بين امتلاكه والوقوف على عتبته.. هل تسعى إيران حقاً لإنتاج السلاح النووي بأي ثمن؟

حجم الخط
1

في عدد من مباني الموقع انفجرت قنبلة شديدة القوة (كان السبب هجوم سيبراني، حسب أحد الروايات)، تسببت بأضرار كبيرة لأجهزة الطرد المركزي المتقدمة. نسب التخريب إلى عملية سرية للاستخبارات الإسرائيلية، وربما بالتعاون مع المخابرات الأمريكية. وحسب تقارير مختلفة، فإن الإضرار بأجهزة الطرد المركزي هذا سيؤخر تطويرها وسيرجع المشروع النووي الإيراني مدة سنة إلى الخلف. وإذا كان الموساد والاستخبارات العسكرية هما المسؤولان عن الانفجار والتخريب والحرائق، التي ربما يكون مصدرها نشاطات منظمات سرية تتعاون معها، فهذا بالتأكيد إنجاز لإسرائيل، لكنه إنجاز تكتيكي وليس استراتيجياً.

إسرائيل والولايات المتحدة تديران منذ عشرات السنين حرباً شديدة، سراً وعلناً، لتشويش وتعويق المشروع النووي الإيراني. في هذه الحرب يستخدمون أدوات كثيرة تشمل، حسب منشورات مختلفة، تخريبات في المنشآت والمعدات، وتصفية علماء، وحرباً سيبرانية، وصراعاً دبلوماسياً، وفرض العقوبات التي تمس باقتصاد الدولة بشكل كبير.

مع ذلك، ورغم الصعوبات التي تتراكم في الطريق، إلا أن إيران لا ترتدع حقاً، بل تواصل تطوير برنامجها بوتيرة تتغير حسب الظروف.

ربما حان الوقت لتغيير المفهوم الذي يقول إن إيران تسعى بكل ثمن من أجل إنتاج السلاح النووي. نظرة بسيطة على تاريخ إنتاج السلاح النووي تعلمنا أن الـ 11 دولة التي أرادت إنتاج القنابل النووية، فعلت ذلك في فترة زمنية تتراوح بين 3 – 10 سنوات. هذه الدول هي الدول العظمى الخمس وإسرائيل (حسب مصادر أجنبية) والهند وباكستان وكوريا الشمالية. أما جنوب إفريقيا وأوكرانيا فقامتا بإرادتهما بتفكيك القنابل. ومن الصعب فهم كيف أن إيران، التي لها معرفة علمية كبيرة وحاصلة بالخداع على التكنولوجيا النووية التي يعدّ مستوى العلماء فيها ومستوى جامعاتها عالياً، تجد صعوبة منذ ثلاثين سنة في تصنيع قنبلة.

ربما يجب التوصل إلى فهم أن إيران كان يمكنها تصنيع قنابل نووية منذ فترة، ولكنها لا تفعل ذلك لأسباب خاصة بها. بعد نحو سنة ونصف على الثورة الإسلامية في 1979، التي رفعت إلى الحكم روح الله الخميني، قام العراق بغزو إيران. وكان زعماء إيران منشغلين بالحرب الدموية مع العراق التي استمرت لثماني سنوات وجبت ثمناً باهظاً بالأرواح من الطرفين، تقريباً مليون قتيل، بما في ذلك استخدام العراق للسلاح الكيميائي ضد جنود الجيش الإيراني. لم تكن عيونهم تتطلع إلى تطوير السلاح النووي.

عند انتهاء الحرب، جرى نقاش حاد في القيادة الدينية والسياسية والعسكرية في إيران بخصوص الدروس التي يجب استخلاصها. الدرس الأكثر أهمية هو أن على إيران التي تم قصف مدنها بالصواريخ، تطوير صواريخ من جميع الأنواع ولأي مدى. وقد فعلت ذلك، في البداية بمساعدة كوريا الشمالية. وبعد ذلك عن طريق الإنتاج الذاتي المثير للإعجاب. درس ثالث هو أنه يجب تطوير وإنتاج السلاح الكيميائي (ناحوم منبار ساهم أيضاً في ذلك)، ووسائل الوقاية منه. وثمة درس آخر يتمثل باستئناف البرنامج النووي الذي بدأ قبل الثورة.

حسب منشورات في إيران لم تؤكد في بيانات راسخة، تم الادعاء بأن الخميني نفسه تحفظ من إنتاج السلاح النووي لأنه اعتبره معارضاً للديانة الإسلامية، التي تقول إنه يجب عدم المس بالأبرياء. ومهما كانت الحقيقة، بعد وفاة الخميني في 1989، تم استئناف المشروع النووي من قبل خليفته علي خامنئي. ومنذ ذلك الحين، استمر المشروع رغم التشويش من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، ورغم الإدانة والمعارضة من قبل معظم المجتمع الدولي.

في أعقاب العقوبات التي فرضت عليها وتهديد إسرائيل بمهاجمة المنشآت النووية، وافقت إيران في العام 2015 على التوقيع على الاتفاق النووي مع الدول العظمى. الاتفاق الذي عارضه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تم التوقيع عليه لمدة عشر سنوات، وهو يفرض على إيران قيوداً شديدة، وقد احترمتها. وقدرت الاستخبارات الإسرائيلية في حينه بأن إيران كانت قريبة بمسافة 3 – 6 أشهر من إنتاج القنبلة الأولى، وأن الاتفاق أعاد قدرتها إلى الوراء مدة ثلاث سنوات.

منذ انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق، وقيامه باستئناف العقوبات (الموقعون الآخرون تمسكوا بالاتفاق)، تقوم إيران باتخاذ خطوات مضادة ومحسوبة مثل استئناف تطوير أجهزة الطرد المركزي المتقدمة. هذه تعتبر خروقات مقلقة، لكنها لم تنسحب من الاتفاق ولا تقوم بالانطلاق نحو إنتاج القنبلة.

يجب مواصلة الضغط الدولي والضغط الاقتصادي والنضال السري ضد إيران، ولكن علينا أيضاً الفهم بأنها تسعى إلى أن تكون دولة عتبة نووية، لكنها هي نفسها مترددة هل تقوم بإنتاج قنبلة أم لا.

المعضلة الإيرانية هي كالآتي: قيادة إيران تفهم من سابقة كوريا الشمالية بأن السلاح النووي هو الضمانة لبقاء النظام وحاجز أمام هجوم عسكري. ولكنها تعرف أيضاً أن إنتاج القنابل لن يلقي عليها غضب إسرائيل والغرب فحسب، بل أيضاً غضب صديقتيها روسيا والصين. المقاطعة الاقتصادية المفروضة عليها ستتعزز وستضر السكان بشكل كبير، وستصبح دولة مجذومة مثل كوريا الشمالية. وستجعل خصمتيها، السعودية وتركيا، تطوران سلاحاً مشابهاً. تترجم هذه الأفكار الإيرانية إلى سياسة السير على شفا الهاوية: البقاء على بعد بضعة أشهر وحتى سنة من إنتاج سلاح نووي، لكن عدم الانطلاق نحوه.

بقلميوسي ميلمان

هآرتس 26/7/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية