دأب كثير من مسؤولي لبنان على البحث في أوراقهم والرسائل التي أرسلوها وتسلموها في اليومين الأخيرين، والتعليمات التاريخية التي أمليت، في بحث محموم عن أي دليل صغير على براءتهم. الأربعاء، أمر المجلس الأعلى للأمن، الذي يترأسه الرئيس ميشيل عون، بتشكيل لجنة تحقيق عليا وتقديم استنتاجاتها الأولية خلال خمسة أيام. بعد ذلك سارع مدير ميناء بيروت، حسن قريطم، إلى إبلاغ وسائل الإعلام بأنه أرسل عدة رسائل إلى السلطات المسؤولة حذر فيها من استمرار تخزين المواد الخطيرة في الميناء. وكان أرسل هذه الرسائل -حسب قوله- إلى رؤساء قوات الأمن والجيش والمخابرات ووزارة العدل، ولكن لم يتم فعل أي أمر.
لقريطم ما يخاف منه؛ فهو المسؤول المباشر عن نشاط الميناء الذي تملكه سلطة الموانئ اللبنانية، وهو الرأس الذيى من المتوقع أن يدفع الثمن، ولكنه ليس الرأس الوحيد الذي تنتظره المقصلة، فقد سُمع أمس اقتراحات بتحويل رئيس المخابرات إلى الإقامة الجبرية وكذلك قائد الجيش وقائد الشرطة ورئيس الجهاز القضائي ومدير الجمارك بدري ظاهر، المسؤول عن صيانة المخازن في الميناء. وسمعت أيضاً نداءات لتشكيل لجنة تحقيق دولية. من المفضل عدم حبس الأنفاس.
لبنان الآن ليس على وشك فقدان قيادته العسكرية والإدارية، في هذه الأثناء على الأقل. فقد سبق لتحقيقات صحافية أن “اكتشفت” مذنبين مباشرين، صحيح أنهم ليسوا على مستوى عال، لكنهم مع ذلك “مذنبون”. هم مجموعة من عمال اللحام الذين قاموا قبل الانفجار بقليل بلحم السياج والبوابة التي تم اختراقها ما سمح بالدخول إلى الرصيف الذي خزنت فيه المواد القابلة للانفجار. وقالت شهادات من الميدان إن عمال اللحام أنهوا العمل قبل الساعة الخامسة بقليل، وعند ابتعادهم عن المنطقة ظهرت غيمة دخان فوق مكان عملهم.
“حزب الله” يسيطر على وزارة الصحة، وثمة خوف من أن يسيطر هذا التنظيم على رزم المساعدات الكبيرة وتوزيعها بما يروقه.
بعد فترة قصيرة حدث الانفجار الأول، وبعده على الفور حدث الانفجار الضخم الذي دمر الميناء والأحياء القريبة منه. وقال المسؤول عن عملية اللحام إن العمل انتهى قبل ساعات من الانفجار، وإن اللحام تم بعيداً عن المخزن الذي انفجر. لذلك، يجب عدم إلقاء المسؤولية عليه وعلى عماله. وسنرى فيما بعد كيف ستصمد روايته أمام لجنة التحقيق التي تشمل وزراء كباراً ورؤساء من الأجهزة الأمنية، الذين هم أنفسهم ربما يتحملون جزءاً من الذنب.
في الوقت نفسه، ألقيت على الجيش المسؤولية عن النظام العام في بيروت، وتحديداً منطقة الانفجار في الميناء والمطار الذي تأتي عبره الرحلات الجوية من دول عربية وغربية حاملة المعدات الطبية والمستشفيات الميدانية. إن سيطرة الجيش على سير حياة المدينة تثير الخلاف؛ لأن الجنود يمنعون المظاهرات ضد الحكومة، ويمنعون وصول موظفي وزارة الصحة إلى المطار لتسلم المساعدات. و”حزب الله” يسيطر على وزارة الصحة، وثمة خوف من أن يسيطر هذا التنظيم على رزم المساعدات الكبيرة وتوزيعها بما يروقه.
في مرجل المواجهات السياسية الذي تطبخ فيه الروايات التي ستحدد المسؤول عن الفشل الذريع، ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس، برميلاً صغيراً من البنزين. فقد أعلن أمام الجمهور الذي التقاه قرب الميناء: “لن نسمح بانتقال المساعدات إلى أيد فاسدة”. من هي الأيدي الفاسدة التي قصدها بقوله؟ لم يعط أي تفصيل. الأكثر دقة بالنسبة له أن يسأل من هي الأيدي غير الفاسدة في لبنان. في السابق، حظي ماكرون، وهو الرئيس الأجنبي الأول والوحيد الذي زار لبنان بعد الانفجار حتى الآن، بصفة “الرئيس الأعلى”، لإعادة صياغة وظيفة “المندوب السامي” الذي جاء لإملاء توجيهات وتغيير الواقع السياسي في لبنان.
لقد سارع ماكرون، بعد أن استقبله الرئيس اللبناني ميشيل عون في المطار، في القدوم إلى الميناء للوقوف على حجم الدمار، والتقاط صورة كما هو مناسب قرب عدد من المدنيين الذين طلبوا منه المساعدة. ومثل وزير خارجيته، جان لا دريان، الذي زار لبنان قبل ثلاثة أسابيع، ألقى الرئيس الفرنسي خطاباً لاذعاً وحاداً أمام ثلاثة من رؤساء الدولة: الرئيس، ورئيس الحكومة حسان دياب، ورئيس البرلمان نبيه بري، في القصر الرئاسي في بعبدا. وأوضح لهم بأن فرنسا ستكون مستعدة للمساعدة وستجند لصالح لبنان مساعدات من دول غربية أخرى. ولكن في المقابل، يجب على لبنان أن ينفذ إصلاحات اقتصادية، ويشكل هيكلاً سياسياً جديداً.
“اتفاق سياسي” و”ميثاق سياسي”، مفاهيم معروفة ومهددة في الفضاء السياسي اللبناني. تفسيرها العملي هو سن قانون انتخابات جديد، وتحطيم هيكل توزيع المناصب العليا الذي استند إلى أساس طائفي وحركي، وإبعاد “حزب الله” عن وظائف السلطة، وتشكيل مؤسسات رقابة فعالة تجتث الفساد الذي دهور لبنان إلى الأزمة الاقتصادية الأكثر شدة في تاريخه، والقيام بإصلاح اقتصادي.
يبدو أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتطلع إلى فرض توقيع اتفاق طائف جديد على لبنان.
وإصلاح اقتصادي كهذا سيعيد تحديد صلاحيات البنك المركزي والعلاقات بين البنوك والبنك المركزي من جديد، وينظم نشاط شركة الكهرباء (العامل الرئيسي في خلق العجز الضخم والدين العام الذي يبلغ نحو 90 مليار دولار)، ويعيد إصلاح نظام جباية الضرائب الفاشل، ويحدد سلم أولويات وطني جديد لبنود الميزانية.
يبدو أن ماكرون يتطلع إلى فرض توقيع اتفاق طائف جديد على لبنان، وهو الاتفاق الذي جرى توقيعه في 1989 وأنهى الحرب الأهلية التي استمرت 15 سنة. هذا الاتفاق، رغم كل إخفاقاته، يحافظ على لبنان موحداً ويمنع اندلاع حرب أهلية جديدة. وقد حدد هذا الاتفاق، ضمن أمور أخرى، توزيع المواقع السياسية في البرلمان والحكومة بصورة متساوية بين المسيحيين والمسلمين، وبين الشيعة والسنة، مقابل توزيع المواقع السياسية والسيطرة على الوظائف العليا التي وُضعت قبل التوقيع عليه، وبموجبه حصل المسيحيون على أفضلية مقارنة بالمسلمين. كان الهدف منع وضع تستطيع طائفة واحدة فيه السيطرة على مؤسسات الدولة دون تنافس، وأوجد ضرورة لبناء تحالف بين الطوائف للحصول على أغلبية تمكن من تشكيل الحكومة.
لقد جرى تحقيق هذه الأهداف بالفعل؛ فتوزيع المقاعد في البرلمان –الذي يضم 128 نائباً– يعطي للمسيحيين والمسلمين عدداً متساوياً من النواب- 64 نائباً لكل طائفة. وهذا التقسيم يعطي أيضاً عدداً متساوياً من النواب بين السنة والشيعة- 27 نائباً لكل طائفة. ويجري تقسيم المقاعد المتبقية بين أبناء الطوائف الأخرى. هكذا يقطع الاتفاق الطريق أمام أغلبية للشيعة، والسنة، والمسيحيين أو المسلمين، وتبقى الطوائف الأخرى مطالبة ببناء تحالف مشترك من أجل السيطرة.
