فيلم “طريق سِيدي” للمخرج الفلسطيني نزار حسن: توثيق بصري للخيبة والألم والمنفى

ميسلون فاخر
حجم الخط
0

بإصراره على سرد حكايته، والنبش في تاريخ جده، وبحثه الدؤوب عن أسرار كثيرة حاول الكيان الصهيوني اخفاءها، نجح نزار حسن، مخرج أفلام تسجيلية ومنتج سينمائي، في صناعة فيلم تسجيلي أثّث به كل ما حمله من خزين ساخن أو بعيد الأمد؛ ليمدنا بأفلام عدة توثق تاريخ  فلسطين.

يطل علينا هذه المرة، بفيلم من ثمانية أجزاء، يحمل عنوان “طريق سِيدي” من إنتاج الجزيرة الوثائقية عام 2020 والتي دأبت دومًا في رفد المحتوى العربي بمواضيع تهم وجع المواطن المجبول بالخيبة والألم، تناول بها جانبًا من رحلة جدّه. رحلةً قضاها مشيًا على قدميه من أقصى شمال فلسطين إلى جنوبها، إبان العهد العثماني سواء أثناء هربه من الخدمة العسكرية، أو عمله تاجرًا، معتمدًا على تسجيلات صوتية سجّلها والده للجدّ عام 1977 يصف فيه رحلاته ومغامراته.

نجح حسن في صناعة سينما تسجيلية خاصة به، متميزة تقترب من السينما الروائية. عمله الأخير وثائقيٌّ يحكي عن نماذج إنسانية في صراعاتها مع المحتل. سينما تقع في منطقة غير محايدة ما بين الواقعي والوثائقي، أذاقنا – مناصفةً معه – الخيبة والألم والمنفى، اشتغل على توثيق بصري وأدوات أقل تعقيدًا وأكثر مباشرةً.

من نافلة القول إن صناعة الوثائقي رحلةٌ محفوفة بالمخاطر؛ لأنها أحيانًا ما تكون مملةً لدى المشاهد العادي، أو ربما تحمل في طياتها موقًفا دعائيًا محمَّلًا برسائل ضمنية يسوقها صانع الأفلام، وهذه الرسائل سرعان ما يكتشفها المشاهد المتمرِّس في استكناه نوع العمل.
أراد نزار تسجيل موقف واضح في جميع أفلامه، موقف لا غبار عليه متبنيًّا للقضية الفلسطينية من خلال صوره البصرية وسرده في العمل، أراد تقديم سيرة ذاتية سينمائية عن الوجود الفلسطيني، فضلًا عن تاريخ المنطقة متوسدا برحلة راجلة تشهد على مأساة خلقها المحتل، رحلة تبحث في خباياها عن الصورة القاتمة وحجم المرارة التي رافقت بحثه في طريق جده، الذي سلكه قبل الوجود الصهيوني، إذ عاد لتاريخ يمتد إلى أكثر من مئة عام، من خلال خرائط ووقائع تدعم أحقيته هو وجده، المالك الشرعي للأرض.

ومع مرور الذكرى الرابعة والسبعين على الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، يأتي هذا العمل احتفاءً بالقضية، وكي نسهم في شحذ الذاكرة الجمعية بألا تُنسى وسط هموم جديدة وأخرى قديمة متجددة.

إن أحد أعمدة فضاء هذا الفيلم صراع خفي وعلني، وتنافس حاد إلى درجة الكراهية، وقتل بين المستعمر وأصحاب الأرض الشرعيين. قادنا الفيلم إلى أن الجد وُلد عام 1889 أي بعد سبع سنوات من بناء اليهود مستوطناتهم الأربع الأولى على أرض فلسطين، وقام برحلته التي ارتكب فعلتها الحفيد لاكتشاف فلسطين جغرافيًا وحضاريًا.

قدّم سيرًا مختلفةً عن حياة الناس في تلك الحقبة، مع استذكارات قصيرة من طفولته، وهي نداءات حنين (نوستالجيا) أو كما أسماها الجاحظ الأبابة؛ ليرسم لنا صورًا رومانسية يستحضر فيها عقله تجارب أو مشاهد سعيدة مقتطعة من الماضي، تجسدت حالة الفقدان لها، وبالطبع كانت النوستالجيا النبع المتدفق للفيلم بشتى أنواعه.

البساطة في موضوع شائك

نعتقد أن صاحب العمل تلمّس البساطة في موضوع شائك مثل هذا، وتناول بعض الجوانب -لا كلها- لو كان يستطيع أن يعلم بعدسته عن جوانب حسّاسة كثيرة لحياة هذه القرى التي يسمونها فلسطين، من خلال جده أحد سكانها. أمّا لماذا يطلقون عليها تلك التسمية؟ هذا ما سنعرفه أثناء سرده للحكاية.
منذ البداية، كان صريحًا جدًا معنا، فلا شيء عنده أصلًا ليخفيه، كما أنه ليس من هواة خلط الصور مثلما يحدث في الأعمال المركبة، والتي توظِّف أنواعًا مختلفةً من الاشتغالات وحدود تأويل المفردات كالصورة والإثارة.

