرحلة، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك القليل من العيوب الفنية التي شابت عملية الإخراج السياسي لإنجازات الثورة، ودورها وأهميتها، فقد تكون المبالغة في الاحتفاء بالمكتسبات الثورية من وجهة نظر المختلفين مع جمال عبد الناصر ورفاقه، أحد أسباب المعارضة للمشروع برمته، حيث تم التركيز على الترويج الإعلامي، من دون تقييم حقيقي للمشهد ككل، وهو ما تم تشخيصه بأنه أحد أعراض الزهو بالنجاح الذي حققته حركة الضباط الأحرار في مستهل قيامها، وإنجازها في إحداث بعض التغييرات الجوهرية على المستوىين الاجتماعي والسياسي.
وبالقطع كانت السينما والأغاني من الروافد الفنية والإبداعية المهمة، التي ساهمت في تنشيط الوعي الجماهيري، وخلق التأثير المطلوب لتأييد ثورة 23 يوليو/تموز كحدث فارق في حياة الشعب المصري والشعوب العربية، ونقطة تحول جذري على مستويات كثيرة، ولأن رد الفعل يأتي دائماً على قدر الحدث، فإن الإسهامات الفنية والثقافية المصاحبة له، جاءت بالفعل قوية فنالت قسطاً وفيراً من النقد، بما يوازي القسط الأوفر، الذي نالته من التأييد، وهذا هو مربط الفرس في إشكالية الرفض والقبول بالثورة وإحداثياتها.
ولو بدأنا بالأغاني التي واكبت المرحلة، سنجد أنها سبقت السينما في المبادرة والتأثير الشعبي، ولعبت دوراً رئيسيا في فكرة الترويج للعهد الجديد، الذي بدأ بخلع الملك وإلغاء الملكية، وإعلان الجمهورية عام 1952، ففي غضون سنوات قليلة كانت الأغنية قد احتلت موقع الصدارة في برنامج الثورة، كأحد مقومات الدعاية الإيجابية لما يتحقق من إنجازات على أرض الواقع، بدأت بقانون الإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على البسطاء من الفلاحين ورفع شعار الأرض لمن يزرعها، فحينئذ ظهرت أغنيات مثل فدادين خمسة» ـ «خمس فدادين» للثلاثي المرح، وأيضاً أغنية «أنا عايزك تكبر ياولدي وتزرع ورد في صحاريها» للمطرب سيد إسماعيل، بالإضافة لأغنيات أخرى جاءت داعمة بدورها لقانون الإصلاح الزراعي.
كان فيلم «الأرض» ليوسف شاهين علامة دالة على التأييد الكامل للثورة، التي أنصفت الفلاح وأنقذته من الهلاك، ولا شـــــك في أن الفترات التي أنتجت خلالها هذه الأفـــلام كانت هي الفترات التي لعبت فيها السينما، كمكــــون ثقافي ومعرفي، دوراً أساسياً في الدعم المباشر لثورة يوليو.
غير أن الحركة الغنائية ظلت على نشاطها تسير بمحاذاة الثورة وتمضي في مسارها، ولهذا كانت هي الأوضح في التعبير عن نبض الشعب وإحساسه الخاص بالتغيير، ومن ثم التصقت بشعراء الأغنية الكبار وملحنيها ومطربيها، تهمة الترويج الدعائي لثورة يوليو، ووصفت الأصوات الشعرية والغنائية من جانب المعارضين بأنها أبواق للنظام، وقد طال هذا الوصف بطبيعة الحال عبد الحليم حافظ وصلاح جاهين وعبد الوهاب ومحمد الموجي وكمال الطويل وعبد الرحمن الأبنودي وبليغ حمدي وعبد الرحيم منصور وعلى إسماعيل ولم تُستثن منه كوكب الشرق، باعتبارها الصوت الغنائي المصري والعربي الأكثر شعبية وجماهيرية، وصاحبة الامتياز في التغني بأمجاد الثورة وأناشيدها مع العندليب الأسمر وبقية النخبة الفنية، فالرصيد من الأغنيات الوطنية لهؤلاء الكبار جد وفير، «مصر تتحدث عن نفسها ـ صوت بلدنا ـ بالأحضان ـ إحنا الشعب ـ ثورتنا المصرية ـ صوت الجماهير ـ وطني الأكبر ـ حكاية شعب….» إلى آخر الإبداعات المحفوظة عن ظهر قلب لأم كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب وغيرهم.
أما السينما المصرية، فكانت الإطار الذي جسد العديد من الروايات والقصص، وعمل على ترسيخ المفاهيم الخاصة للكُتاب والمبدعين، كل حسب اتجاهه وأفكاره، إذ تباينت الرؤى فجاء بعضها مؤيداً والبعض الآخر معارضاً، وتشكّل العديد من التصورات ووجهات النظر حول مزايا يوليو وعيوبها، فجاء على سبيل المثال فيلم «رد قلبي» مؤيداً بشده وعارضاً لمستويين من الحياة الاجتماعية للمصريين، قبل وبعد الثورة، في انحياز كامل لدور ثورة يوليو في تحقيق العدالة الاجتماعية، بعد فترة من الظلام الحالك الذي عاشته البلاد تحت وصاية الاحتلال وأتباعه. وكذلك جاء فيلم «غروب وشروق» مؤكداً للمعنى ذاته، ومشيراً لأوجه الفساد الضارب في عمق الطبقة الحاكمة، إبان الحقبة القاسية، وكذلك كان فيلم «الأرض» ليوسف شاهين علامة دالة على التأييد الكامل للثورة، التي أنصفت الفلاح وأنقذته من الهلاك، ولا شـــــك في أن الفترات التي أنتجت خلالها هذه الأفـــلام كانت هي الفترات التي لعبت فيها السينما، كمكــــون ثقافي ومعرفي، دوراً أساسياً في الدعم المباشر لثورة يوليو، بخلاف فترة السبعينيات وهي مرحلة النقد القاسي للثــــورة، حيث ظهرت موجة من الأفلام المناهضة، كـ«الكرنك وثرثرة فوق النيل وميرامار وطائر الليل الحزين وحافية على جسر الذهب واتنين على الطـــريق وإحنا بتوع الأتوبيـــس»، وكلها أفلام ذهبت إلى تجريد الحكم الناصري من كافة محاسنه، واعتـــبرته حكــــماً جــــائراً قــــام على التكدير والتعذيب ومصادرة الحريات، وهي الصــــور الســـينمائية البينية التي تم الرد عليها في مطلع التسعينيات، وبداية الألفية الثانـــية، بأفلام عملت على تحريك الصورة الذهنية المشوشة وتصحيحها قدر الإمكان، برؤى مختلفة في «ناصر 56 ويوم الكرامة والطـــريق إلى إيلات والممر وعبد الناصر الأمس واليــــوم وغداً»، والأخـــير وثائقـــي يمثل شهادة حية مسجلة بالصوت والصــــورة تؤكـــد على أهمية المسيرة الناصرية ومنجزات ثورة يوليو، كحدث اجتماعي سياسي ثقافي تنويري مهم، ومحطة تاريخية فاصلة في حكم مصر المحروسة.
٭ كاتب من مصر