من ضعف وضائقة، ومن نقطة درك أسفل لم يشهد لها مثيل، دُفع حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، للعودة للرهان. بالضبط مثلما في صيف 2006، يهدد الآن بتنفيذ عملية إرهابية ضد إسرائيل رداً على قتل واحد من رجاله في سوريا. في حينه أدى الرهان الفاشل لنصر الله إلى حرب شاملة، جبت ثمناً رهيباً من لبنان وأساساً من أبناء الطائفة الشيعية الذين يدعي هو تمثيلهم. واضطر نصر الله نفسه لأن يدفع ثمناً باهظاً: حريته الشخصية. فالرجل مغلق على نفسه في خندق ولا يرى ضوء النهار. ومنذ صُفّي قاسم سليماني في كانون الثاني من هذا العام لا يعرف إذا كان صباحه ذلك هو يومه الأخير.
ولكن نصر الله مقيد بمعادلاته، وانطلاقاً من الإحساس بانعدام البديل والخوف من أن تفسر إسرائيل خطواته كتعبير عن الضعف، يشعر بالتزام للرد ومستعد لأن يجر إلى مواجهة جبهوية معها. وهو يأمل، بالطبع، بأن ينجح في الحفاظ على مستوى اللهيب ويأمل بأن “يمر الحدث بسلام”، بالحد الأدنى من المصابين في إسرائيل، الأمر الذي يسمح لها باحتواء الحدث – مثلما تصرفت في الماضي. لهذا السبب بالذات، جدير بإسرائيل ألا تقع في خدمة نصر الله، بل تحاول تحطيم المعادلات التي يحاول إملاءها عليها وتضع أمامه خطاً أحمر واضحاً لا يجب اجتيازه.
في حرب لبنان الثانية، قادت إسرائيل قيادة سياسية فاشلة، لم تتمكن من السماح لتفوق الجيش الإسرائيلي الهائل أن يجد تعبيره، وبدلاً من إلحاق هزيمة بحزب الله، جرت دون حاجة إلى حرب استنزاف من 33 يوماً.
ومع ذلك، أرسلت نتائج الحرب رسالة مصممة وواضحة لحزب الله بأن إسرائيل لن تسمح له بعد ذلك من خرق سيادتها ومواصلة مهاجمتها من الأراضي اللبنانية. والهدوء الذي ساد على طول الحدود مع لبنان كان بالتالي هو الإنجاز الأهم للحرب، والدليل هو أن حزب الله، المضروب والمردوع، اعترف بأن الحفاظ على الهدوء هو مصلحته ومصلحة مؤيديه بقدر لا يقل، بل وأكثر من مصلحة إسرائيل.
غير أن إسرائيل تركت نصر الله في السنوات الأخيرة يعود إلى لعبة معادلاته وينفذ عمليات ضد قواتها. بداية في منطقة مزارع شبعا، وفي أيلول من السنة الماضية إطلاق نار مضادات الدروع من الأراضي اللبنانية إلى إسرائيل أيضاً.
إسرائيل متفكرة وحذرة أكثر بكثير من نصر الله، وتتصرف غير مرة كـ “الراشد المسؤول” وتفضل احتواء عملياته والمرور عليها إلى جدول الأعمال. ولكن من الجدير بإسرائيل أن ترفع ثمن رهان نصر الله، وهكذا على ما يبدو ستكشف خدعته – الخوف على حياته والخوف من المواجهة والتدهور، التي ثمنها لا يمكنه ولا يريد أن يدفعه.
والأهم من ذلك، يجدر بإسرائيل أن تعود إلى القاعدة الحديدية التي توجهها بنجاح كامل مع سوريا، وهي أن خرق سيادة إسرائيل والمس بأراضيها وبجنودها هما خط أحمر لن يمر تجاوزه بصمت.
وهكذا، بدلاً من إطلاق نار الرد نحو أهداف عابثة ووهمية في الأراضي اللبنانية، والتبليغ بضجيج عالٍ بأن النار ردت نحو مصادرها، على إسرائيل أن تجبي ثمناً على خرق سيادتها، سواء من حزب الله أم من حكومة لبنان التي تعطيه رعايتها. هكذا فقط يكون ممكناً كسر المعادلات التي يسعى نصر الله لأن يمليها على إسرائيل وتحديد قواعد لعب جديدة وضمان بقاء الهدوء على طول الحدود الشمالية. وإلا، فإن العملية التالية هي مسألة وقت.
بقلم: ايال زيسر
إسرائيل اليوم 27/7/2020