لندن – “القدس العربي”: أصاب يوفنتوس جماهيره بالسكتة الكروية مساء الخميس الماضي، بعد السقوط الصادم أمام أودينيزي المكافح للنجاة بين الـ20 الكبار في إيطاليا، بنتيجة 1-2، في سهرة “الفيرولي” لحساب الأسبوع الخامس والثلاثين لجنة كرة القدم، لتتحول تحضيرات المشجعين للاحتفال باللقب التاسع تواليا والـ33 في تاريخه، إلى مأساة بأتم معنى كلمة، وذلك ليس فقط حزنا على الهزيمة وتأجيل الاحتفال بأول فرحة حقيقية بعد جائحة كورونا، بل أيضا تحسر على الأداء المخيب للآمال واستمرار النسخة المتواضعة التي يبدو عليها الفريق تحت قيادة ماوريتسيو ساري.
الرهان الخاسر
جاء المحاسب البنكي السابق إلى “يوفنتوس آرينا” الصيف الماضي، كجزء من خطة التّحول الاستراتيجي، التي رسمها الرئيس أندري أنييلي والثنائي بافل نيدفيد والمدير الرياضي فابيو باراتيشي، لوضع السيدة العجوز على نفس مستوى الثلاثة أو الخمسة الأكبر والأغنى في القارة العجوز، بدليل ما فعلته الإدارة الحالية على مدار السنوات الماضية، بنسف تراث عظماء تورينو، بتغيير العلامة التجارية وشكل الشعار وأمور أخرى من هذا القبيل، وذلك بدافع اقتحام سوق الاستثمارات وتعزيز القوة المالية للكيان بعيدا عن نجاحات فريق الكرة، بنفس طريقة تفكير الأندية الإنكليزية وجاري الليغا ريال مدريد وبرشلونة، ليبقى على مسافة قريبة جدا منهم، كعلامة تجارية وكمشروع فريق يناطح أحدث مدارس الكرة في أوروبا، لكن من دون أن يفقد هويته، كفريق مطالب دائما وأبدا بالفوز بكل بطولة يشارك فيها، وبدأت تنفيذ الخطة بشكل عملي، عندما فعلها المدير الرياضي السابق بيبي ماروتا، بضم كريستيانو رونالدو مقابل 120 مليون يورو شاملة المتغيرات، كأغلى صفقة في تاريخ النادي، وفي الصيف التالي، نجح باراتيشي في تغيير مسار الصخرة الهولندية ماتياس دي ليخت من برشلونة إلى تورينو، وأيضا مقابل رسوم ضخمة تخطت حاجز الـ75 مليون يورو، لكن الإشكال أو العائق، كان يكمن في أفكار المدرب السابق ماسيمليانو أليغري الكلاسيكية، التي لا تتماشى مع إيقاع وطموح الإدارة بعد إعادة الهيكلة، ليقع الاختيار في النهاية على ساري، لتمتعه بُجل الشروط اللازمة ولو لوضع الفريق على بداية النهج الجديد، بحل المعادلة الصعبة، بالجمع بين نسق الكرة الحديثة التي يقدمها يورغن كلوب مع ليفربول، وبيب غوارديولا مع مانشستر سيتي وزين الدين زيدان مع ريال مدريد، وبين الحفاظ على الانتصارات والبطولات، وذلك بناء على الصورة التي رسمها لنفسه في العقد المنقضي، خاصة في تجربته الأنجح مع نابولي، كمدرب من طينة “الفلاسفة”، لأفكاره المتطورة داخل المستطيل الأخضر، والمختلفة 180 درجة عن أفكار أسياد الدفاع، كما يتجلى في نهجه الهجومي، بنقل الكرة من قدم إلى قدم بشكل طولي، مع تنوع جنوني في أسلوب الهجوم، بجمل تكتيكية مختلفة سواء لحل الاختراق من العمق أو لضرب المنافس من على الأطراف. والمثير للإعجاب بحق، أن رجاله المخلصين في “سان باولو”، كانوا يطبقون أفكاره، بانسيابية وتبادل مراكز وكأنهم قطع شطرنج، وحتى بعد تجربته السريعة مع تشلسي، لم تشكك الأغلبية من جماهير النادي في نجاحه مع يوفنتوس، لما يملكه من أفكار وإمكانات تساعده على تحسين صورة الفريق داخل الملعب، لكن مع الوقت، تحول الأمل إلى كابوس حقيقي، بظهور كريستيانو رونالدو ورفاقه بنسخة أسوأ مما كان عليها تحت قيادة أليغري.
بضاعتكم ردت إليكم
صحيح المدرب يتحمل الجزء الأكبر في ما يتعلق بتدهور الفريق فنيا، بالصورة المحبطة التي تزداد سوءاً من مباراة لأخرى حتى بعد توقف كورونا، لكن هذا لا يعفي الإدارة من المساءلة، بترك المدرب يواجه المجهول بقائمة وصفقات جديدة ليست من اختياراته، وهذا ما حذر منه بعد الهزيمة من توتنهام في سنغافورة بنتيجة 2-3 في الجولة الاستعدادية قبل بدء الموسم، لدرجة أنه أبدى دهشته في حديثه مع الصحافيين، لوجود تخمة من اللاعبين الذين يلعبون في نفس المركز، خاصة في الوسط بوجود أدريان رابيو وآرون رامزي وسامي خضيرة وبليز ماتويدي وميراليم بيانيتش وآخرين، والعكس في مركزي الظهير الأيمن والأيسر، باختيارات محدودة وجودة لا تتوافق مع تكتيكه داخل الملعب. مع ذلك، لم تعيره الإدارة أي انتباه، بعد الفشل والتأخير في تسويق الفائضين عن القائمة، مثل ماريو ماندزوكيتش وإيمري تشان، ليغلق بطل إيطاليا في آخر ثماني سنوات الميركاتو الصيفي الأخير، بإنفاق خجول بلغ قرابة الـ21 مليون يورو، بضخ 223 مليوناً نصفها في دي ليخت وصفقة ديان كولوسيفسكي المستقبلية، في المقابل جنى 202 مليون من عائد بيع 10 لاعبين، ليدفع ساري ضريبة باهظة الثمن، باللعب بمجموعة قوامها الرئيسي لا يناسب أفكاره، بما في ذلك جيش الوسط، الذي ينطبق عليه المثل العربي الشهير “العدد في الليمون”، لافتقارهم جميعا للمواصفات التي يبحث عنها ماوريتسيو في لاعب الوسط، ذاك اللاعب الذي يبني عليه إستراتيجيته، بالاعتماد على دقة تمريراته ورؤيته المختلفة على الدائرة، لتحضير اللعب ونقل الكرة بتدرج صحيح إلى الأمام. كما كانت خطته ترتكز على البرازيلي الأصل، الإيطالي الهوية جورجينيو سواء في تجربة نابولي أو تشلسي، بمنحه مساحة شاغرة أمام رباعي الدفاعي، ليقوم بدوره كقائد أوركسترا في توزيع وتنويع اللعب لقدرته على الاحتفاظ والتحكم بالكرة أطول فترة ممكنة، وهو الطراز الذي لم يجده في تورينو، ولم توفره كذلك الإدارة، بإرجاء ملف القطعة النادرة في وسط الملعب لوقت آخر، بعد ما قيل في فصل الصيف عن اهتمام النادي بجورجينيو وبول بوغبا، لتأتي العواقب وخيمة، بكم لا يُصدق من الأخطاء الفادحة للاعبي الوسط في مشاهد الخروج بالكرة من مناطقهم الدفاعية، كما حدث في هدفي مباراة التعادل مع أتالانتا بهدفين لمثلهما، وكذلك مباراتي ساسوولو وأودينيزي، وتكرار الهفوات بشكل كربوني، لا يعكس سوى ضعف جودة اللاعبين وعدم قدرتهم على تنفيذ فكر المدرب، لأنه بالكاد اعتمد على كل الأسماء المتاحة في مركز جورجينيو، وجميعهم تسابقوا في إحباطه، في مقدمتهم البوسني ميراليم بيانيتش، الذي كان مؤهلا لحجز هذا المكان، إلا أنه خيب الآمال بعروض أقل ما يُقال عنها للنسيان، حتى قبل توقيع عقد انتقاله إلى برشلونة مطلع يوليو/ تموز، ومثله أدريان رابيو، الذي لم يستغل الفرصة بعد إصابة سامي خضيرة وخروج بيانيتش من حسابات المدرب، ما جعل عمق يوفنتوس يتحول إلى منطقة مستباحة لخصومه في جنة كرة القدم، أو بالمصطلح الكروي الدارج” نقطة الضعف” الأوضح للوصول إلى شباك الحارس البولندي فويتشيخ تشيزني.
مآخذ على ساري
واحدة من أكثر السلبيات التي يمكن آخذها على ساري، تدميره للشخصية التي وضع أنطونيو كونتي حجر أساسها واستكملها أليغري، بمعرفة طريق النقاط الثلاث، حتى لو كان الفريق في أسوأ وأتعس لحظاته. صحيح أن ماوريتسيو سار على نفس النهج في عدد لا بأس به من مباريات هذا الموسم، لكن منذ بداية 2020، بدأت تختفي ميزة التمرس على الانتصارات، وذلك مع تأخر ظهور بصمته كما كانت تنتظر منه الجماهير، والأسوأ من ذلك، حالة الهبوط الجماعي في أداء جُل اللاعبين، باستثناء الساحر الأرجنتيني باولو ديبالا، أما غير ذلك، فكما يقول المشجع المتشائم “اليوفي بدون طعم ولا رائحة”، في إشارة إلى التخبط وسوء الأداء على المستوى الفردي والجماعي، والذي يتجلى في تباعد الخطوط الثلاثة، والبطء الممل في تحضير الكرة ونقلها إلى وسط ملعب الخصم، حيث تشعر وكأن كرة القدم لعبة معقدة أو كرة حديدية يصعب ركلها، وأسوأ من أي شيء، الطريقة الانهزامية التي يلعب بها الفريق، على عكس ما يميز يوفنتوس عن باقي خصومه في إيطاليا، بالروح القتالية العالية لدى لاعبيه، وهذا كما أشرنا أعلاه، يرجع للفجوة الكبيرة بين المدرب واللاعبين، وعدم تلاقي أفكاره مع أسلوبهم بعد تأثرهم بفكر أليغري التحفظي، وإلا ما وصل الحال إلى ما هو عليه الآن، أن يصبح يوفنتوس بلا ملامح أو حتى مخالب حقيقية على مرمى المنافسين، إلا بلمحة إبداعية من نجم الموسم ديبالا، أو بهدية لمسة يد داخل منطقة الجزاء، ليسجل رونالدو من علامة الجزاء، كما فعلها ست مرات في مباريات ما بعد كورونا، أما غير ذلك، فالمشاهد العادي، يشعر أحيانا أن فريقه يحتاج إلى معجزة لاستكشاف مرمى المنافس. وما سبق، لا يعطي مؤشرات الى أن الإدارة ستبقي على المدرب لموسم آخر، رغم ما قاله باراتيشي، إن ساري لن يغادر “يوفنتوس آرينا” مهما حدث الموسم المقبل، إلا إذا كانت هناك خطة، لعمل مذبحة للنجوم المتكاسلة وأشباه الموظفين، لتجديد دماء مشروع المدرب بعناصر قادرة على تنفيذ أفكاره كما يريد ويرغب، وهذا يبدو مستبعدا من الناحية المنطقية، بسبب تبعات أزمة كورونا، التي كبدت النادي خسائر غير مسبوقة، جعلته يؤجل دفع مستحقات اللاعبين لمدة أربعة شهور.
طوق النجاة الوحيد
ربما بعد ساعات قليلة يتوج ماوريتسيو ساري بلقب الدوري الإيطالي، إذا تجاوز سامبدوريا في مباراة اليوم، لكن هذا لن يكون “صك” النجاة من مقصلة الإقالة. دعك من أنه سيحقق اللقب بفضل شخصية النادي أو بمساعدة ركلات جزاء رونالدو، فبالنظر إلى حصيلته في نهاية الموسم، سنجد أنه لم يقدم إضافة ملموسة في مشروع التطوير، إلا انتشال ديبالا من براثن الضياع، بعدما كان قاب قوسين أو أدنى من الرحيل، إذا لم يرحل أليغري، فيما عدا ذلك، فالفريق لا يلعب بحدة ولا شراسة، ويغلب عليه الطابع الفردي في الثلث الأخير من الملعب، رغم أن أسلوب اللعب في ظاهره يبدو جماعيا، لكنه على أرض الواقع، أحيانا لا يسفر إلا عن تسديدة واحدة بين القائمين والعارضة على مدار شوط كامل، والحل الوحيد، أن يُكرر معجزة الدنمارك في يورو 1992 أو اليونان 2004، بتخطي ليون في إياب ثمن نهائي دوري الأبطال، والذهاب بعيدا في البطولة والعودة بلقبها من البرتغال، معها ستتبدل أوضاعه من النقيض إلى النقيض، حيث سيتحول إلى بطل شعبي في تورينو، بتحقيق ما عجز عنه كل من تناوب على تدريب زعيم الطليان منذ لحظة التتويج الأخيرة على حساب أياكس أمستردام في عصر ما قبل مواقع التواصل الاجتماعي وصحوة الاتصالات والانترنت عام 1996، ورغم وجود منافسين آخرين أوفر حظا من اليوفي، بناء على مستوى الفرق بعد استئناف النشاط، إلا أن وجود كريستيانو قد يصنع الفارق، ويساعد ساري في تحقيق المستحيل، كي لا يكون أقرب كبش فداء بالنسبة للإدارة، إذا ختم الموسم بنفس الصورة الباهتة التي كان عليها أمام أودينيزي وأغلب مبارياته في فترة ازدحام جدول المباريات بعد كورونا.
البديل المنتظر
الشيء الملاحظ، أنه من قبل حتى هزيمة أودينيزي، هناك شبه إجماع في وسائل الإعلام الإيطالية على أن ماوريتسيو ساري لن يكون الرجل الأول في مقاعد بدلاء يوفنتوس الموسم المقبل، ما بين تقارير تتحدث عن إمكانية الإسراع بخطة التحول، بالقيام بمحاولة جريئة لإقناع الفيلسوف الحقيقي بيب غوارديولا بتسلم المشروع الحلم بداية من الموسم الجديد، بدلا من الانتظار حتى نهاية عقده الممتد مع مانشستر سيتي لمنتصف العام المقبل، لكن هذا الاقتراح تبخر بعد إلغاء عقوبة منع السيتيزينز من المشاركة في دوري أبطال أوروبا لمدة عامين، والآن بدأ الحديث عن استهداف الأسطورة زين الدين زيدان، ليس فقط للم شمله بكريستيانو، بل لقدرته على التخطيط السليم، كما رد على كل المشككين مؤخرا، بإعادة الهيبة والبطولات لريال مدريد، ما يجعله مرشحا فوق العادة لنقل يوفنتوس إلى المرحلة التالية من مشروع التحول الإستراتيجي، لكن مشكلته تكمن في تمسكه بعقده الممتد لنهاية الموسم الجديد، لذا أغلب التوقعات بدأت تصب في مصلحة الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو، باعتباره مؤسس المشاريع الناجحة الوحيد المتاح في الوقت الراهن، حتى أن هناك تقارير تزعم أنه رفض خلافة الإسباني روبرت مورينو في موناكو، ليعود إلى مسقط رأس أجداده في بيدموند القريبة من تورينو، ليقود يوفنتوس بعد طرد ساري، وهو اقتراح يبدو جيدا، لا سيما بعد الخبرة الكبيرة التي اكتسبها البوش في تجربته مع توتنهام، ونجاحه في بناء فريق على نفس مستوى كبار البريميرليغ، لكن بأقل التكاليف، فقط كانت مشكلته العمل مع ناد لا يملك شخصية البطل، وهو ما حرمه من أكثر من لقب كان في المتناول، لعل أبرزها موسم الدوري الإنكليزي 2015-2016، الذي خسره في الأمتار الأخيرة مع ليستر سيتي، وفي الموسم التالي، تكرر الموقف، لكن مع الجار تشلسي، وقبل رحيله بستة شهور، قاد السبيرز إلى الوصول لأول نهائي دوري أبطال في تاريخه. لذا، قد يجد ضالته بالعمل مع يوفنتوس المعتاد والمتمرس على البطولات، منها يُشبع رغبته بالفوز بالبطولات، لتحسين سيرته الذاتية الخالية من الألقاب، ومنها أيضا سيحقق الهدف الرئيسي للإدارة، بتحويل يوفنتوس إلى فريق عصري بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بأفكاره المواكبة للكرة الحديثة، وشخصيته التي تساعده على التقرب من اللاعبين، فهل يكون رجل يوفنتوس القادم؟ أم ستحدث معجزة ويبقى ساري لموسم آخر؟