لم يكن شغوفًا أيضًا بجرّ المشاهد لمسافات طويلةٍ عبر الطرق الوعرة فقط، بل حرص على احتفاظهم بالسؤال الدائم عن حجم المفارقة التي رافقتهم طوال الرحلة، إذ يحرص كثيرٌ من المشتغلين في هذا المجال على دسّ المفارقة في جعبهم، مع احتفاظهم بابتسامة صفراء طوال الوقت، أما المفارقة نفسها فلا تظهر إلا في النهاية.
الحكاية ليست قصيرةً أصلًا، من اسم القرى نفسها، أن يكون إشارةً ما لمدى أحقية السكان بوجودهم الجغرافي، ولم يغفل الفولكور بمنسوجاته من لغةٍ وتراثٍ وأغانٍ من نِتاج هذه المنطقة، كلها لم تأتِنا عبثًا؛ لتؤكد حجم الاغتصاب الذي تعرض له تاريخ الشعب الفلسطيني. كم كنت أتمنى لحكايته أن تتمدّد على جسد الأرض وتغفو بمزيدٍ من الأحداث؛ لتغدق علينا هباتٍ من الوطن وقصص الجدات.
حين يلاحق المخرج في الفيلم خطى الجد الذي يقدمه لمن يلاقيهم برحلته أثناء تصوير الفيلم بأنه “مواطن عثماني في فلسطين” على طريق تجارته القديمة، راجلًا إلى قُرى فلسطينية أُبيدت أو استُبدلت. وفي رحلته لا ينسى المخرج أن يخبرنا ببعض الحكايا من ذاكرة أهل القرى، كما يواجِه مستوطِنيها بالذاكرة الفلسطينية، التي تُسبب لهم مشاعر مختلطة من بينها الفزع أو التحفظ أحيانًا.

وعلى كلِّ حالٍ، فإن النقطة الجوهرية التي طغت في فضاء العمل هي أن هناك غريبًا أقبل من بعيد ليشاركك الأرض، ومن ثَمَّ ينفيك بعيدًا عنها. حاول المخرج أن يورِّطك في الغوص بأحداث الفيلم من اللقطة الأولى؛ فتعيش في دوامة رؤاه الفنية ولمساته الإخراجية، التي منحت العمل وسيناريو الفيلم تشويقًا، وفتحت أمامنا تساؤلات عدة، بأن كاتب السيناريو هو المخرج نفسه.

مارس سطوته الإخراجية ولكن بسلاسة على محاور العمل كافة، وأنتج أفضل ما يمكن فعله من تلك الصور.

يهمس لنا عن نفسه من دون أن يبوح بذلك، يتخيل المشهد وصولًا إلى آخر مفردة في العمل؛ ليكتب كل هذه التفاصيل في النص، ثم ليترك النص أثناء التصوير، ويُدخِلك في قلب أحداث الفيلم من اللقطة الأولى؛ فتعيش في دوامة تصوراته ولمساته الإخراجية الكبيرة، التي تضيف لقصة وسيناريو الفيلم تشويقًا فريدًا، وتفتح آفاقًا ربما لم يفكر بها الكاتب من الأساس.

بدت تلك التأثيرات بثقةٍ حين نأى عن التصريح المباشر أو الاستعراضات التقليدية في الأفلام الدعائية، وابتعادٍ واضحٍ عن أن يكون فيلمه موجهًا لجمهور النخبة، وأظنه نجح في ذلك الإقدام، ولم يكن وقوفه في فضاء العمل إلا قويًّا متماسكًا وجريئًا.

استخدم تقنياته في زمن يضج بالتحولات، وفاقت أعماله في تأثيراتها قدرة مراكز ووحدات بحوث، وعضَّد الوثائقي بتقنيات الحكاية المشبعة لفكرة الوجود ومشهد السينما والطبيعة السيكولوجية في فضاء يتجاوز محنته الملوثة بنفس الحروب؛ ليخرج من نُشُجِ القتل والدمار إلى أغاني الحياة.

لا يوجد عمل فني إلا ويحيل إلى رسالة أو أجندة، وهذه الأخيرة ترتبط ارتباطًا معقدًا في حياة المنجز الفني وبأكثر من جانب، ولأن التوثيق السينمائي يحتاج قدرًا من المكاشفة التي تمنح المشاهد لذة الاكتشاف ومتسعًا من فسحة الاستمتاع؛ ففي نهاية المطاف أمام الوثائقي خياران: أولهما أن ينقل الواقع  بصدق وأمانة وموضوعية ما ينسجم مع ما طرحه المخرج السينمائي الهولندي يوريس إيفينس القائل إن الفيلم التسجيلي “ضمير السينما” والخيار الآخر يسلكه صناع الأفلام الوثائقية من أجل مصالح وأهداف وأيديولوجيات معدّة سلفًا قبل الشروع في الفيلم التسجيلي، ولذا هناك خط فاصل بين الضفتين يبدو أحيانًا وعِرًا، ويبدو مرتبكًا أحايين أُخَرى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية