بين إصلاح بوابير الكاز استعداداً لأزمة غاز مهنة السمكري تزدهر مجدداً في صيدا
بيروت-“القدس العربي”:في أزقة مدينة صيدا العتيقة يتعايش المتسوقون والمارة مع مظاهر حياة ليست معهودة لدى أجيال عدة من سكّان بيروت. ففي تلك الأزقة ما هو أليف وودي الوقع على العين والقلب. من مصنوعات “راحة الحلقوم” إلى المصنوعات الخشبية، إلى الحلويات العربية التي انطلقت من هذا الداخل الحميم إلى صيدا الحديثة لتصيب شهرة تخطت الحدود. وفي تلك الأمكنة أيضاً نلتقي الإسكافي بيسر، وكذلك المبيض، والسمكري.
ثمة حرف شبه منقرضة يبحث عنها من يحتاجها ولا يجدها إلاّ في تلك الأزقة الدافئة، حيث لا يزال كبار السن يمضون القسط الواسع من وقت الصباح يتسامرون في عجائب الزمان التي تتوالى عليهم. وفي بحث عن تلك الحرف نكتشف أن وعياً بدأ لدى البعض بطلب مقاعد الخشب كبديل للبلاستيك الملوث للبيئة، إنما أسعاره لم تعد شعبية في ظل الأزمة الاقتصادية القائمة. أما الطلب المستجد والمتنامي يتمثل ببوابير الكاز التي أخرجت من مخابئها لإعادة صيانتها، ووضعها في الخدمة. ففي لبنان حيث تبدأ أزمة طاقة من رحم سابقتها، الاحتياط واجب.
تحقيق عن الحرف العتيقة التي ما تزال على قيد الحياة بدأ من محل السمكري حيث ينتظر عدد من طالبي الخدمة دورهم. فمحمود قنواتي يلازم دكان السمكري منذ خمسين عاماً وحوله تنتشر بوابير الكاز، والمصابيح الطويلة الممشوقة المعروفة بالـ”لوكس”. وبين هذا وذاك الكثير من الأدوات المعدنية تستدعي التلحيم، وقد يكون بعضها منسياً في المكان. وإلى دكان المعلم محمود تصل الكثير من النراجيل النحاسية المشغولة يدوياً والتي يفتخر بها أصحابها، لإصلاحها كي تبقى قيد الحياة وقابلة للتوريث. فالنحاس يُلحم بالقصدير كما سواه مما يحتاج التلحيم.
يقول محمود قنواتي أنه دخل هذا الدكان في عمر الـ15 سنة ليتعلّم المصلحة. غادر المعلمون الأصليون الحياة تباعاً، وهو لا يزال وفياً للمهنة التي أحبها ولا يعرف سواها. يقول: مرّت عقود كنّا خلالها نستقبل بابور الكاز بالمناسبات لإصلاحه، لكن الحال تحسّن مع بدء الأزمة.
يذكر محمود قنواتي أن مصدر بوابير الكاز في أربعينيات القرن الماضي هو ألمانيا وسويسرا. ويقول: من لديه بابور أخرجه من الحفظ لإصلاحه استعداداً لأزمة غاز قد تحدث في أية لحظة. وصار للوكس استعمال أيضاً في ظل الغياب شبه الدائم للكهرباء.
ويؤكد قنواتي أنه أصلح حوالي 300 بابور في الشهرين الماضيين. ويعلن ما يشرحه له الزبائن: قالوا بأن الغاز سينقطع وركض الناس إلى بوابير الكاز استعداداً. ومؤخراً وردت أخبار بأن الكاز كذلك سوف ينقطع. من جهتي حصّنت منزلي ببابورين على الكاز. لكني صراحة “مش مبسوط لو بيخلولنا” الغاز أسهل وأحسن. بابور الكاز “لبكي وصوتو عالي”. هذا في بيتي، وفي مهنتي “بتمنى ينقطع الغاز لحتى ضل صلِّح”.
