إذا كان الحديث يكثر حاليا حول موضوع وقف نزيف الاقتصاد العالمي من جراء الحالة الوبائية، فقد واجه أكثر من اقتصاد عربي إصلاحات، أدخلت على الأنظمة المصرية بوصفها شرطا مفروضا من صندوق النقد الدولي لتقديم القروض.
وتعتبر الحالتان المصرية والمغربية ، كل حسب خصوصياتهما، نموذجين قدرا بالناجحين لتعويم سعر صرف العملة المحلية الذي كان من بين شروط الصندوق، مصحوبا برفع الدعم عن السلع والخدمات. ففي عام 2016 في مصر، كان من آثار عدم توفر العملة المحلية بما يكفي، وجود مواد خام وبضائع غير مفرجة في الموانئ، فضلا عن عجز المستثمرين عن تحويل العائد على استثماراتهم للخارج بمقدار يفوق الـ7 مليارات، في سياق تجاوز فيه سعر صرف الدولار 20 جنيها.
لكن رأى الخبراء أن مؤشرات إيجابية توالت إثر تطبيق التعويم، منها دخول حصيلة للصادرات في البنوك انجرت عنها وفرة في العملة مكنت من تغطية اعتمادات عملية الاستيراد وسداد المبالغ المستحقة على البلد.
من المعروف أن ضمان توافر العملة في القادم من الفترات يمر عبر جلب العملة الأجنبية أساسا بواسطة مصادر النقد الأجنبي الخمسة التقليدية (الصادرات، تحويلات المقيمين في الخارج التي تدنت وقت بدء التعويم لتعود إلى الارتفاع من جديد، السياحة، الاستثمار…) حينها تصبح الدولة قادرة على سداد دينها الخارجي (دين يبلغ في مصر 92 مليار دولار، لكن 37 في المئة منه يدخل في الناتج المحلي الإجمالي) بعودة تدفق الدولارات الذي يرى كثيرون انه ما كان ليتأكد لولا عودة السعر المستقر للدولار من جهة، والتخلي النهائي عن التسعيرة الجبرية من جهة أخرى.
واذا كان بالإمكان فعلا تسجيل جملة من محاسن التعويم مثل دخول الأغلبية الساحقة من التحويلات عبر القنوات الشرعية من الآن فصاعدا وليس عبر السوق السوداء، فضلا عن ارتفاع الدخل القومي من السياحة وزيادة الاستثمارات الأجنبية في قطاع البترول والغاز تحديدا، يظل غلاء الأسعار العقبة الكأداء التي لا مناص منها، بعد أن تخطت الـ 35 في المئة عقب التعويم، لتبلغ توقعات الانخفاض 10 في المئة عام 2019.
يرى البعض أن القرار ساهم في الوصول إلى منطقة توازن لسعر الصرف وساهم في تحسن المدفوعات ومعالجة خلل الميزان التجاري، بزيادة تنافسية أسعار الصادرات المصرية في السوق العالمية.
لكن السؤال الباقي وهو الأهم، كيف يدبر المواطنون حياتهم في ظل ارتفاع الأسعار؟ فارتفاع الأسعار الناتج عن التعويم لم يصل بعد إلى مستوى التراجع المطلوب. إذ منذ أن أقدمت الحكومة المصرية على تعويم الجنيه المصري في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2016 دخلت هذه الأخيرة في محطات إصلاحية متفرقة أبرزها رفع سعر الغاز المستخدم في المنازل والمحال التجارية بنسب تتراوح بين 30 و 75 في المئة منذ 21 تموز/يوليو2018 كما سجلت جملة من الزيادات على أسعار المحروقات وأسعار الكهرباء، وتعرفة ركوب مترو الأنفاق الذي يعد لدى المصريين من أكثر المواصلات شعبية. فلا استغراب حينها من توالي ردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي على خلفية التناقض بين إعلان الحكومة المصرية عن زيادة كبيرة في إنتاج البلاد من الغاز الطبيعي إلى درجة قرب تحقيق الاكتفاء الذاتي، ورفع أسعار الغاز بهذه النسب في المقابل.
