النظام السوري ملتزم بعدم الرد
شهدت منطقة مزارع شبعا اللبنانية والواقعة على الحدود مع إسرائيل قبل أيام، أحداثا أمنية ومناوشات عسكرية بين حزب الله اللبناني والجيش الإسرائيلي، إلا أن تفاصيل العملية العسكرية بقيت مبهمة رغم التصريحات المتواترة والمتضاربة بين الجانبين بين نفي وتأكيد.
ورغم رسائل الوعيد والتهديد المتبادلة بين طرفي الصراع إسرائيل-حزب الله، إلا أن خبراء وباحثين، ذهبوا إلى توقع عودة المياه إلى مجاريها، واستبعاد الحرب الموسعة، مقابل تكثيف الجهود من قبل محور إيران وإسرائيل لاستخدام التصعيد الحدودي لأغراض داخلية وكمتنفس من الأزمات.
وشهدت مناطق في الجنوب اللبناني، تصعيدا عسكريا، تمثل باستهداف الجيش الإسرائيلي لمواقع في محيط مزارع شبعا، بعد اتهامات وجهها لحزب الله بتنفيذ إحدى خلاياه عملية تسلل.
إلا أن حزب الله نفى ذلك، فيما اتهم نتنياهو، زعيم حزب الله حسن نصر الله، بتوريط لبنان، وأكد أن خلية من الحزب تسللت إلى أراض إسرائيلية حسب وصفه، وأن القوات الإسرائيلية أحبطت هذه العملية.
في حين أن النظام السوري “الحاضر الغائب” حول المواجهات، فتشير مواقفه حيال العملية، إلى مواصلته الإلتزام بسياسة عدم الرد، أو كما يشاع عنه “عدم التورط” في أي تصعيد قد يكلفه خسارة الحكم في سوريا.
مقاومة وممانعة؟
السياسي السوري محمد حاج بكري، يرى أن حزب الله اللبناني، يريد إرسال رسالة إلى إسرائيل بأن غاراتها وضرباتها الجوية لإيران ولمجموعاته في سوريا، ستقود إلى مواجهة على الحدود اللبنانية، بالإضافة إلى رسالة مهمة للداخل بأنه سيد الموقف، والآمر الأول والأخير في لبنان، وبأنه سيكون رأس الحربة في مواجهة هو صاحب القرار فيها وأن انتماءه لإيران ومصالحها أكبر من الانتماء إلى لبنان.
ويضيف بكري في تصريحات لـ”القدس العربي” أن الخسائر الجسيمة التي تتعرض لها إيران مع الحزب في سوريا من استهداف للمواقع ولشخصيات عسكرية مهمة وعناصر، وهذا بطبيعة الحال أدى إلى فقدان إيران لجزء كبير من هيبتها مع حزب الله وانعكس ذلك على وضع الحزب في الداخل اللبناني ليفقد جزءا من مصداقيته وهذا دافع رئيسي ليقوم بعمل يعيد به إظهار نفسه مجددًا كقوة مقاومة وممانعة.
أما القيادي في المعارضة السورية المسلحة، العقيد فاتح حسون، فقد ذهب إلى رغبة “حزب الله” عبر مناوشات الحدود مع الجيش الإسرائيلي إلى “حفظ ماء الوجه” بعد الخسائر الثقيلة التي تعرض لها في سوريا، وفشله في الداخل اللبناني من جهة أخرى، خاصة بما يتعلق بالأزمة المالية التي يشهدها لبنان.
ويقول المصدر العسكري لـ “القدس العربي”: “مما لا شك فيه أن إسرائيل تتخذ إجراءات دفاعية خوفاً من أن يعْبر حزب الله الحدود، ذلك أن زعيمه حسن نصر الله كان قد حذّر إسرائيل بالقول إن أي كادر أو شاب يُقتل في سوريا ولبنان سنحمّل إسرائيل المسؤولية وسنعتبر أن من حقنا أن نردّ في أي مكان وزمان وبالطريقة التي نراها مُناسِبة، ويبدو أن إسرائيل أعطته الفرصة للتنفس، بعد فقده العديد من أوراق القوة”.
