إن النظر للأدب بوصفه يعملُ وفقَ نظرية الاتصال والتواصل التي حدد رومان ياكوبسون عناصرها الستة، لكي يحقق فاعلية أكبر من التأثير في المتلقي، ينتصر أحياناً لصالح الرسالة على حساب بنية الشكل القصصي، ولكن ليس بالمفهوم الكلاسيكي، الذي كان يضع شروطاً واضحةً لكيفيةِ تَوصيل المعنى والضوابط التقليدية من شخصيات وعقدة وحبكة وصراع، وإنما بنظرة جديدة للبناء الفني، بوصفه بناءً مرناً قابلاً للتعديل والتغيير مع استخدام ما تتيحه خواص الحداثة المعاصرة من تقديم أشكال متنوعة للنوع الأدبي الواحد. لكن إذا كان البناء الفني يُنظَرُ لهُ بوصفه: «مجموعة من القوانين التي تحكم سلوك القصة ومكوناتها ولا يمكن أن يحل أحدها محل الآخر»، فكيف نوفق بين هذا التعريف الصارم للبناء الفني، وعملية التحديث والتجريب، والانتصار للمضمون على حساب الشكل في حداثة القصة القصيرة الراهنة؟
طرحت هذه الأسئلة نفسها بقوة مع قراءة مجموعة محمود أبو حامد «امرأة تلامس الرائحة»، ذلك أن ما في المجموعة من قدر من التجريب الحداثي، والعمل على محاولة توصيل المعنى باتباع تقنيات تتجاوز التقليدية إلى التجريب، ومحور ما سنحاول العمل على تبيانه هنا، هو السؤال حول الكيفية التي يتم بها إحداثُ التلاؤمِ بين البناء الفني الذي من المفترض أنه مجموعة من القواعد والقوانين التي تحكم سلوك القصة، ومن هنا تتضح لنا فرضية أن هذه المجموعة من القواعد والقوانين في ظل الرغبة الحداثية والتجريب ليست واحدة أو ثابتة، بل هي متنوعة متغيرة تختلف من نص إلى آخر، وربما من مجموعة قصصية إلى أخرى، ومن ثم تصبح إحدى المهام التي تواجه الناقد، أن يكتشف خصائص البنية القارة في كل مجموعة قصصية تنتظم معاً بغرضٍ اتصاليٍ تَواصليٍ واحد، وضعه المؤلف لأجل ذلك.
العنونة
أول ما يلفت النظر في ذلك هو العنونة، التي جاءت غير متناصة مع أيٍ من عناوين القصص الداخلية، فليس هناك عنوانٌ ينطبقُ عليه هذا المسمى! بيد أنه وبعيدا عن المرأة، هناك جانبان من التناص المعنوي، فمن ناحية يهتم المؤلف بتناول الأحداث من زاوية الأنثى، ويكثر من الاستشهادات التي تكون فيها المرأة مقموعةً ومعرضةً للقهر، وتعيش تحت سطوة الاستغلال والاستبداد، ومن ناحية أخرى، يقوم بتقسيم مجموعته القصصية إلى أقسام متتالية، كل منها مبني على فكرة الرائحة، لكنها رائحة بنكهة وطعم مختلف، فهناك أربع روائح على النحو التالي: «رائحة الزنزانة» – «رائحة الضحية» – «رائحة الرحيل» – «رائحتنا»، تضم كل رائحة منها مجموعةً من القصص المختلفة، لكنها مترابطة في غرض أو قصد يساعد المؤلف في توجيه وعي القارئ ناحيته، ومن ثم يمر القارئ من عتبة نصية إلى أخرى، فمن العنوان العام للمجموعة، إلى عنوان فرعي تنتظم فيه مجموعة قصص، إلى عنوان كل قصة باسمها، وهو ما يوجه التأويل مسبقاً.
الثقب
في مجموعة «رائحة الزنزانة» مثلاً نتوقعُ أن نقرأ عن القهر والظلم، ونبحث عن السبب الذي أدى بالشخصيات بالدخول في عالم الزنزانة، ونلاحظ هنا غلبة المعطى السياسي، وغلبة التوجه السياسي، وكيف أن أغلب من هم في ظلام الزنزانة وصلوا إلى هنا بسبب الظلم السياسي، ورغم أن الزنزانة لا تتخذ سمتاً محددَ المعالم، بيدَ أنّ قِمةَ الإبداع والتجديد من وجهة نظري في قصة «الثقب».
في قصة «الثقب» يتم توجيه القارئ إلى عالمٍ كاملٍ من التحولات والتبدلات في الشخصيات، فهناك تعبير عن مدى التوق للحرية، حتى لو كانت مجرد النظر من ثقب إلى العالم الخارجي، ففي أحد السجون، في الحبس الانفرادي، هناك ثقب يُنظَرُ منه إلى العالم الخارجي، وقد اتفق أعضاء السجن على أن يقوم أحدهم كل فترة بعملٍ ما ليُعاقَب بإرساله هناك حتى يمكن أن يطالع الحرية من خلال هذا الثقب، هنا نلاحظ نوعاً من التشبيه العام الكبير في ثنايا القصة، فلا تصبح الأحداث ذاتها أو الشخصيات أو حتى الوصف، الأمر المهم، تصبح الفكرة، والمعنى المراد توصيله للقارئ: البحث عن الحرية ولو من خلال ثقب. وتحمل المغامرة أقصى درجات العقاب والمجازفة، لكي يتحقق هذا الحلم، مع مفارقة أن كل الأحداث تدور داخل الزنزانة السالبة للحريات أساساً، فهنا توجيه معنوي كبير، يماثله أيضاً ذلكَ التَوجيهُ المعنوي الموجود في قصة «حوارات مغلقة»
وهنا يتم استلهام روح الشخصيات، التي قامت بالتعذيب، والشخصيات القامعة للأخرى، وتخيل مدى القهر النفسي الذي تعيشه هذه الشخصيات، رغم ما تظهر به من كبرياء وغرور، ربما خلاصته أن الشخصيات التي تقوم بقمع غيرها تقع – بدون أن تشعر- تحت قمعٍ من نوعٍ آخر، وكأنها عدالة تطبقها السماء على الناس، فها هو الجلاد يحضر إلى الفراش، وهو خائر القوى منهك غير قادر على إشباع رغبات زوجته، التي تعنفه في النهاية وتقول له: «تأتي إلى الفراش وظهرك يؤلمك واسكتي يا امرأة .. قل لي ماذا استفدت من كل هذا الذي فعلته؟ هيا اذهب إلى النوم، وإلا صرخت بأعلى صوتي ولممت عليك الجيران»، هكذا يتحول الفعل القامع إلى عجز في مواجهة الزوجة، ويصل الأمر إلى حد الهيستريا مع الطبيب الشرعي، الذي يتواطأ مع السلطة ضد المعذبين، فيروي القاص على لسانه: «ابتعدي عني، ابتعدي نهائياً، حالة غريبة.. حالة بشعة .. ابتعدي سأذهب إلى الحمام، سأتسبح، أنا منج، منجس تماماً..
– ما بك الليلة؟ كأنك على أبواب الجنون؟
– أبواب الجنون، شبابيك الهستيريا.. أنا مجنون فعلاً.. ابتعدي».
كل هذا لأنه لم يستطع أن يكتب السبب الحقيقي للوفاة، وأنه تواطأ مع المُعذِّبين لكي يفلتوا من العقاب.