هنا تتضارب التفسيرات، فعندما تتحدث الحكومة عن “خطة لترشيد المنتجات البترولية والغاز الطبيعي” (يتبعه ترشيد في استهلاك الكهرباء والغاز والمواصلات) يرى مختصون أن رفع الأسعار بهذه الطريقة مرتبط بسداد مستحقات الشركات الأجنبية العاملة في مجال التنقيب عن حقول الغاز الجديدة التي أعلنت مصر اكتشافها، ومن آثارها الجانبية على سبيل المثال انخفاض دعم الوقود ليصل إلى 10 في المئة فقط. في ظل زيادة الأسعار المتواصلة هذه، لا غرابة أيضا في أن يبادر بعض رسامي الكاريكاتير إلى التلاعب بالألفاظ مثل إسلام القوصي على موقع “أولاد البلد” في رسم يمثل استشارة طبية يخاطب فيها طبيب سيدة قائلا: “للأسف، عندك السكر” فتجيب “لولولو…ودول… كم كيلويا خويا؟”.
أما التجربة المغربية التي انطلقت في كانون الثاني/يناير 2018 فقد اتسمت بتدريجيتها أمام ارتفاع الكثير من أسعار السلع الأساسية ومخاوف انهيار سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية. فإذا نظرنا إلى أوجه التشابه والاختلاف بين التجربتين المغربية والمصرية نجد أولا أن خلفية التضخم مختلفة في كلا البلدين، أقل من 2 في المئة في المغرب، وحوالي 23 في المئة في مصر. كما يختلف المشهد في أن السلطات النقدية في المغرب مهدت الرأي العام لتعويم الدرهم منذ شباط/فبراير 2017 مشددة على انفتاح الاقتصاد المحلي على العالم الخارجي، ما يترجم في الميدان برفع تنافسية الشركات المحلية وانخفاض كلفة الإنتاج وبالتالي طرح السلع بأسعار منافسة للسوق الخارجي.
هنا، يصبح الضغط على الاحتياطي من النقد الأجنبي أقل، عبر تنشيط حركة التصدير وتقليل حجم الاستيراد، ويتقلص اذاك العجز في الميزان التجاري (بعد أن بلغ مستويات تفوق الـ50 في المئة.). كما يرى مراقبون أن التعويم يكسب العملة المحلية القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية (تقلبات أسعار النفط، أسواق العملات… ) كما يساعد في تحويل البلد إلى مركز عالمي جاذب. من جهة أخرى، يشكل توجه المغرب للاستثمار بكثافة في السوق الأفريقية أمرا أساسيا، ما يستلزم ضرورة التوفر على احتياط مهم من العملات الصعبة وما يؤهل البلد كذلك لتنفيذ شرط صندوق النقد الدولي الذي يطالب بالتعويم مقابل تقديم أي قرض. وعند تشديده على أن الإصلاح في المغرب “طوعي ومحضر له وتدريجي ومنظم” يعلل بنك المغرب الفارق الأساسي بين الحالتين المصرية والمغربية في كون احتياطي مصر من العملات الأجنبية وقت تعويم الجنيه كان يمثل 50 في المئة من مقياس كفاية احتياطيات الصرف، بينما يتراوح احتياطي النقد الأجنبي في المغرب بين 100 و150في المئة من مقياس احتياطيات الصرف.
هذا وقد اتخذ المغرب إجراءات إصلاحية مسبقة مقارنة بوضع مصر قبل إصلاح نظام الصرف، على خلفية انعدام وجود سوق سوداء في المغرب وعجز للموازنة لم يتعد عام 2015-2016 الـ3.5 في المئة في المغرب مقابل 12.5 في مصر.
لكن هل سيبقى التعويم الذي يعتمد عليه درءا لاستفحال الضائقة الاقتصادية حلا مناسبا في ظل أزمة كورونا وتبعاتها؟ السؤال يظل كاملا في سياق أزمة أدخلت هذه المرة صدمة خارجية عضوية على اقتصادات لم تعان حتى الآن سوى لكمات وكمدات آتية من خلل طبيعته معروفة رغم العقبات المزروعة في طريق حله.