بين الأمس الغابر ومنتصف عمره الحرفي يقول قنواتي أن كركات تكرير ماء الزهر استجدت، وصارت مطلوبة من قبل كثيرين خاصة وأن صيدا وجوارها مشهورة ببساتين الليمون.
كان للخشب عزّه
في محله المستأجر منذ حياة جده يستعيد الرجل السبعيني أحمد أبو ظهر تاريخه ويتحسر. بدأ تعلُم مهنة النجارة وصناعة المشغولات الحرفية الجميلة منها في عمر الـ17 سنة. وفي هذا المكان بالذات يتذكر أنه أمسك بالراديو وضربه أرضاً حين تنحى جمال عبد الناصر بعد هزيمة سنة 1967. ومنه كذلك كان ينشط قبيل الأول من أيار/مايو لحشد أكبر مظاهرة بمناسبة عيد العمّال العالمي. ويقول: وين الأول من أيار اليوم؟ راح العيد؟ ووين العمّال والنقابة؟ “الزعماء اشتروا العيد واشتروا النقابة. شاطرين الزعما. لكِن”؟
يجيب مصراً ومفتخراً حين نسأله: ألم تستهويك مهنة أخرى؟ لا أبداً. كيف؟ وهذه شغلة “جدي وبيي”. ويتابع بفخر كبير: حين جئت إلى هنا كان جدي لا يزال على قيد الحياة ويعمل بنشاط. وكنت أحضر له سيجارة اللف العربي بيدي. لَكِنْ؟ وقد أنشأ جدي من هذه المصلحة أربعة أبناء وفتح لهم بيوتا. فيما أنجب والدي عشرة وكنا نعيش عال العال، مرتاحين ومبسوطين وشبعانين، وليس كما اليوم. كنا نُقبّل بعضنا البعض صباحاً قبل مغادرة البيوت ونتمى الخير للجميع، وليس كما حال اليوم ينظر أحدهم للآخر بطرف عينه، ويقطع رزقه.
منذ سنة 2007 والمصلحة تشكل تراجعاً في الطلب. ومن المصنوعات الخشبية اللافتة في محل أحمد أبو ظهر “طبالي” الاستحمام المستطيلة، والمستديرة التي كانت العائلة تجتمع حولها لتناول وجبات الطعام، وتستعملها ربة المنزل لتحضير العجين وسعرها 50 ألف ليرة. ويصفها أبو ظهر بـ”البركة لأنها كانت تجمع العائلة من حولها برضى”. أما المحراك الكبير ذي الأحجام المتنوعة والذي يستعمل لطهي الحلويات والهريسة وغيرها من المأكولات الخاصة بالولائم الشعبية الكبيرة فهو عرضة للسؤال من قبل المارة من السيدات. وأحمد أبو ظهر يشجع بـ”عشرة آلاف الله وكيلك أحسن سعر ومش خشب شوح بل خشب زان. والشوبك الطويل الرفيع بـ 15 ألف. عم بيع بالكلفة بيي”.
القبقاب يصطف وبمختلف المقاسات مرفوعاً إلى طاولة، ومن خلال رؤيته يتناهى إلى الأذن وقع خطواته على الأرض. أما الطلب؟ “هلق يمكن بالسنة بيع عشرة قباقيب. بالسنة هاه انتبهي”. يقول أبو ظهر، ويضيف جاره “إذا بعنا”؟ فيما كان البيع يصل يومياً لمئة جوز.
يصنع أبو ظهر الغربال والمنخل الذي يُطلب في القرى حيث لا يزال الناس يزرعون ويحصدون، لكن الشغل خفيف أيضاً. ويتحسر أبو ظهر على الصنعة التي كانت تضم 25 محلاً في المحيط، ورست الآن على اثنين فقط. ويقول: من يمت من أهل المهنة لن يرثه أي من أبنائه، وحالي كحال جاري.
ويمسك أحمد أبو ظهر بمصنوعاته تباعاً مفتخراً بدقتها وجودة خشبها قائلاً ومكرراً: “هون الشغل..هون الشغل”. أما العود الصغير الحجم بقياس الأطفال فله معه حديث آخر “انه هدايا وليس تصنيعاً ذو مقاسات على الأصول”. ويصفه بـ”التصنيع المعيشي”.
العائلات التي عملت في تصنيع الخشب في صيدا القديمة منذ عقود هي ملاّح، صفدية وأبو ظهر، ومنهم أحمد الذي يمنع دخول أي كرسي بلاستيك إلى منزله. ويقول: رغب الناس كراسي البلاستيك حين صارت موضة، ومع اكتشاف مضارها بدأ تراجع الطلب عليها. لقد استنفد البلاستيك الوقت المرصود له. فيما الخشب أبدي. والأمل بأن يعود للإزدهار يوماً.
دمرنا الدولار
محل حسن كوسا يواجه البحر فيه مفروشات خشبية متداخلة مع القش والحبال من صنع يديه. يقول: قبل اندحار الليرة بمواجهة الدولار كان الحال أشفى. الآن اختلف الوضع فنحن نشتري كل ما نحتاجه من خارج لبنان وبالدولار من خشب، ومسمار، وحبال وغري فكيف سنتدبر أمورنا مع الزبائن؟ فيما كنا نمني النفس بالعودة إلى الخشب مع الوعي الذي بدأ ينتشر عن مساوئ البلاستيك حدث العكس. انعكست الأزمة علينا أضعافاً مضاعفة. كان الشغل جيد والحمد لله قبل الأزمة الاقتصادية. فرح الزبائن بإنتاجنا وابتكاراتنا. يأتون الآن يسألون ويهربون متأففين. فالمقاعد المنفردة الصغيرة التي تستعمل لشرفات المنزل ارتفع سعرها من 10 إلى 30 ألف ليرة. كيف سيشتريها الزبون؟ والأهم من ذلك أني اشعر حيال ردة فعل الزبائن بأني حرامي؟ لست أنا الحرامي بل عليهم أن يتوجهوا إلى من رفع الدولار ويتصدون له. فإن نزل سعر الدولار سنبيع بالرخيص. فأنا أنشد التحرر من الإحساس بأني السيء والمسؤول عن الغلاء، والذي ألمسه في عيون الزبائن. أنه الدولار والمتلاعبون به فهم المسؤولين.
امتهن حسن كوسا النجارة واحبها منذ طفولته وتعلمها على يد والده. يقول: أحببت الصنعة ورحت أتفنن وأبتكر الموديلات. طموحي لم يندثر رغم الكساد الذي اصاب البضاعة. من دولار 1500 إلى 8 آلاف ليرة فكيف سنتابع العمل؟ من هنا يمكنني القول بأنني حرفياً ومهنياً مدمر أمضي الوقت ألعب بالهاتف والمنشرة معطلة من العمل، فيما عائلتان تنتظران تأمين قوتهما اليومي من هذا المحل، إنها عائلتي وبيت والديّ، مع بدل الإيجارات، فأنا لا أملك أي صك أخضر في وطني.
حسن كوسا يضيف إلى مصنوعاته الخشبية بعض المصنوعات اليدوية من سلال القش ويقول: هو دعم لمجموعة من الرجال كبار السن الذين يعملون في القرى منعاً لمد اليد والعوز. هو تشجيع لهم للاستمرار والعيش بكرامة. وكذلك الحال مع من يصنعون الفخار. جميعهم يشبهني وألتقي معهم على كثير من المبادئ. أزورهم وكأني في منزلي، وأشعر بتعبهم. لا أحارجهم كما يفعل الزبائن معي وبشكل مؤذي.
رغم أننا في فصل الصيف توقف حسن كوسا عن صناعة مفروشات الشرفات، فالكرسي ارتفع ثمنه من 75 إلى 300 ألف ليرة. ويقارن حسن بين كرسي الخيزران الكلاسيكية اللبنانية والمصرية. فالأولى شغلها نظيف ومتينة، ومتطابقة المقاسات جميعها حتى لو كانت دزينة. لا رجل فكحاء ولا ظهر ملتوي. يقول: هذه الكرسي موجودة على الدوام في معرضي ولو كانت مصرية فهي مرتبطة بذاكرة أيام زمان.