توقع الموقعون على الاتفاق أن هذا الأمر سيمكن من حل التركيبة الطائفية وخلق مجتمع ديمقراطي سليم، ولكن الحياة هي أكثر تعقيداً بقليل من الورق الذي وقع عليه اتفاق الطائف. غير أن السخافات السياسية التي نشأت حولت لبنان إلى دولة لاتفوندية (إقطاعية)، يوزع فيها زعماء الطوائف والحركات الغنائم السياسية والميزانيات فيما بينهم. ومثال على ذلك، ذلك التحالف السياسي بين حزب الله الشيعي، المخلص لسوريا وإيران، وبين التيار الوطني الحر بقيادة عون المسيحي – رئيس الأركان السابق الذي حارب السوريين حتى اللحظة الأخيرة في الحرب الأهلية قبل أن يجد ملجأ له في باريس في العام 1990.
هكذا أيضاً تبديل التحالفات الدوري بين القيادة الدرزية والقيادة الإسلامية. وهذه أدت إلى أن ينجح حزب الله -رغم أنه يمتلك ثلاث حقائب وزارية في الحكومة اللبنانية المكونة من ثلاثين وزيراً- في خلق تحالف من 11 وزيراً لنفسه، وهو العدد الذي يمكنه منع أي قرار حيوي، حسب الدستور. وقرارات كهذه يقتضي اتخاذها بأغلبية ثلثي عدد الوزراء على الأقل. بهذه الصورة، خلق حزب الله لنفسه رافعة سياسية كبيرة لن يلقيها من يده حتى لو ضرب رئيس فرنسا بقبضته على طاولة رئيس لبنان وحطمها.
إذا كان ماكرون ينوي الجمع بين طلب الإصلاح الاقتصادي وطلب الإصلاح السياسي تحت عنوان “اتفاق” أو “ميثاق سياسي جديد” وطرحه كرزمة واحدة لشروط لا يستطيع لبنان بدونها الحصول على المساعدات الدولية، حينئذ يمكن أن يجد نفسه في موقف الرئيس الأمريكي ترامب الذي تحول منذ فترة إلى نكتة في لبنان. إن تغيير الهيكل السياسي اللبناني في هذه الأثناء يشبه تطبيق صفقة القرن التي جاء بها ترامب. وبالمناسبة، عندما سئل وزراء لبنانيون أمس عن هذه المبادرة الفرنسية، لا أحد منهم عرف عما يتحدث ماكرون.
إذا حدثت دورة سياسية في لبنان نتيجة الكارثة المرعبة التي حلت به، فلن تأتي عن طريق تدخل خارجي، بل ستنبت من داخل الشوارع المدمرة وحركات الاحتجاج.
إذا حدثت دورة سياسية في لبنان نتيجة الكارثة المرعبة التي حلت به، فلن تأتي عن طريق تدخل خارجي، بل ستنبت من داخل الشوارع المدمرة وحركات الاحتجاج والطبقات الضعيفة التي يحسب عليها نحو نصف سكان الدولة ومن الطبقة الوسطى… ومن الأصح القول، الطبقة الوسطى التي تدهورت نحو خط الفقر.
تدرك حكومة لبنان جيداً أن عليها تقديم مذنب أو مذنبين فوريين للجمهور إذا أرادت مواصلة بقائها. والتعديلات الوزارية هي الرد المعتاد في أوقات الأزمة، وسيكون تقديم عدد من كبار الشخصيات للمحاكمة جزءاً من حملة إنقاذ الحكومة، ولكن هذا ليس كافياً لمنح لبنان أنبوب أوكسجين يضخ له المليارات التي يحتاجها لإعادة بناء اقتصاده.
ينتظر لبنان بفارغ الصبر، في هذه الأثناء، قرار حكم المحكمة الدولية الخاصة بموضوع قتل رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في 2005، التي قدمت للمحاكمة أربعة أعضاء من حزب الله (أحدهم قتل في 2016) بتهمة تنفيذ عملية القتل التي قُتل فيها مع الحريري عشرون شخصاً آخرون وأصيب المئات. حذر حزب الله المحكمة من أن “لا تلعب بالنار” ورفض أن يسلمها المتهمين.
كان يجب أن يصدر قرار الحكم اليوم، لكن المحكمة أجلت اتخاذ القرار إلى 18 آب بسبب انفجار ميناء بيروت. وسيكون لقرار الحكم هذا، إذا أقرت المحكمة تجريم المتهمين، عواقب وخيمة تضاف إلى الغضب والإحباط الذي يوشك على الانفجار.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 7/8/2020