وأضاف، ما حصل في الجنوب اللبناني قبل أيام من تصعيد يعتبر بمثابة رد من ميليشيا حزب الله على الكيان الصهيوني في قضية مقتل القيادي في الحزب علي كمال حسين في غارة جوية إسرائيلية قرب مطار دمشق، في 20 تموز/يوليو الماضي، لأنه لو لم يفعل ذلك سيطعن بمصداقيته أمام حاضنته الشعبية وعناصره.
في حين راح الكاتب والإعلامي السوري أحمد الهواس إلى وصف التصعيد في الجنوب اللبناني بـ “المسرحية” وقال لـ “القدس العربي”: “التصعيد الحالي جزء من التغطية على جرائم حزب الله في سوريا وإعادة تلميعه كحزب مقاوم لإسرائيل، وقد أصبحت تلك المسرحيات ممجوجة من قبل الشارع العربي”.
أين الأسد؟
غاب النظام السوري عن التصعيد الأخير على الحدود اللبنانية بين إسرائيل وحزب الله، وهذا ما علله مدير وحدة تحليل السياسات بمركز “حوار” محمد نذير سالم بالقول: “النظام السوري، من غير الوارد أن يغير سياسته المتمثلة بعدم الرد منذ عقود طويلة، والتي يغطيها بالحديث عن الرد المناسب في الزمان والمكان المناسبين، أو الرد من خلال ما يسميه ضرب الإرهابيين باعتبارهم عملاء لإسرائيل كما يصفهم. النظام السوري لا تتوافر لديه لا القدرة والإرادة للرد على مئات الاعتداءات الإسرائيلية داخل الجغرافية حتى الآن”.
أما المعارض السوري محمد حاج بكري، فكان تحليله لموقف النظام السوري يتمحور حول أن الأسد بدوره يمنع أي مواجهة في الجولان المحتل، وهو حريص على أمن وسلامة إسرائيل منذ أكثر من أربعين عاما، ويبدو بأنه أوعز لحزب الله مع إيران بالرد من الأراضي اللبنانية لتحييد نظامه عن دفع الفاتورة في مواجهة نتائجها محسومة بالنسبه له، ويبدو أن حزب الله يريد توريط لبنان وخلط الأوراق في المنطقة وليبعد شبح سقوط نظام الأسد عن الواجهة، والأحداث الدولية ومؤشراتها التي تطالب بخروج إيران من سوريا، بالإضافة إلى اقتراب النظر في قضيه الشهيد رفيق الحريري والانتخابات الأمريكية، ووضع إيران المنهارة داخليا، فكل هذه العوامل مجتمعة تستدعي من الحزب تهديد حدود إسرائيل كورقة مساومة.
أما العقيد في المعارضة السورية فاتح حسون، فيرى أن النظام السوري لن يتورط في حرب مع داعمه حزب الله ضد داعمه ومثبته في الحكم إسرائيل، كما أن ارتهان كل قرارات النظام السيادية لروسيا سيجعل من المستبعد أن يقوم بخطوة من شأنها أن تودي به للسقوط.
الحرب.. مستبعدة
أشارت وسائل إعلام عبرية، إلى نشر الجيش الإسرائيلي للقبة الحديدية على حدوده الشمالية، تحسبا لأي تصعيد عسكري قد يقوم به حزب الله، وقال نتنياهو خلال زيارته لقيادة المنطقة الشمالية: “ما يجري من تصعيد حالياً، هو نتيجة لمحاولة إيران التموضع في المنطقة” كما تعهد بمواصلة التحركات لمنع ما وصفه بالتموضع الإيراني قرب الحدود الإسرائيلية الشمالية، محملا النظام السوري ولبنان مسؤولية التصعيد.
التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان شيء والتصعيد في سوريا شيء آخر، وفي هذا الصدد يقول العقيد فاتح حسون: “إسرائيل تعي تماماً أن التصعيد في لبنان يهدد أمنها أكثر من التهديد الذي يأتي من سوريا، ولقد أولت إسرائيل في الشهور الأخيرة الوجودَ العسكري الإيراني أهميةً قصوى، ووضعته في قمة التحديات التي تواجهها.
وأن الغارات الإسرائيلية داخل سوريا، تستهدف بشكل رئيسي الميليشيات الإيرانية وشحنات الأسلحة التي ترسلها طهران لحزب الله، ومواقع تستخدمها الميليشيات الإيرانية لتطوير أسلحة وتزويد حزب الله بها”.
ويضيف: إسرائيل مقتنعة بأن آخر ما تريده إيران وحزب الله في الوقت الراهن تحديدًا، هو حدوث مواجهة شاملة، بسبب استمرار الحرب في سوريا وعدم قدرة نظام الأسد حسم المعركة لصالحه، فضلًا عن وجود منافسة إقليمية جارية في سوريا.
فليس من مصلحة حزب الله ولا الإسرائيليين، أن يبدأوا حربا ستكون فاتورتها كبيرة، كما أن التصريحات الأخيرة من قبل قادة الاحتلال وقادة حزب الله تستبعد أن تتطور الأمور إلى حرب، ولا تغيير في قواعد الاشتباك على المدى القريب.
فيما يرى الكاتب أحمد الهواس، أن مهمة حزب الله باتت تتمحور في حماية حدود إسرائيل الشمالية، ومنع أي فئة رافضة للكيان من الاقتراب من تلك المنطقة، علاوة عن التوجه لصناعة دولة داخل الدولة اللبنانية تهيمن على القرار اللبناني.
ويقول محمد نذير سالم: التصعيد بين إسرائيل وحزب الله مستبعد، وكذلك من المستبعد الانزلاق نحو حرب موسعة، فبعد ما حدث في مواجهات عام 2006 فلا لبنان ولا حزب الله جاهزان لمثل تلك المواجهة، وهي غير مرغوبة أيضاً من إسرائيل.
ويضيف “أن التوترات الخفيفة مفيدة لتنفيس الاحتقان الداخلي على الضفتين، وثمة نوع من التوافق على أن نتنياهو يستخدم قضية التصعيد مع ميليشيات إيران عموماً لرفع أسهمه الداخلية، واستخدام حزب الله لدعاية الممانعة والمقاومة معروف أيضاً.
كما أرسلت إسرائيل بعد التطورات العسكرية الأخيرة مع حزب الله اللبناني، عدة رسائل مبطنة بتهديد، إلى الجهات الدولية مفادها أنها لا تنوي تصعيد الوضع على الحدود الشمالية مع لبنان ولكنها على أهبة الاستعداد، وأوضحت وفق ما تداولته وسائل إعلامية بأنها إذا لزم الأمر نحن مستعدون لضربة مؤلمة، مشيرة إلى أنها ترى سوريا ولبنان مسؤولين، وأن إيران تقود ما يحدث”.
مواقف سورية
المعارضة السورية، وفق القيادي العسكري فيها فاتح حسون، تنظر لإسرائيل على أنها قوة احتلال، وتطالبها بتطبيق القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، وهو مبدأ لا يمكن الحياد عنه.
لكن بواقع الحال ما فعله نظام الأسد وداعموه، ليس بأقل مما فعلته إسرائيل على مدى سنوات طويلة.
أما محمد حاج بكري، فنوه إلى أن ليس من مصلحة الثورة السورية، إنزلاق لبنان في مسار عسكري من شأنه خلط الأوراق، ويشتت الانتباه عن قضية السوريين المتمثلة بضرورة إسقاط النظام السوري، خاصة في هذه الظروف الاقتصادية والسياسية التي يعيشها الأسد، والمواقف الدولية المناهضة لحكمه، ودخول قانون قيصر حيز التنفيذ، والذي بدأ بفرض سلسلة عقوبات على أبرز الشخصيات الأمنية والعسكرية في نظام حكم آل الأسد، وكذلك فإن أي حرب في لبنان ستؤثر سلبا على اللاجئين السوريين هناك.
فيما ذهب أحمد الهواس إلى اعتبار أن حزب الله اللبناني، أثبت هويته الطائفية، وأن مهمته الرئيسية تتمثل بقتال السنة، وأن هذا القتال مرض عنه أمريكيًا وصهيونيًا، ولولا ذلك الرضاء لما سمح له بقتال الثورة السورية لحساب النظام الطائفي الذي يحمي حدود إسرائيل منذ خمسة عقود ويتلحّف بالمقاومة.