بمناسبة ترميمه وإعادة افتتاحه
القاهرة-“القدس العربي”: في منطقة صحراوية تقع شمال شرق القاهرة ــ مصر الجديدة حالياً ــ أقام المهندس والرحالة ورجل الصناعة البلجيكي إدوارد إمبان (20 ايلول/سبتمبر 1852ــ 22 تموز/يوليو 1929) قصره الشهير، المُسمى بـ “قصر البارون” محاولاً إقامة مدينة متكاملة في مكان لم يكن مأهولاً وقتها، قصور وحدائق وكنيسة. عالم صنعه الرجل على عينه، متأثراً بمشاهداته في بلاد الشرق الآسيوي وحضارته. هذا البناء الغريب لم يسلم حتى سنوات قليلة، وربما حتى الآن من حكايات وأساطير عن الرجل وحياته، وما تركه من مكان وتفاصيل حياتية غامضة تصلح مادة جيدة لأفلام الرعب. هذا القصر الذي ظل مهجوراً لعقود طويلة، قامت الدولة المصرية بترميمه وإعادة افتتاحه مؤخراً، وبعد تجاوز القصر المئة عام، منذ الإنشاء وحتى اليوم تتواتر الحكايات.
مدينة الشمس
عندما قدم البارون البلجيكي إدوارد إمبان من الهند إلى مصر بعد افتتاح قناة السويس بقليل، أعجبه مناخ مصر، فاختارها مقر إقامته الأساسي. واقترح على الحكومة المصرية آنذاك فكرة إنشاء حي في الصحراء شرقي القاهرة، واختار له اسم “هليوبوليس” أي مدينة الشمس. فقام بشراء الأرض مقابل جنيه واحد لكل فدان ــ 6 آلاف فدان ــ كان المكان مهجوراً من الناس، فكلف إمبان المهندس البلجيكي أندريه برشو مهمة إنشاء خط مترو في المدينة ما زال يعمل حتى الآن ويسمى “مترو مصر الجديدة” كذلك قام ببناء سلسلة من البيوت على الطراز البلجيكي الكلاسيكي، فيها الحدائق على مساحات واسعة، بالإضافة إلى فندق ضخم في مدينة هليوبوليس، الذي ضُم لاحقاً إلى القصور الرئاسية في مصر، ويستخدم حالياً كمقر رسمي لرئيس الجمهورية تحت اسم “قصر الاتحادية”.
البارون وأساطيره
ويعود لقب البارون الذي استمده إمبان إلى ملك فرنسا، بسبب جهود البارون في إنشاء مترو باريس. وتأتي وصية البارون بدفنه في مصر، وهو ما حدث فعلاً، وقد تم استحضار الجثمان من بلجيكا إلى مصر عام 1929. أما الجثمان فتحكي الأسطورة بأن الرجل أوصى بحرق جثته على الطريقة الهندوسية، ونثر رماد جثمانه في حديقة القصر. إلا أن الثابت أنه دُفن في كنيسة البازيليك الواقعة على بعد كيلومتر واحد فقط من القصر، ومن بعده دُفن أيضاً ابنه جان، في الكنيسة ذاتها عام 1946. أما شخصية البارون فيُحكى بأنه كان نموذجاً للغموض، بل والرعب في بعض الأحيان، فالرجل بداية كان يُعاني من عَرَج في إحدى ساقيه، كما كان يُعاني من نوبات صرع شديدة، ونظراً لصرامته التي تصل حد القسوة، لم يجرؤ أي من الخدم الاقتراب منه، حتى وهو يعاني من نوباته المعتادة. حكايات الغموض والرعب أيضاً كانت تحيط بالقصر، وكأننا في سيناريو نموذجي لفيلم رعب، بداية من الغرفة المسحورة، التي حرّم البارون دخولها على الجميع، حتى شقيقته البارونة هيلانة، والتي من ناحية أخرى وقعت من شبّاك غرفتها فى القصر وماتت في ساعتها، ومن وقتها والقصر ــ الذي كان يدور مع الشمس كل ساعة ــ لم يتحرك مطلقاً حتى الآن! واستمراراً لهذه الحادثة أو غيرها تواترت الأقاويل، عن سماع أصوات وحركة مستمرة طوال الليل في القصر، كذلك اشتعال وانخماد النيران فجأة دونما سبب. كما عادت شهرة القصر كمكان للغموض والرعب لأنه كان مسرحاً للقضية المعروفة إعلامياً بـ “عَبَدَة الشيطان” في آواخر تسعينيات القرن الماضي.