بعيداً عن التنميط السردي
نستحضر هنا مقولة عواد علي: «ولا يدهش القارئ إذا انتهى من القصة ولم يعثر فيها على حدث، إذ يمكن أن تكون مجرد صورة أو تشخيص لحادث محدد، أو رحله عابرة في أعماق الشخصية»، فهنا نجد الأمور تأخذ منحنى لا تصبح فيه الأحداث وتراتبها، والشخصيات وعلاقاتها ووظائفها السردية هي المقصودة، لا يصبح هنا التنميط السردي التقليدي من التحليل السيميائي لعناصر القصة مفيداً في تحديد عنصر الرسالة المراد تبليغه للقارئ، لكن رغم ذلك هناك قاعدة لا يمكن تجاهلها، مثلما أشار يوسف الشاروني إلى أنه في النهاية، لا بد أن يتحقق للقصة عنصر «التماسك»، وهذا التماسك يأتي من ترابط عناصرها معاً، وأي اهتزاز في أي عنصر من العناصر يؤدي إلى اهتزاز باقي العناصر، فما الذي يحقق عنصر التماسك القصصي هنا إذا كانت الشخصيات والأحداث في مجملها هي إيحاءات رمزية وليست مقصودة بحد ذاتها؟ أي في النهاية ليست هناك عقدة وصراع يهدف القارئ إلى فك شيفرتيهما؟
تتضح هنا أهمية الترتيب الذي قام المؤلف في وضعه، فالقصص تكتسب تماسكها من اندراجها معاً في عنصر واحد، في رائحة واحدة تحدد معالمها وتؤطر الرؤية لها، فرائحة الزنزانة سننظر لها غير نظرة رائحة الرحيل، التي تفاجئنا أنها عن الرحيل اليهودي وعن الشتات اليهودي، لكن بمنظور آخر، بمنظور يرفض الاستبداد والقهر الصهيوني للآخرين، ويشكك في الكثير من المسلّماتِ، التي يبني على أساسها اليهود أفكارَ ظلمِهم للآخرين، هنا تكثر تقنية تبني فكر الآخر والحكي من خلاله، ونعود لانتظام الأحداث من خلال ترتيبها وفقاً لرؤيةٍ مُعينة، فكل رائحة من الروائح التي يرتب فيها مجموعة قصصه، تشير لأفق معين من النظر، ومن المشكلات، ففي النهاية ليست القصص على سبيل الإمتاع النصي، لتتبع الغوامض وإرهاق العقل في السؤال عما سيحدث من مصير للشخصيات، بل ربما ليس هناك أي مصير ينتظر الشخصيات، فالواجب هو إعادة النظر في المصير الذي ينتظرنا نحن.
القضايا الكبرى
إذن نحن أمام نضالٍ اجتماعي يتخذ شكل القصة وقالبها، مرحلة مكثفة من مراحل علاقة المجتمع بالأدب، يصول ويجول المؤلف في القضايا الكبرى، من الظلم والقهر، وحياة المخيمات واللاجئين والقضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي، وحتى الصراع الإسرائيلي الإسرائيلي، والبعد العالمي للقضايا الإنسانية، ثم ينسحب لتحليل موضوعي لما نعايشه من مشاكل في المجتمع العربي، حتى ينسحب الأمر لقضايا داخلية لها طابع الإنسانية، لكنها خاصة بالثقافة العربية، مثل النظر إلى الممرضة وعملها، ومثل الفوارق الطبقية بين الطبيب والممرضة، وكيف أن الممرضة دائماً تقع ضحية طبيب يغرر بها، وكيف أن الغني يأخذ أكثر من حقه، ويهمل الفقير ولا ينظر إليه، ونلاحظ في كل الأحوال غلبة تبنّي وجهةِ نظرِ المرأة المقموعة والتعبير عنها، بمختلف الأشكال، فالحكي من المنظور المتعاطف مع القمع الواقع على الأنثى هو الغالب والمسيطر هنا.
إذن تراجعت الأحداث وحلّ الوصف، والمناقشة مع القارئ، حتى يمكن القول إن القِصص يمكنُ أن تنتج عنها مقالات في الإصلاح الاجتماعي، أو أبحاث ودراسات سياسية اجتماعية، فكل قصة في المجموعةِ يمكنُ أن تكونَ تعبيراً عن قضية كبرى من قضايا علاقات الظلم بين الإنسان وأخيهِ الإنسان، بدونَ إغفالِ النَظرةِ الدونية للمرأة، وهو ما يجعل الانتصار هنا ليس للتقنية القصصية، رغم أن المؤلف لم يألُ جهداً في التنويع واستخدام تقنية قصصية تحقق عنصر الإمتاعيةِ، وتبعد القارئ عن الملل تجاه القضايا التي تم تناولها، ليصبح الهدف تكثيف الوعي تجاه المشكلات المطروحة، وتمكين إعادة النظر بشكل جديد، وبشكل محايد خالص من وجهات النظر المسبقة تجاه القضايا التي يتم تناولها داخل عناصر النص، ليصبح الأمر نوعاً من أنواع النضال بالكتابة، ومن أنواع النقاش مع القارئ بوسيطٍ هو القصة القصيرة، ويستعرض المؤلف خلالها العديد من التجارب الحياتية وخبرة كبيرة بالعالم وبالقضايا وبالنفس الإنسانية ونوازعها وطريقة تصرفاتها المختلفة عندما تقع تحت القهر والظلم.
٭ شاعر وناقد مصري