عاش أحمد زكي مخلصا لفن التمثيل، ثم مات وهو بريء من كل قبح أصاب هذا الفن، وكان من أهم داعمي السينما في فترات احتضارها، الذين أمدوها بسنوات إضافية من الحياة، رغم أنه لم يكن يعمل في ظروف مثالية ولم تسخر من أجله الإمكانيات المذهلة، كما أنه لم يشعرنا بالغربة الرهيبة القاسية طوال حياته ووجوده بيننا، ولم يظهر أمامنا كشخص غريب عن المجتمع المصري، فقد كان مصريا صميميا، أخذ يبدع في فنون الأداء التمثيلي على مدى ثلاثين عاما، متبعا في ذلك أكثر الأساليب إنهاكا للأعصاب والروح والبدن، لكي يخلق مع المتلقي صلة مباشرة راسخة، كان حريصا عليها كل الحرص، هذا الإرث الفني لن يهدم وسيبقى حيا في الوجدان، ولن يضيع جهد أحمد زكي، ولن يتم تشويهه في العيون والقلوب والعقول.
ولعل أول ما يمكن ذكره من سمات الفنان الراحل ومميزاته وأسس تكوينه كممثل، هي الحساسية الشديدة، حيث نشعر بأنه كان مزيجا من أعصاب مشتعلة، وروح قلقة، ومشاعر جامحة، ونظرات تشوبها مسحة حزينة لا تزول، وصوت يكاد يكون دامعا، وربما يعود ذلك إلى أنه من أبناء مدرسة الألم في الفن، لا مدرسة السعادة القادرة أيضا على تخريج العباقرة، فالفن ليس شقاء كله بالضرورة، وقد تدرب أحمد زكي منذ طفولته على أن يختبر أقسى المشاعر، وأكثر الأحاسيس مرارة، كما تلقى دروس الدراما مبكرا، وفي مقدمتها هزيمة الإنسان الأبدية أمام الأقدار، وكانت حدة الشعور لديه قادرة على جعل من حوله يظهرون كبلداء الحس، في حين أنهم ليسوا كذلك، فهو لم يعرف البرود أبدا، أو الاعتدال العاطفي والحياد المزاجي، حتى في أضعف أدواره، هذه الحساسية هي أداته الأولى في تصوير العاطفة، وهي التي تغمره بالصدق الوفير، وتمكنه من النفاذ إلى النقطة الموجعة، والإحساس الأشد إيلاما في أعماق الشخصية الخيالية، كما أنها من أهم أسرار موهبته التي تجود بما يثير العقول، ويفتن القلوب، ويأسر المشاعر، ويخلقها أيضا لدى الجمهور، فلا يستطيع الممثل مهما فعل أن يجعل المشاهد يشعر بإحساس ما إذا كان هو نفسه فاقد الحس، وشتان ما بين فن أحمد زكي التمثيلي، وإحساسه الذي يرتسم على ملامح الوجه وكامل الجسد، والنظرات الثاقبة والصوت النافذ، الذي يحس بكل كلمة ينطقها، والدموع التي تظهر في الصوت قبل العين، والانفعالات العميقة التي تجعل من المشاهد شريكا في الألم، وفن «التبريق والزعيق»، الذي يعتمد على الجمود والبحلقة وجفاف المشاعر وانعدام التأثر والصخب البدائي المزعج.
كان أحمد زكي شديد التأثر بالشخصيات التي يقوم بتجسيدها وأول المتعاطفين معها، وكان يعتمد على الكثير من المعايشة والتقمص، حيث تتشكل الشخصيات في نفسه أولا، وإما أن تمتزج بطبيعته وتكوينه النفسي أو تجعله يتجرد من طباعه وشخصيته تماما.
وتظهر الحساسية الشديدة في صوته عندما يتكلم وعندما يغني أيضا، وبعيدا عن الشخصيات الحقيقية والتاريخية، التي كانت تفرض عليه محاكاة أسلوبها في الإلقاء مثل، الدكتور طه حسين والرئيس محمد أنور السادات، أو الشخصيات الإقليمية التي تفرض لهجتها الخاصة مثل منتصر في فيلم «الهروب»، كان أحمد زكي يميل إلى استخدام الصوت الطبيعي المؤثر وهذا هو الغالب لديه، وهو أجمل أصواته أيضا، حيث كان يطلق الحروف هكذا على سجيتها ببساطة بالغة، ونشعر أحيانا بأن الصوت بالنسبة لأحمد زكي كان وسيلة يستخدمها لا غاية يعمل من أجلها، وأنه لم يكن يحرص على إظهار تمكنه من فنون الإلقاء بشكل تقني، أو يرغب في أن يكون الممثل صاحب الصوت، الذي لا مثيل له، فقد كان التمثيل هو همه الأول والأخير، الذي يسخر كل شيء من أجله، وكان بارعا في أداء اللهجات الصعيدية، على سبيل المثال، رغم أنه ليس صعيديا، وإنما هو من الزقازيق إحدى مدن دلتا النيل، وكان يؤديها بشكل واقعي صادق، بعيدا عن أسلوب التهريج المتبع لدى البعض، ويخفف اللهجة أحيانا عندما يتحدث مع القاهريين، ويثقلها ويسرع في نطقها عندما يتحدث مع أهل الصعيد، ما يضطر بعض المشاهدين إلى المزيد من التركيز من أجل الفهم والمتابعة.
جاء أحمد زكي إلى أكاديمية الفنون من محافظة الشرقية، يحمل موهبته العبقرية التي جعلته أول المقبولين في معهد الفنون المسرحية، وبعد أربع سنوات كان الأول على دفعته أيضا عند التخرج، وكان في إمكانه أن يصبح معيدا، إذا أراد، ثم يصير في ما بعد الدكتور أحمد زكي، لكنه اهتدى إلى فن التمثيل وحده دون تدريسه، واختار أن تكون مدرسته الفنية متاحة للجميع من خلال أفلامه، ولا شك في أنه كان من أعظم وألمع من جلس يوما على مقاعد الدراسة في الأكاديمية، ومثّل على مسارحها، لكنه لم يكن يذكرنا في كل لحظة بأنه فنان أكاديمي، تعلم وعرف الكثير من أسرار فنون التمثيل، وربما لم يكن يذكرنا على الإطلاق، حيث نشعر أحيانا بأنه كان يعتمد على موهبته الفطرية فقط، وهذا ليس صحيحا، فقد تلقى دروسه الأكاديمية جيدا، ثم أعاد صياغتها أثناء التمثيل بأسلوب طبيعي يصل إلى الجمهور وينال إعجاب الجميع، فهو لم يتحرر من أكاديميته بالكامل، لكنه جعلها دائما متوارية خلف موهبته، والغريب أن هذا النجم السينمائي في الأساس، قام بالتمثيل في المسرح الكوميدي والتلفزيون والإذاعة أيضا، لكنه لم يذهب أبدا إلى المسرح الكلاسيكي، ولم نر كيف كان يؤدي سوفوكليس وشكسبير وموليير في المعهد، وليس لدينا سوى مشهد الانفعال الوحيد في مسرحية «مدرسة المشاغبين»، لكي يمنحنا تصورا عن شكل أدائه الدرامي على خشبة المسرح.
كان أحمد زكي شديد التأثر بالشخصيات التي يقوم بتجسيدها وأول المتعاطفين معها، وكان يعتمد على الكثير من المعايشة والتقمص، حيث تتشكل الشخصيات في نفسه أولا، وإما أن تمتزج بطبيعته وتكوينه النفسي أو تجعله يتجرد من طباعه وشخصيته تماما، وحينئذ ينسى أنه يمثل وننسى نحن أننا نشاهد تمثيلا، وهذه اللحظات التي يضيع فيها الوعي هي الأكثر إمتاعا للجمهور والأشد خطرا على الممثل وجهازه العصبي، ولم يكن أحمد زكي بارعا في الإيحاء وإعطاء الشخصية ما يوافقها من الشعور والإيماء والحركة والإشارة وحسب، بل كان يترك الشخصية تعبر تلقائيا عن نفسها بشكل لا نظير له، وقد امتلأت نفسه بكافة الجزئيات والتفاصيل، التي تتكون منها هذه الشخصية، والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى في الكثير من أفلامه، ومنها «الهروب» و»الامبراطور»، وتحديدا في المشاهد التي ينفجر فيها منفعلا، ويحقق أحمد زكي الإمتاع عن طريق هذا التعبير التلقائي، ويصنع التأثير من خلال تأثره هو بالشخصية الخيالية، ومنذ بداياته السينمائية وفي أفلامه الأولى، تظهر قدرته على امتلاك مخيلة المشاهد والاستحواذ على كامل انتباهه، كما في بعض الأفلام المهمة مثل «وراء الشمس»، «شفيقة ومتولي»، «إسكندرية ليه»، و»موعد على العشاء» الذي لعب فيه دورا من أجمل وأعذب أدواره الرومانسية، وجسد شخصية شكري الذي يجمع بين الوسامة والرجولة والجاذبية والإنسانية النادرة، وعندما يتحدث لا ينطق بالكلمات المعبرة عن الحب، وإنما يخرج الحب من بين شفتيه.
لا نجد لدى أي ممثل مصري آخر هذا التنوع الهائل في الأدوار، فقد جسّد أحمد زكي شخصية الرجل المصري وكأنه كان كل رجل في مصر، حيث لعب دور رئيس الجمهورية والوزير والضابط، وأداة التعذيب البشرية في يد الضابط، والشاب الوطني الذي يتم تعذيبه في السجون والمعتقلات، والمواطن الشريف الذي يتحول إلى مجرم رغما عنه، وزعيم العصابة بإرادته واختياره، والرجل العاشق وزير النساء، والشاب الممنوع من الحب، والمصري المغترب عن وطنه، والصعيدي والفلاح والسواحلي والقاهري، والثري والفقير، والمصري الحديث والمصري في أزمنة قديمة، والكثير من أصحاب المهن والوظائف المختلفة، ومن يعانون من أقصى أنواع التهميش والإقصاء، وعدم الاعتراف المجتمعي، وأبناء الطبقة المتوسطة، وأبناء المناطق الشعبية في مصر التي كانت تسمى «الأحياء الوطنية» قبل عام 1952، ونظن أن كل هذا لم يكن كافيا لدى أحمد زكي كممثل، أو مشبعا لروحه الفنية، وأنه كان يود تمثيل شخصيات أخرى جديدة والتعبير عن المزيد من المصريين بظله المحبوب.
٭ كاتبة مصرية