بعد الكشف عن المقبرة يأتي دور السلطة في رد اعتبار الضحايا لأجل خلق وعي جديد بحتمية نهج السلمية ونبذ الأنظمة الشمولية وضرورة مقاومتها.
الخرطوم-“القدس العربي”: أثار كشف مكتب النائب العام عن العثور على مقبرة جماعية غرب مدينة أم درمان الواقعة ضمن العاصمة السودانية الكثير من الغبطة والسرور الممزوجة بالحزن بعد أن أشارت البينات الأولية إلى ان من المرجح أن تكون هي المقبرة التي وريت فيها جثامين الضباط الذين تم قتلهم عام 1990 فيما عرف بحركة 28 رمضان، عندما قام مجموعة من الضباط بمحاولة انقلابية على نظام الجبهة الإسلامية القومية (البشير- الترابي) في بواكير شهور استلامهم للسلطة في حزيران/يونيو 1989.
وقالت النيابة العامة في بيان رسمي “عقب جهد استمر لمدة ثلاثة أسابيع، تمكنت النيابة العامة عبر فريق مهني متميز مكون من 23 خبيرًا من المتخصصين في المجالات المختلفة، ووفقا للبينات التي توافرت لدى لجنة التحقيق التي شكلها النائب العام بشأن مقتل 28 ضابطا في رمضان 1990 من العثور على مقبرة جماعية؛ قد تكون وريت فيها جثامين الضباط الذين تم قتلهم ودفنهم فيها بصورة وحشية”.
وأكد البيان ان اللجنة ستجري كل ما يلزم لاستكمال إجراءات النبش؛ بعد أن تم تحريز الموقع وتوجيه الجهات المختصة في الطب العدلي؛ ودائرة الأدلة الجنائية؛ وشعبة مسرح الحادث؛ لاتخاذ كافة الإجراءات وتحرير التقارير اللازمة.
وشدد على “كل المواقع المحتملة تحت حراسة القوات المسلحة؛ وقوات الدعم السريع؛ منع الاقتراب من المنطقة إلى حين اكتمال الإجراءات”.
وأضاف البيان تأكيد النائب العام لأسر الضحايا “أن مثل هذه الجرائم لن تمر دون محاكمة عادلة؛ تأسيساً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب”.
وعبر الكاتب الصحافي عبدالله رزق الذي تابع القضية لنحو 30 عاما عن سروره لهذا الكشف وقال لـ”القدس العربي”: “ظل مطلب الكشف عن مدافن الشهداء الذين قتلوا في 28 رمضان ثابتا لدى أسرهم، ولكن النظام البائد ظل يرفض لثلاثين عاما هذا المطلب على الرغم من ان الأسر كانت تريد أن تعرف كيف قتلوا وكيف جرت المحاكمة، خصوصا وهناك أقاويل أن بعضهم دفنوا أحياء والبعض الآخر قتلوا أثناء المحاكمة، ونبش المقبرة سيوضح كل هذه الحقائق المتداولة” وتابع “من الناحية العامة إعادة التحقيق في مقتل ضباط 28 رمضان له مغزى كبير للأجيال المقبلة والحالية نسبة للمسيرة الدموية للصراع على السلطة والانقلابات والإعدامات التي رافقتها منذ أول انقلاب في عام 59 انقلاب علي حامد وكبيدة، وبعدها ظلت هذه الظاهرة ماثلة في عهد نميري بينما توسع فيها البشير الذي قتل العسكريين والمدنيين في الاحتجاجات، وبيوت الأشباح والحروب في أقاليم السودان المختلفة، لذلك محاكمة جريمة 28 ستفتح الباب أمام الجرائم الدموية في تاريخ السودان التي تمت بسبب الصراع على السلطة. كما ان الانتقال للديمقراطية بتطلب فتح ملفات هذه الجرائم لقفل الطريق أمام تكرارها” وزاد “بعد الكشف عن المقبرة يأتي دور السلطة في رد اعتبارهم وتكريمهم بإعادتهم للخدمة والقيام بتشييع كبير جدا ودفنهم بطريقة تليق بتضحياتهم من أجل خلق وعي جديد بحتمية نهج السلمية الذي يسير عليه السودانيون ونبذ الأنظمة الشمولية وضرورة مقاومتها”.
وكان رئيس المجلس السيادي القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أصدر قرارات بإعادة شهداء 28 رمضان للخدمة وإحالتهم للمعاش وفقا لقانون المعاشات بالقوات المسلحة.
وأصدر قرارا آخر بترفيع جميع المشاركين في حركة (23) نيسان/أبريل البالغ عددهم (59) من ضباط وضباط الصف بالقوات المسلحة (49) ضابطا و10 ضباط صف، بترفيعهم رتبتين أعلى إضافة إلى منح 7 ضباط معاشا استثنائيا باعتبار أن خدمتهم حتى إعدامهم لم تصل سن المعاش، واعتبر أن تحسب خدمتهم 15 عاما.
وأشار اللواء وجدي محمد فضل الله مستشار القائد العام للقوات المسلحة عضو لجنة التحقيق وتقصي الحقائق الخاصة بقضية شهداء 28 رمضان في مؤتمر صحافي بمبنى المعاشات وزارة الدفاع، أنه تم منح العقيد معاش حامد سليمان وسام الخدمة الطويلة الممتازة. وتم ترقية الأحياء رتبتين وإعادتهم للخدمة وإحالتهم للمعاش. وأشار إلى أن القرار 300 أعدم 28 ضابطا وضابطي صف وسجن وأعفي من الخدمة وطرد من الخدمة 20 ضابطا و8 ضباط صف، كما أشار إلى منح عربة صالون اكسنت لكل الضباط وضباط الصف وقطعة أرض لكل أسرة.
وفي السياق نفسه شهد الأسبوع الماضي تسلم الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة بمكتبه بالقيادة العامة للقوات المسلحة مذكرة أسر شهداء حركة 19 تموز/يوليو 1971 المطالبة أيضا بمعرفه المقبرة التي ضمت قيادات الحركة التصحيحية لنظام المشير جعفر نميري في سبعينات القرن الماضي والتي قتلت فيها قيادات رفيعة من الحزب الشيوعي السوداني بينهم ضباط وسياسيون كبار مثل سكرتير الحزب عبد الخالق محجوب والزعيم العمالي الشفيع احمد الشيخ والقيادي جوزيف قرنق.
وشملت المذكرة عددا من المطالب من بينها الكشف عن أماكن قبور الشهداء وحيثيات محاكماتهم ورد الاعتبار لهم، فيما أكد البرهان على مشروعية هذه المطالب وأنه سيعمل مع أسر الشهداء والأجهزة المختصة على تحقيقها قبل أن يتقدم وفد أسر الشهداء بالشكر لرئيس مجلس السيادة الانتقالي على اهتمامه بالمطالب المقدمة منهم.
ويقول الصحافي والكاتب خالد فتحي مدير تحرير صحيفة “التيار” المحلية الذي يعد أحد المختصين بثورة يوليو التصحيحية عام 1971 لـ”القدس العربي” إن “بالضرورة أن يكون للقيادة العامة للجيش علم بمحل مقابر شهداء يوليو لأنها مؤسسة طابعها الانضباط ويفترض ان يكون لها سجل خاص بالمحاكمات، كما ان أحد سدنة نظام المشير جعفر نميري ظل يكرر أن الاستخبارات لديها تسجيلات كاملة للمحاكمات وكيف جرت” وتابع قائلا “الولايات المتحدة لديها قانون حرية المعلومات بعد مرور ربع قرن على وقوعها والآن مضى نصف قرن على هذه الأحداث ويجب الكشف عن هذه المعلومات بكل مراراتها وكل اشراقاتها، لأن هذا حق للأجيال المقبلة التي من حقها أن تعرف ما حدث، لأن معرفة الحقيقة تجعلك تتعلم من التجربة وكما يقول الفلاسفة كل تجربة لا تستخلص عبرة تكرر نفسها”.
وأضاف فتحي “من حق أسر شهداء يوليو ان يعرفوا ما حدث وما تعرضت له هذه القيادات وهل كانت محاكمة عادلة أم جائرة وكيف تعرض بعض القادة للخطف من الجو لأنها كانت جريمة إرهابية” وزاد “من حق الأسر ان تعرف من خزنة معلومات القوات المسلحة في هيئة الاستخبارات العسكرية العامة، أين دفنت جثث قادة الحركة التي هي مجهولة رغم مرور 50 عاما، وطريقة إعدامهم وكيف حدث ومن فعل ولماذا، إلى ان نصل للحقيقة، لأن يوليو جزء من تاريخ السودان الحديث، هل يكتب من وجهة نظر المنتصر نميري أم من وجهة نظر حزبية؟”.