البناء
خلال معرض هندسي في باريس عام 1905 شاهد إمبان تصميماً هندسياً أسطورياً للمهندس الفرنسي ألكسندر مارسيل، حيث كان التصميم مستوحى من فنون العمارة الأوروبية، وفن العمارة الهندي. فالتصميم الداخلي يأتي على طراز العصور الوسطى الأوروبية، بينما الخارجي على طراز المعابد الهندوسية التي من أمثلتها معبد أنكور وات في كمبوديا ومعبد كاشي فيشواناث في ولاية أتر برديش ومعابد ولاية أوديشا في الهند. فلاقى ذلك هوىً في نفس إمبان، الذي كان يعشق الحضارة الهندية. فيما عهد البارون بزخرفة القصر إلى الفنان جورج لويس كلود. ويلاحظ أن القصر من أوائل المباني التي شيدت باستخدام الخرسانة المسلحة في مصر، وقد استغرق تشييده 5 سنوات، حيث بدأ عام 1906 وتم الانتهاء منه عام 1911.
القصر
تبلغ مساحة القصر 12500 متر مربع. يتكون من سبع حجرات موزعة على طابقين، الأول فيه صالة كبيرة و3 حجرات، منها غرفة للضيافة وأخرى للبلياردو. أما الطابق الثاني فيتكون من 4 غرف، لكل غرفة حمام خاص بها. أما البرج الشهير، فيتكون من 4 طوابق. إضافة إلى سرداب وممر داخلي يصل القصر بالكنيسة ــ كنيسة البازيليك ــ بخلاف الحدائق الواسعة المحيطة بالقصر.
وتأتي شرفات القصر الخارجية مُستندة على تماثيل مستوحاة من البيئة الهندية وكائناتها ــ فيلة هندية ــ إضافة إلى تماثيل من البلاتين تنحو نحو الطراز اليوناني والأوروبي ــ التماثيل الداخلية ــ أما الأرضية فمن الرخام والمرمر الأصلي. كما توجد لوحة لبوذا، تقع على الواجهة الرئيسية أعلى باب الدخول، ذلك لطرد الطاقة السلبية ومنعها من الدخول. واللوحة تظهر بوذا جالسا فوق زهرة اللوتس التي ترمز إلى النقاء، في وضعية التأمل، مع مجموعة من الفتيات يرتدين ملابس بسيطة يرقصن حوله.
أما في الداخل فتوجد ساعة عتيقة ــ لا توجد مثلها إلا في قصر باكنغهام ــ تشير إلى الوقت بالدقائق والساعات والأيام والسنين وتغييرات أوجه القمر ودرجات الحرارة، وقد صُصم القصر بطريقة لا تغيب الشمس عن حجراته، حيث يرى مَن بالداخل كل ما يحدث في الخارج، عن طريق زجاج بلجيكي. فالقصر مبني على أسطوانة دائرية كبيرة تجعله يدور دورة كاملة كل ساعة، وقد توقف عن الدوران بعد موت البارونة هيلانة كما يُقال. أما السطح فأشبه بمتنزه لإقامة الحفلات، إذ يحتوي على رسوم نباتية وحيوانية ويُصعد إليه بواسطة سلم خشبي.
