هآرتس: كيف أضرت السلطة الفلسطينية سكانها باسم الكرامة الوطنية؟

حجم الخط
1

وقف التنسيق المدني لا يضر إسرائيل، بل يضر الفلسطينيين. كان يجب أن يعزز وقف التنسيق المكانة المتهالكة للسلطة الفلسطينية في نظر جمهورها، ولكن بدلاً من ذلك راح يكشفها كمن ترد لا كمن تخطط، وأنها تطالب بتضحية السكان دون إشراكهم في القرارات. وهذا يدل على أن السلطة الفلسطينية عاجزة نى حماية سكانها.

وخير مثال على ذلك منع المواطنين الـ 13 الخروج من الضفة الغربية إلى الأردن في بداية الأسبوع، ليس لأسباب أمنية. ولا يقارن الإزعاج الذي لحق بهم مع إزعاج المرضى في حالة خطيرة. وكثيرون منهم في قطاع غزة الذين يتلكأ خروجهم للعلاج الطبي لأن السلطة أوقفت علاج طلباتهم للحصول على تصاريح خروج. في هذه الأيام كان يجب أن يبدأ العمل بنظام تنسيق بديل مؤقت، لكن هذا الأمر تأخر. وفي هذه الأثناء تنقل جمعية أطباء من أجل حقوق الإنسان طلبات إلى إدارة التنسيق والارتباط، في حين تتلقى الإدارة المدنية طلبات للحصول على تصاريح خروج للعلاج مباشرة من سكان الضفة الغربية.

ومهم التنويه بأن المشكلة الرئيسية لسكان الضفة اقتصادية على وجه الخصوص. نحو 134 ألفاً من موظفي القطاع العام و80 ألفاً من الحاصلين على مخصصات مختلفة يحصلون على مبالغ أقل من المعتاد وبتأخير واضح، ليس بسبب كورونا فحسب، بل أيضاً بسبب قرار فلسطيني بعدم تسلم أموال الضرائب والجمارك من إسرائيل التي تجبيها في حدودها عن بضائع ذاهبة إلى الضفة والقطاع. ومنذ أيار يخصم نحو 200 مليون دولار كل شهر من صندوق السلطة، التي تشكل ثلثي مداخيلها. ولكن منع الخروج إلى الأردن وخلفية ذلك توضح جيداً فداحة الوهم الذي باعته السلطة لسكانها ولنفسها أيضاً،كما يبدو. المعبر مغلق منذ 11 آذار، كوسيلة لمنع تفشي كورونا، والخروج منه في حالات استثنائية يحتاج إلى تنسيق خاص بين السلطة الفلسطينية والسلطات الأردنية. ومن السهل تخمين كبر خيبة أمل الـ 13 مسافراً عندما قيل لهم بأن الوثائق التي لديهم لا تتلاءم مع ما هو مسجل في مخزن المعلومات الموجود في الحاسوب الإسرائيلي، لذلك يحظر عليهم الخروج من الضفة الغربية.

من بين الذين تم رفض خروجهم والذين كتب عنهم في الصحف الفلسطينية، امرأتان سجلتا في الأشهر الأخيرة أولادهما في سجل السكان الفلسطيني. هذه عملية معروفة: الفلسطينيون الذين يعيشون في الخارج يحرصون على العودة إلى الضفة ليسجلوا أولادهم الصغار في وزارة الداخلية الفلسطينية. والآخرون هم سكان الولايات المتحدة الذين جاءوا في زيارة إلى الضفة ومددوا مكوثهم بسبب إغلاق المعابر. وفي هذه الأثناء كان عليهم تجديد جوازات سفرهم الفلسطينية.

الإدانات الفلسطينية الرسمية، بما في ذلك وزارة الخارجية وشخصية كبيرة في م.ت.ف، لم تتأخر في المجيء. استفزاز ومعاملة غير أخلاقية مع نساء وأولادهن الصغار، عقاب جماعي. ولكنه كان أحد التداعيات المتوقعة لوقف التنسيق المدني: عدم التطابق بين البيانات الشخصية الحقيقية وتلك التي لدى السلطات الإسرائيلية.

يحظر اتفاق أوسلو على السلطة الفلسطينية إعطاء إقامة في الضفة الغربية وقطاع غزة لمواطنين من دول أخرى، بما في ذلك فلسطينيون ولدوا فيهما أو أن عائلاتهم تعيش فيهما. وبقي هذا احتكاراً إسرائيلياً. ومنذ العام 2000 جمدت إسرائيل العملية التي تسمح بمنح المواطنة لبضعة آلاف من الأشخاص في كل سنة. ولكن الاتفاق سمح للسلطة بإدارة سجل السكان الفلسطيني: إصدار وثائق سفر خاصة بها، وإصدار بطاقات هوية شخصية جديدة لاأناء الـ 16 سنة، وتسجيل مواليد جدد، وإصدار أرقام شخصية لهم، والموت، والزواج، والطلاق، أو تغيير العنوان.

وأي خروج من أي جيب فلسطيني مرتبط بفحص البيانات الشخصية قد يتعقد إذا كانت هذه البيانات غير متطابقة مع الموجود على شاشة الحاسوب الإسرائيلي. لذلك، منذ نقل الصلاحيات المدنية للسلطة الفلسطينية في 1994 وفي ذروة التصعيد العسكري، هي تحرص على نقل كل معلومة جديدة وحديثة في مكانة السكان للإدارة المدنية الإسرائيلية، بما في ذلك الذين يعيشون في قطاع غزة، حتى تحت حكم حماس.

الإدارة المدنية تسمي نقل المعلومات هذا “تطابقاً مع أنظمة المعلومات الإسرائيلية كي تسمح بتقديم خدمات مختلفة للسكان الفلسطينيين”. ولكن هذا التطابق هو مفهوم مضلل. مثلاً، في التسعينيات تبين أن إسرائيل لا تصادق على تغيير عنوان السكن من غزة إلى الضفة الغربية. فلسطينيون من مواليد القطاع الذين عاشوا سنوات طويلة في الضفة الغربية وجرى تغيير عنوانهم في وزارة الداخلية الفلسطينية، تفاجأوا من سماع الجنود يقولون بأن بطاقات هوياتهم مزيفة. هذه كانت إشارة مبكرة جداً لنية إسرائيل فصل سكان غزة عن الضفة. وفي بطاقات مجموعات سكانية فلسطينية كثيرة تعيش في مناطق “ج”، لا يشبه العنوان الرسمي مكان السكن الحقيقي، بل مناطق معينة في مناطق “أ”. هذه هي المجموعات التي لا تعترف إسرائيل بوجودها وهي تسعى إلى طردها إلى مناطق “أ” و “ب” التي تحت سيطرة السلطة الفلسطينية المدنية.

التنسيق الأمني البغيض على أغلبية الفلسطينية يعكس مكانة المقاول الثانوي الذي اتخذته حركة فتح وأجزاء من م.ت.ف على نفسها وطورته خلال السنين رغم كل الانتقاد والغضب. وهو يعكس مأساة المنظمات التي ناضلت من أجل الحرية والاستقلال، ومقابل حكم ذاتي محدود ومعاق طوروا أنظمة قمع ضد شعبهم.

في المقابل، يعكس التنسيق المدني الوضع الحقيقي: مع أو بدون وساطة. كانت إسرائيل وما زالت هي المحتل الذي يخضع له ملايين السكان الذين ليست لهم حقوق مواطن. ولكنهم يتمتعون بحقوق إنسان. كان يمكن أن توقف السلطات التنسيق الأمني وتستمر في التنسيق المدني محاولة تقليص الضرر على السكان. في حالة وقف التنسيق الأمني فقط يمكن الافتراض بأن إسرائيل ستقوم بعملية ثأر وتشويش على جزء من التنسيق المدني. ولكن عندها كان عليها أن تشرح خطواتها العدائية للجهات الدولية القلقة. وباسم الكرامة الوطنية، وضعت السلطة الفلسطينية التنسيق الأمني والتنسيق المدني في نفس السلة وكأنها أعلنت بذلك أن مساعدة المحتل والاهتمام برفاه من يقع تحت الاحتلال هي الشيء نفسه.

بقلمعميره هاس

 هآرتس 3/8/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية