الإنفجار الكبير ودولة الأنشطة الاستعمارية الصغيرة

وسام سعادة
حجم الخط
0

لم يأت حسن نصر الله في أول كلام له بعد الانفجار المزدوج التدميري للمرفأ ولأحياء بأسرها من مدينة بيروت على ذكر التحقيق الدولي. ميشال عون كان له رأي آخر: التحقيق الدولي مرفوض، بدعوى أنه يميع الحقيقة. الرجل الذي كان يفاخر بأنه وراء قانون محاسبة سوريا وتحرير لبنان في الكونغرس الأمريكي، ووراء القرار الدولي 1559 ينبري اليوم لقطع الطريق أمام التحقيق الجنائي الدولي. والمشكلة تتفاقم في أنه يطرح نفسه كضامن للتحقيق المحلي، كما لو كان المبحوث عنه هو اقتفاء أثر خلل إداري عرضي، او إهمال تقني، أحدث ما أحدث من انفلات ما يعادل سلاح دمار شامل من عقاله، على المرفأ، في البلد الناشئ أساساً، على الصعيد الاقتصادي، كمرفأ تشكل حوله كيان، وعلى سكان بيروت وإرثها المعماري والثقافي.

يحلّ هذا في بلد يتساكن فيه، يتنافر حينا ويتواطأ حينا آخر، وضع تغلبي لسلاح حزب الله يشبك البلد بمنظومة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وأوضاع تدويلية تبدأ من وجود قوة دولية جنوب نهر الليطاني، وتتصل بالمحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري والاغتيالات المتسلسلة ذات الصلة، والمواكبة البيروقراطية المباشرة من طرف برنامج الأمم المتحدة الانمائي لعمل عدد من الوزارات، لا سيما تلك “السيادية” منها، ناهيك عن تقدم الحكومة التي أوجز وئام وهاب إياه كنهها بقولته مؤخرا لوزير داخليتها ان “رستم غزالة كان قدامي يعملك السحسوح”، تقدمها بطلب مساعدة من صندوق النقد الدولي، وايثارها التدقيق المالي الدولي من طرف شركات تتعاطى هذا الشأن.

بلد تطير منه الطائرة الأميركية مباشرة من مقر سفارة الولايات المتحدة فيه، مقلعة بعامر فاخوري، المسؤول عن معتقل الخيام إبان الاحتلال الاسرائيلي للجنوب، بعد صفقة الإفراج عنه، ويهنئ المسؤولون فيه بعد المجزرة الكيماوية الأخيرة بحق مئات المواطنين أن هذه الكارثة الاجرامية كفلت لهم الخروج من عزلتهم الدولية، وان دونالد ترامب هاتف مباشرة هذه المرة بدل ان يكتفي ببرقية.

بلد طربت فيه زعامات حزبياته الأوليغارشية بدعوة الرئيس الفرنسي خلال زيارته لبنان، للتحلق حوله في قصر الصنوبر، ليسمعهم بالحد الأدنى التأنيب، ومع هذا سعدوا بأنه على الأقل ماكرون ينظر إليهم. بلد يزور فيه ماكرون المناطق المنكوبة ولا يجرؤ فيه لا المسترئس الأول ولا الثاني ولا الثالث أن يعتبا أول منطقة الجميزة المنكوبة، فيما تستمر المواجهة البوليسية للمحتجين والمنتفضين، باستخدام المزيد من مسيلات الدمع، بلد كهذا أنى للتحقيق المحلي فيه أن يوصل إلى شيء لجهة معرفة ما حصل، وبخاصة إذا كان ضامنو التحقيق هم المتسببون على امتداد السنوات، بايجاد كل الأوضاع التي صنعت المآسي السابقة، والكارثة الحالية.

التحقيق الدولي ليس مضمونها بالمطلق، لا من حيث أن ثمة أفق لإقراره والسير فيه في عالم اليوم، ولا من حيث أن له ضمانات مطلقة تحول دون تحويره. هذه طريق سالكة، لكنها محفوفة بالمخاطر، أجل، لكن التحقيق المحلي ليس أصلا بطريق. مضى شهران ونيف على مقتل مدير في بنك بيبلوس في مرآب سيارات: هذه تاهت عن التحقيق المحلي.

والبلد المتخم بكل أنواع التدويل والتدخل الأجنبي لربما كان يمكن أن يتحسس منه النفر بصدد تدويل إضافي، لكن ان ينقبض من فكرة التدويل نفسها، كما لو كانت جديدا يطرح على اللبنانيين لأول مرة في تاريخهم؟ فهذا ذر الرماد للعيون.

ان تحيي الناس الرئيس الفرنسي وهو يجول على المنطقة المنكوبة، وان يحاكي ماكرون كلامهم، فيما “أركان” الدولة المذنبة ليسوا في وارد الإقدام على هكذا زيارة، وكل تركيزهم على كيفية النجاة بالمناصب وتأبيدها لهم أو لاقربائهم، بعد أن نجحوا في تجاوز الانتفاضة الشعبية والانهيار المالي من ناحية بقائهم في قصورهم: هذا مشهد مزدوج، يدعو للحزن والغضب معاً، بعد مئة عام على “الاستقلال الأول”، الاستقلال الاستعمار، الذي كان بداية الانتداب الفرنسي على لبنان، يوم إعلان الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير، في ظل انقسام حاد بين الجماعات وقتها حول هذا الكيان ونطاقه. ومن المحبط فعلا، انه بعد 77 سنة على استقلال لبنان عن فرنسا، أول الاستقلال الثاني (انسحاب المستعمر من دون انجاز مهام التحرر الوطني لا اجتماعيا ولا سياسيا ولا ثقافيا)، نكون أمام هذا المشهد، الذي يضاف إليه ان المسؤولين الذين أنبهم ووبخهم ماكرون، وطفق أنصارهم يطلقون العنان للشعارات المنددة برجعة الاستعمار الفرنسي، كانوا في نفس الوقت مسؤولين، لا مسؤولين، مغتبطين بمجيء ماكرون، رغم كل الحرج الذي وضعهم فيه، بجولته وكلامه، لأن هذا الماكرون، على ما رأوه، فك عزلتهم وأخرجهم من دائرة النبذ. أنعشهم توبيخاً.

مثله مثل كثير من بلدان العالم الثالث التي انسحب منها المستعمر، عشنا معظم هذه الـ 77 عاما من الاستقلال في قيد جماعات تمتهن لعبة محاكاة “الأنشطة الاستعمارية” ضد بعضها البعض. فالصراع على الغلبة بينها صراع على من يرث الاستعمار، وعلى أي تبعية لأي نظام إقليمي جديرة بالالتزام أكثر؟ وعلى من يخلف المفوض السامي، سفير هذه الدولة أو تلك؟ وليس كيف نتجاوز القابلية للاستعمار. في هذه الحال، الدولة المحلية تتعامل بنفسية استعمارية مع غالبية سكانها، في نفس الوقت الذي تتعامل فيه بنفسية تبعية مع كل الاستعمارات ومشاريع الاستعمار. نخوتها ضد “التدويل” والتحقيق الدولي لا تحصل الا عندما تشعر رموزها بـ”السخن”.

مشكلة خطاب ماكرون الأساسية انه يبحث عن ترميم عقد سياسي، حيثما المفتقد أكثر فأكثر هو العقد الاجتماعي. في المقابل، العقد الاجتماعي لا يمكن بناءه بالمازوشية تجاه الأوضاع المسوغة للهجوم الكيميائي على بيروت وناسها. لا يمكن بناءه إلا بفتح النقاش على مصراعيه فيما يتعلق بماهية العدالة في هذا البلد. العدالة في الحقوق والواجبات للمواطنين، والعدالة الاجتماعية، والعدالة الجندرية، والعدالة بين المناطق، والعدالة في افقها البيئي. عدالة توفق بين البحث عن كلمة سواء بين الناس وبين إيجاد معايير قابلة للاحتكام إليها لإعادة ترتيب الرابطة بينهم. الدولة الحالية دولة معادية في بنيتها نفسها، وليس فقط في هوية من يتولاها، لكل متفرعات فكرة العدالة.

معيار الوطنية اللبنانية الآن كشف ما حصل في المرفأ وكيف انفلت معادل سلاح دمار شامل ضد العاصمة وسكانها وارثها، وليس كيف استشعر المنكوبون والمقهورون قدوم ماكرون وزيارته الأماكن المنكوبة دونا عن أركان النظام المحلي ثم اجتماعه بأركان النظام متحلقين حوله صاغرين، من كل النحل والمشارب، يخبرونه بما أنجزوا أو تأخروا، من فروض عطلة صيفية. الذين يتلهون بكيف عبّر شباب مولود مطلع هذا القرن بايجابية عن الاستعمار الفرنسي، يغفلون ان هؤلاء، ولو بتعبيرهم المتغالظ على التاريخ والذاكرة من هذه الناحية، انما يظهرون حقيقة أخرى، وأساسية، وأكثر راهنية: ان هذا النوع من الدول، ما بعد الاستعمارية، يزاول الأنشطة الاستعمارية او ما يحاكيها، تارة ضد عامة سكانه، وتارة ضد شرائح بعينها أو عمال أجانب. هذه دولة كولونيالية، ولو تغلب فيها وعليها “الممانعون”، جنبا إلى جنب مع “التدويل الغربي”. هذه الدولة دمرت في نهاية مطافها علة وجودها: مرفأ بيروت. التدمير الشامل استحقاق نهائي بالنسبة لها، لو مهما عاند المسترئسون عليها، تارة إذ يسعدون بأن أجنبياً أتاهم، وتارة إذ يفترون على الناس بالنخوة الوطنية المزعومة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية