من يقرأ للقاص هشام البستاني، يدرك حقيقة ما يؤكد عليه دائما، بأنه لا يكتب لتسلية القارئ، وأن الكتابة التسلوية ليست فنّا، وأنه يقدّم عملا فنيا رفيعا محملا بالطبقات متعددة الأعماق؛ فالبستاني كلف بالفن والجمال والتفكير وإحداث الصدمات؛ بعيدا عن الوعظ والإرشاد والتنظير والحلول الجاهزة وثنائية الخطأ والصواب والخير والشر. ولذا فنصوصة مقلقة مرهقة، تتطلب وعيا وتركيزا وغوصا في الأعماق، ولغته أنيقة مكثفة مجازية بدون أقنعة.
في المجموعة القصصية «شهيق طويل قبل أن ينتهي كل شيء»، كان لافتا الحضور المكثف للمرأة بكافة تلاوينها، وبالذات الصور السلبية الصارخة، التي تسلط الضوء على نماذج حية موجودة في المجتمع، ولا يُمكن تجاهلها بحال، وقد تكون سلبيتها وجهة نظر تحتمل ضدها، وعندما يتناولها القاص البستاني، فهو لا يهدف معالجة هذه السلوكيات السلبية، فهو غير معني بذلك، وكل ما يصبو إليه أن يرسم بريشته السردية السينمائية البارعة صورة نماذج واقعية بدون رتوش أو مكياج، وللقارئ حرية التصنيف والتأويل والاستخلاص. وقد حفلت المجموعة بصور كثيرة للمرأة، وستتناول هذه المقالة الصور الفاقعة الصارخة دون غيرها:
المرأة الثرثارة
في قصة «رائحة غريبة في الأرجاء»، برع البستاني في تصوير مشاهد الثرثرة والنميمة والغيبة لمجموعة من النساء؛ فإذا غابت إحداهن، حضرت في الجلسة سيرتها، حيث يتم قصفها بدون هوادة، من خلال نبش تفاصيلها وعاداتها ومشاكلها وطريقة لبسها، وجميع ما يخطر وما لا يخطر على البال، ويتم التحذير قبل انفضاض الجلسة بضرورة إخبار الغائبة التي ستتصل بالتأكيد لتستدرك ما فاتها، إنهن ذكرنها بالخير، وقد افتقدنها، وإن الجلسة كانت ناقصة بدونها. وإن كانت الجلسة مكتملة كحدث نادر، «تحل اللعنة على باقي المدينة: الأزواج أولا (يا للبخت المائل)، ثم الحموات (الذئبات يحمن دوما حول النعاج البريئة)، فالجارات (العين الضيقة والمرصاد المتحفز)، فزوجات الأشقاء (الغيرة، الغيرة)، فزميلات النادي (ألا يخجلن من استعراض الملابس؟)، وصولا إلى عاملات المنازل (كسولات ومقصرات دائما، لا جدال)».
ثم ينتقل الحديث تدريجيا إلى الأزواج والوصايا الجاهزة نتيجة الخبرة، ولكن بهمس «إذ تطبخ موضوعاته على نار هادئة. على مهل. تُسمع همهمات تُميّز بعض جمل مقتطعة منها: «هكذا تلفتين أنظاره»، «عليك إقناعه بشراء سيارة جديدة لك»، «إشغاله الدائم هو سر عدم زوغان عينه إلى الخارج»، «اتهميه بالبخل أمام عائلته، هكذا سيرضخ»، إلخ.
الثرثرة، وجلسات النميمة والغيبة ونشر غسيل الآخرين، والكيد للأزواج، من طباع كثير من النساء، ومن على شاكلتهن من الرجال، ولم يزد البستاني هنا إلا أن عرضها على «بلاطة»، بدون مجاملة أو مواربة، فالروائح تفوح في الأرجاء ولا يمكن كتمها.
المرأة الشرسة
تتناول قصة «التفاحة المعلقة على الشجرة» الزوجة المفترسة التي تضرب زوجها وتحبسه في غرفته، وتشكوه وتسجنه، وتطلب الطلاق من أجل الزواج بمواطن أمريكي، وتقترف من أجل ذلك إجهاض حملها، وتزوير التقارير، والأيمان الكاذبة، وتحقير زوجها بمؤازرة المحامين، وشهادات أمها وأخيها وأختها التي تهدده، وتنال في النهاية ما تريد. ومن الفئة نفسها، الأم في قصة «يوم مشؤوم من أوله»، التي ترفض الشاب الذي تقدم لخطبة ابنتها، لأنه ليس من طينتها، ولا يقدر على فتح بيت، فتغضب البنت، وتصرخ وتشتم «ثم اندفعت كسقوط خزان ماء معدني فلت من الحبلين اللذين يرفعانه نحو السطح، قاصدة الخروج من المنزل». وغير بعيد عنها، المعلمة أميمة التي كانت متجهمة قاسية الملامح، تحمل عصا في يدها، ومع ذلك تجبر تلاميذها على أن ينشدوا بأنها أم حنونة، في قصة «إطلاق النار على مدينة مقيدة اليدين».
هذه النماذج، ليست شاذة، وإن كانت غريبة ومدانة، ولكنها موجودة وفاعلة ومؤثرة، ولكن البيوت أسرار كما يقولون، إلا إذا خرجت مشاكلها إلى أروقة المحاكم، وكذلك المعلمات المتجهمات المتسلطات، لا تخلو منهن مدرسة، وإن بدرجات متفاوتة.
في قصة «البونص» يصور البستاني ظروف الفتيات العاملات في الملاهي، والعالم الذين يعملن فيه، وتصرفات الزبائن المتناقضة العجيبة، وتعليمات صاحب الملهى، وأن مهمة كل فتاة إغراء الزبون ليطلب أكبر عدد ممكن من الكؤوس له ولها، ولكل منهن «بونص» إذا نجحت في تخطي «الكوتا».
المرأة المدللة المدعية
في قصة «الصوت القادم من الغرفة الصغيرة الملحقة بالمطبخ»، صورة باذخة للزوجة المدللة التي لا تعمل شيئا، وتجد كل شيء جاهزا كأفضل ما يكون، وتفعل ما تشاء: نوم، ناد، ثرثرة مع الصديقات في المقهى، تسوق، قيلولة، مكالمات هاتفية طويلة مع الصديقات، مسلسلات، وتتدلل على زوجها ليكافئها برحلة إلى البحر، مع أن الذي يقوم بكل شيء شغالة تعيش في غرفة صغيرة مظلمة، محرومة حتى من جهاز خلوي، وربما لا يدري الزوج بوجودها، ومع ذلك، تقول متبرمة من كسل الشغالة، وإضاعة وقتها: «ترى ماذا فعلت لأستحق مثل هذا المصير؟». يذكرنا هذا النموذج، بنمط من المسؤولين، الذين يلقون كل مهامهم على من دونهم من الموظفين، وينسبون كل إنجاز إلى أنفسهم بفخر وخيلاء، ولا يتورعون عن اللوم والتقريع لأقل هفوة، وبكل وقاحة يطالبون بالعلاوات والترفيع والمناصب الأعلى.
في قصة «بالضربة الفنية القاضية» المرأة المتصابية التي تحاول إخفاء تجاعيد وجهها، تستعرض خزانة ملابسها المتخمة النهمة، تغير كل شيء إذعانا للموضة، واستجابة للإعلانات التي تخاطب المرأة وليس الرجل لأنها الذواقة، تتأفف من كل كدر صغير، لا تأبه بالموت والدمار، ما دام لا يقربها شخصيا، في أثناء عملية طلاء الأظافر المعقدة في صالون التجميل، تفكر بالحذاء الجديد، الذي سيكون الضربة القاضية للصديقات اللواتي سيتناثرن على أرض الحلبة من الغيظ. هذه النوعية من البشر؛ ذكورا وإناثا، التي تحترف التباهي والتفاخر، والنرجسية والتبجح/ ومحاولة التحايل على الزمن، ولدت وفي فمها ملعقة من ذهب، ولم تعان لحظة تعب في حياتها، ولا تملك في الحقيقة أي مشاعر إنسانية، هي عبء على الحياة، ومن أكبر ملوثاتها، وسلوكها دليل تفاهتها وضحالتها العقلية.
فتيات الملاهي
في قصة «البونص» يصور البستاني ظروف الفتيات العاملات في الملاهي، والعالم الذين يعملن فيه، وتصرفات الزبائن المتناقضة العجيبة، وتعليمات صاحب الملهى، وأن مهمة كل فتاة إغراء الزبون ليطلب أكبر عدد ممكن من الكؤوس له ولها، ولكل منهن «بونص» إذا نجحت في تخطي «الكوتا». وغير بعيد عن هذا الجو، في قصة «أحجية صباح جديد»، يفاجأ الرجل بزوجته مضرجة بدمائها في غرفة فندقية وقد نُزعت كليتاها، بعد أن قدمها للرجل الذي استأجره وسيارته على أنها «مضمونة» ليقضي ليلة ممتعة معها، وبأجر جيد.
وليس غريبا أن يهتم البستاني بهذه الفئة المدانة مجتمعيا، ولكنها إدانة ظاهرية في الغالب، ففتيات الملاهي بنات مجتمع، وربما ألجأتهن الظروف إلى هذا العمل غير المقبول اجتماعيا، ولكنه للمفارقة عمل مرخص قانونيا. والكاتب هنا محايد، يصور بعدسته هذه المشاهد كمصور محترف يقتنص لقطاته النادرة تحت خط النار. أما الرجل الذي قدم زوجته لرجل آخر مقابل أجر جيد، فقد قام بعمل قذر ساقط، ولكنه في المقابل يثير أكثر من سؤال؛ ما الذي ألجأه إلى تصرف ديوث؟ هل هو الفقر أم الطمع أم الطبع القذر أم..؟ وهل هذا تصرف فردي، أم هو منتشر تحت الطاولة؟ وبعد، فالبستاني في هذه المجموعة وسابقاتها، سلك خطا إبداعيا متفردا مختلفا عن السائد، لا يحفل كثيرا بالقيود والاشتراطات التجنيسية، ولكنه لا يتفلت منها نهائيا، لا يسعى لإرضاء النقاد وثنائهم، ولا أدل على ذلك من العناوين الطويلة لمجموعاته وقصصه، فمعظمها تخالف ما يفضله النقاد. كما أنه لا يتقرب من القارئ، ولا يستميله، بل يحرص على استفزازه؛ ليشتبك مع النص ويتورط فيه، بدون أن يقدم له طرف خيط، فمن يقرأ، إما أن يكون قارئا واعيا يعيد إنتاج نصه بنفسه، أو ليبحث عن نصوص أخرى جاهزة إذا كان يبحث عن تسلية وتزجية فراغ.
٭ كاتب أردني