من البارون إلى الآثار
بعد وفاة البارون إمبان ظل القصر في حوزة ورثته، بداية من الابن جان الذي توفى عام 1946 ودُفن بجوار والده في كنيسة البازيليك، ثم انتقلت الملكية لأحفاد إمبان، حتى تم بيع القصر ومحتوياته في مزاد علني عام 1954 إلى السوري محمد بهجت والسعودي محمد علي رضا وشقيقه، مقابل مبلغ قدره 160 ألف جنيه. وفي عام 1993 سُجل القصر رسمياً كأثر. وفي عام 2005 اشترته وزارة الإسكان المصرية من مُلاك القصر مقابل منحهم قطعة أرض بديلة في القاهرة الجديدة بقيمة تساوي الثمن المقدر للقصر وقتها وهو 125 مليون جنيه مصري، حتى آل في النهاية إلى المجلس الأعلى للآثار عام 2007.
الجدل حول ترميم القصر
في منتصف 2017 بدأ مشروع ضخم لترميم القصر وإعادته لسابق هيئته بهدف الحفاظ عليه كأثر مر عليه أكثر من 100 عام، وقد بلغت تكلفة الترميم حوالي 175 مليون جنيه ــ حوالي 11 مليون دولار ــ بالتعاون مع سفارة بلجيكا في القاهرة. ومنذ الانتهاء من ترميم القصر وافتتاحة يوم 29 حزيران/يونيو 2020 لم يهدأ الجدل حول مدى الالتزام الذي رافق عملية الترميم، من حيث طبيعة المبنى ولون الطلاء الذي أثار الكثير من السخرية. ويستند الفريق المؤيد والمهلل لعملية الترميم إلى أن البارون إمبان أراد أن يميز قصره عن باقي عمائر هيليوبوليس التي كانت تتميز بلون الصحراء ــ اللون الترابي ــ واختار اللون الطوبي المحروق، فالواجهات كانت مغطاة بلون أبيض مع لون طوبي محروق مستوحى من معابد القرن الثاني عشر في شمال الهند. إضافة إلى وجود وثيقة فرنسية تقر أن اللون الطوبي هو لون القصر الأصلي. ويضيف أحد أساتذة الآثار، والمستشار السابق في المجلس الأعلى للآثار مختار الكسباني قائلاً “ما يتم تناقله عبر وسائل السوشيال ميديا عن كون الترميم أخرج القصر من سياقه التاريخي، هو كلام غير منضبط تماماً، وأن اللجنة الفنية المشكلة قامت باستخدام المواد الطبيعية التي استخدمت في بناء القصر والتماثيل في عملية الترميم”. من ناحية أخرى يُشير الرجل إلى وجود اقتراحات لكي يكون القصر مطعماً عالمياً، وتكون حديقته مسرحاً للحفلات الفنية الشبيهة بتلك الحفلات التي تقام في منطقة مارينا في الساحل الشمالي. على الجانب الآخر يقول عبد الفتاح البنا أستاذ الترميم في جامعة القاهرة إن “عملية ترميم القصر تم اجراؤها بعقلية رجال الأعمال وعقلية (الصنايعية)، لا بعقلية الفنان، فوزارة الآثار تمتلك العديد من الوثائق الخاصة بجميع القطع الأثرية في القصر وجميع المواد الخام التي صنع منها وبالتالي هذا يسهل عملية الترميم، وهو ما لا يوجد للعديد من الأعمال الأثرية، ولم تتم الاستعانة بتلك الوثائق. فالشركة القائمة بأعمال الترميم لم تتمكن من التعامل مع لون القصر ولم تستطع الحصول على اللون الطبيعي والأصلي له، حيث استعان بناته الأوائل عام 1906 بلون صخر يسمى (السماق الإمبراطوري) ــ حجر البروفير الأحمر ــ ولم يتمكن الصنايعية من الوصول لهذه الدرجة ومعرفة أصلها وبالتالي خرج لون القصر بهذا الشكل الفج وفشلوا فشلا ذريعا في مضاهاة اللون، كما أن القصر مبني من مجموعة من الطوابق الخرسانية التي يمكن تحريكها وليست من الخرسانة المعروفة حالياً”.