مازال رَوْح عيد الأضحى وريحه في الأفئدة والأنوف حَتى هَذا الفَجْرِ. في بلادي يسمون هذا العيد بالكبير، ويسمون الفطر العيد الصغير. السمة الكبرى لهذا العيد عند عامة الناس هو «الأضحية» أو «الذبح العظيم».. في الآية 107 من سورة الصافات يقول جل وعلا: (وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ). ومعلوم أن ضمير الغيبة المفرد يعود على «غُلاَمٍ حَلِيمٍ»؛ وهو بشارة صالحة للنبي إبراهيم عليه السلام.
في قصة القرآن أنه رأى «في المنام» أنه يذبح ابنه (يعقوب أو إسماعيل)، ولأن هذا الابن «غلام حليم» فإنه أطاعه؛ غير أن الله فداه بذِبح عظيم. وتنافس المفسرون لبيان ما يكون هذا الذبح العظيم؟ فاستقرت أغلب الآراء على أنه كبش «أبيضُ أعْيَنُ أَقْرَنُ» وأنه «رعى في الجنة أربعينَ سنةً»؛ ومنهم من قال إن «صوفه مثلُ العِهْنِ (الصوف المصبوغ) الأحمرِ».. (راجع تفسير الطبري).
كانت الفدية ربانية وهذا شكل جديد غير مألوف من التعويض عن أرواح البشر بدم حيواني، فللفدية مصدر إلهي إنه هبة ربانية، وفي هذا عدول في مصدرية الذبح العظيم ففي العادة يكون مصدر الفِدية بشريا، فصار في هذه الوضعية إلهيا. ما يعنينا ونحن نتناول هذا الحدث المعروف بتفاصيله في ثقافتنا هو، عمل اللغة على خلق كون جديد. هذه عبارة التداوليين التي أعدناها على مسامعكم مرات في هذه المقال: إننا حين نتكلم نعمل، وإننا كما يقول أستين «نعمل الأشياء بالكلمات» وإننا ونحن نتحدث ننشئ أكوانا جديدة.
للفدية معنى بشري حربي وآخر تعبدي؛ المعنى الحربي هو أن يدفع أهل الأسير مالا لمن أسَره في الحرب كي يفكوا أسره. فالفدية هي العملية بأسرها والمال لوحده أيضا. والمعنى العبادي هنا أن تكون الفدية في معنى القربان: أن يقدم مال أو يذبح حيوان يجعل المرء أقرب من يعبد. فالفدية في المعنى الأول مصدرها بشري ومنتهاها بشري، ولكنها في المعنى الثاني، معنى القربان مصدرها بشري ومنتهاها إلهي أو شبه إلهي. الجديد في معنى الفدية الثاني في الآية المذكورة أن الأضحية، التي قدمت كي تخلص وَلَدَ إبراهيم من الذبح أنها كانت منة إلهية أرسلت إلى إبراهيم كي تذبح بدلا من بعله. عندئذ تغادر الفدية وهي توهب من الذات الإلهية مجالها الدلالي الثاني إلى مجالها الدلالي الأول: إنها بدَلٌ من تحرير رقبة كانت ستذبح، أو قل هي فك لأسر من نوع خاص: أسر التعاقد بالحلم على ذبح الفتى الحليم، فالذبح العظيم وهو يرسل هو فدى لفك أسر إرادي تعاقدي من نوع خاص. لكن هذا الذبح العظيم تسمى كذلك لا باعتبار أنه فدية، بل باعتبار أنه اعتراف بالجميل من نبي لربه.
رؤيا الأنبياء في هذا السياق العام، ينبغي أن تنفذ كفلق الفجر. فالرؤى جزء من سيرورة الواقع، وما يرى في الحلم هو تماما كالذي يرى في العلم أو قل ما يرى حلما ينبغي أن يصبح علما. لكن سيرورة هذا الحلم (رأى أنه يذبح ابنه) علما كانت على قساوتها مرنة جدا؛ وما يعنينا من مرونتها أنها كانت بوساطة لغوية. هذه الوساطة اللغوية لم تخبر بكون سيقع وحسب (أني أذبحك) بل شرعت قبوله (فانظر ماذا ترى) وأخيرا شرعت لحدوث النقلة الرحيمة فيه بإرسال الذبح العظيم (فديناه بذبح عظيم). (أنظر ماذا ترى) هو في الحقيقة قول يبنى على آخر (إني أرى في المنام… فانظر ماذا ترى؟) هذه حركة تقابلية مركبة تقابلها الثنائي متدافع بين التقرير والاستفهام أني أرى// ماذا ترى؟ وبين أنا النبي وأنت الابن، وبين الرؤية الحلمية والرؤية العلمية المفضية إلى اتخاذ القرار.
الذبح العظيم الذي هو فداء لابن النبي هو في الحقيقة قلب للكون الأول الذي كان مسطرا في الرؤية. نحن بهذا القول لا نناقش أشكال الجبر التي تحدث عنها المتكلمون، وإنما نتحدث عن علاقة اللغة بتغيير مسار الأكوان البشرية التي تراقبها في هذا النص القرآني الحكمة الإلهية.
الأشخاص الذين لا يؤمنون بأن الكلام يغير الأكوان سيقولون: كيف يستشير إبراهيم غلامه الحليم في شيء هو مقرر سلفا ولا راد له؟ هؤلاء الذين لا يؤمنون بذلك سيقفزون على ما فعله الكلام من قلبٍ لمجريات الأحداث، فضلا عن تلطيفها.
قد نتكلم في أحيان كثيرة لا لكي نغير الأكوان التي نحن فيها، بل لنلطفها. يسعد الفقير بكلمات ويظل فقيرا ويسعد المريض بكلمات ويظل مريضا. هل الفقير الذي يلطف له الكلام فقره يظل محافظا على الكون الذي كان له قبل الكلام: أبدا.. الكلام وهو يلطف يخلق لك رئة جديدة في كونك القديم، أو لنقل يخلق لك كونا جديدا مزهرا في كونك المثقل العام. إن اللغة تغير الكون بطريقتها: تلطفه.
تعالوا نعددْ الأكوان في قصة إبراهيم عليه السلام مع الذبيح: أن يحمل النبي ابنه للذبح من غير استشارة ويذبحه فهذا كون؛ وأن يحمل النبي ابنه للذبح ويستشيره ثم يذبحه فهذا كون آخر. هذا الكون الثاني يمكن أن يتفرع بدوره إلى كونين فرعيين: كون يحمل فيه النبي ابنه الذبيح ويستشيره فلا يوافق لكن الأب يذبحه؛ وكون آخر يحمل فيه النبي ابنه الذبيح فيستشيره فيوافق فيذبحه الأب. هذا «الذبح» في هذا الكون ذبح أرحم من الذبح الأول، لكن هذا الكون الفرعي يمكن أن يتفرع إلى أكوان أخرى بالتركيز على الابن: يوافق الابن لأنه لا حول له ولا قوة، أو يوافق لأنه يطيع الوالد طاعة عمياء. وهذا هو الكون الذي سار فيه القول القرآني والذي أوجب الذبح العظيم. لم تلطف اللغة الذبح المحتوم فقط، بل إنها غيرت الكون الذي كان مقدرا أن يمضي جبرا مسطورا، وخلقت كونا جديدا. لو تحدث ابن النبي بغير ما تشاء له فضيلة الطاعة لمضى أمر الذبح وكان مقضيا، ولخفف القضاء لأنه سيكون قد تكلم – لا قدر الله – بلغة لا تستقيم مع أبناء الأنبياء. سيكون ابنا كابن نوح حين رفض أن يرافق والده في الفلك وقال (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء).. فـ(حَال بينهما الموجُ فكان من المغرقين) [هود، 43]. قدر أبناء الأنبياء إذن أن يجاروا قرارات آبائهم الأنبياء: إن فعلوا خففت أقدارهم وإن لم يفعلوا جرت الفلك من دونهم وهم مُغْرَقُون.
الذبح العظيم الذي هو فداء لابن النبي هو في الحقيقة قلب للكون الأول الذي كان مسطرا في الرؤية. نحن بهذا القول لا نناقش أشكال الجبر التي تحدث عنها المتكلمون، وإنما نتحدث عن علاقة اللغة بتغيير مسار الأكوان البشرية التي تراقبها في هذا النص القرآني الحكمة الإلهية. ما حدث في الآية المذكورة في سورة الصافات أنا انتقلنا من تنفيذ رؤية (إتمام القتل) إلى تعديل تفاصيلها بتعويض ذبيح بآخر. فلم يتوقف القتل بل استبدل بذبح عظيم. دخل المفسرون في تفصيل عظمة الذبح فاستقر رأيهم غالبا على أنه كبش عظيم، وعليه مسار الذابحين المضحين اليوم، لكن المفسرين تسامحوا في ربط عظمة الذبْح بسيرورة الكلام، أي أنهم خرجوا إلى ما وراء النص لبيان هوية (الذبحِ) ما تكون؟ أكبشا أم غير كبش وإلى التضييق من اتساع الصفة (عظيم) ولو أنهم كانوا بيانيين حقا: يفتشون بين ثنايا البيان، لوجدوا في سيرورة الخطاب نفسه بُغيتهم. عظمة الذبح العظيم من عظمة طاعة الابن، وعظمة تغيير المصير القدري الأول من عظمة سياسة الخطاب: لا من جهة نبي حكيم، بل من جهـــة ابن له حليم: حِلْمُهُ كان بحَجمِ حُلْمِ نبي!
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية