باريس-“القدس العربي”:”بحبك يا لبنان” بهذه التغريدة على حسابه على تويتر ودعّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اللبنانيين بعد زيارة لافتة جداً إلى بيروت يوم الخميس الماضي، أتت بعد يومين من الانفجار الضخم الذي هز مرفأ العاصمة اللبنانية مساء الثلاثاء الماضي وخلف عشرات القتلى وآلاف الجرحى، بينهم 21 فرنسياً، وتسبب في تشريد عشرات الآلاف الآخرين.
ووسط انقسام الطبقة السياسية في لبنان حول الجهة التي يجب أن يوكل إليها التحقيق بشأن انفجار مرفأ بيروت، وتصاعد حدة الغضب الشعبي ضد هذه الطبقة برمتها، لاقت الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت تفاعلاً كبيرا على الصعيدين الداخلي والخارجي. واستقبل العديد من اللبنانيين ماكرون، الذي تفقد مشياً على الأقدام أحد شوارع بيروت المتضرر بشدة من جراء الانفجار، مطالبين إياه بمساعدتهم على التخلص من الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، بل إن بعضهم طالب بعودة الانتداب الفرنسي.
وتبادل ماكرون الحديث مع بعض هؤلاء المواطنين مؤكداً لهم أن الوقوف إلى جانب الشعب اللبناني مسؤولية فرنسا ووعدهم بالعودة إلى بيروت في بداية شهر أيلول/سبتمبر المقبل من أجل “إجراء تقييم معا حول هذه النهضة الضرورية”. لكنه أوضح، في الوقت ذاته، أن “فرنسا لا يمكنها أن تحلّ محلّ اللبنانيّين” لا على صعيد اتّخاذ القرارات على مستوى المسؤولين، ولا على صعيد التحرّك الشعبي في مواجهة المسؤولين.
وبعد أن استمع إلى شكاوى اللبنانيين ضد قادتهم، وجه الرئيس الفرنسي ماكرون رسائل “صريحة وواضحة وقاسية” إلى المسؤولين اللبنانيين المتهمين من شعبهم بالفساد والعجز، داعياً إياهم إلى القيام بـ”تغيير عميق وتحمل مسؤوليّاتهم وإعادة تأسيس ميثاق جديد مع الشعب اللبناني لاستعادة ثقته” موضحا أنه ينتظر من السلطات اللبنانيّة إجابات واضحة حول تعهّداتها بالنسبة إلى دولة القانون والشفافيّة والحرّية والديمقراطيّة والإصلاحات الضروريّة. كما قال الرئيس الفرنسي إنه يؤيّد إجراء تحقيق دولي مفتوح وشفّاف في الانفجار بمرفأ بيروت للحيلولة دون إخفاء الأمور أوّلاً ومنعاً للتشكيك، كما جاء في مؤتمره الصحافي في ختام زيارته التي استمرت نحو ستّ ساعات. ويقول الصحافي والمحلل السياسي المقيم في باريس مصطفى الطوسة، لـ”القدس العربي” إن زيارة ماكرون هذه إلى بيروت كانت بمثابة “الزلزال السياسي” بالنسبة للطبقة السياسية اللبنانية، التي عاتبها الرئيس الفرنسي بشكل واضح وحملها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
لا مساعدات للفاسدين
كما طمأن اللبنانيين الغاضبين بأن المساعدات لن تذهب “للأيادي الفاسدة” معلناً عن مؤتمر دوليّ للمانحين بهدف الحصول على تمويل دولي من الأوروبيين والأمريكيين وكل دول المنطقة وخارجها من أجل توفير الأدوية والرعاية والطعام ومستلزمات البناء. وهو مؤتمر سيعقد اليوم افتراضياً، وقد أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشاركته فيه. واتفق الرئيسان الفرنسي والأمريكي خلال اتصال هاتفي على “العمل معاً مع الشركاء الدوليين لتقدم مساعدة فورية للشعب اللبناني” وفق ما أكد البيت الأبيض.
لكن الرئيس الفرنسي شدد على أن المساعدات الدولية سيتم تقديمها تحت إشراف الأمم المتحدة وستصل مباشرة إلى الشعب والجمعيات غير الحكومية، قائلا: “مجمل هذه المساعدة الفرنسيّة أو الدولية ستدار بطريقة شفّافة وواضحة لتصل مباشرة إلى الناس والمنظمات غير الحكوميّة وإلى الطواقم الميدانيّة، حتى لا يتم تحويلها إلى مكان آخر”. وهو موقف، موقف يؤكّد انعدام ثقة فرنسا والمجتمع الدولي بالطبقة الحاكمة في لبنان. وهنا، اعتبر الصحافي مصطفى الطوسة أن “الخوف هنا بالنسبة للساسة اللبنانيين هو أن يتحول ماكرون إلى أيقونة الحراك السياسي والشعبي في لبنان” لدرجة أن البعض رأى أنه يجسد مطالب الحراك الشبابي اللبناني.
وعلى غرار عدد من الدول، أرسلت فرنسا فرق إغاثة ومعدّات لمواجهة الحالة الطارئة بعد الانفجار الذي دمّر المرفأ وقسماً كبيراً من العاصمة، وخلّف أضراراً بالغة في مناطق بعيدة نسبيّاً عن بيروت. وأعلن ماكرون أنّ حاملة مروحيّات “تونير” ستصل إلى لبنان محمّلةً بأدوية وفرق طبّية ومساعدات للطوارئ. وذلك بعد فريق من الأمني المدني ومركز صحي ميداني يشمل 6 أطنان من المعدات ويتيح معالجة 500 من المصابين، وفق الرئاسة الفرنسية. وكان ماكرون قد أعلن في وقت سابق عبر تغريدة على حسابه على تويتر أن فرنسا سترسل “أطنانا عدة من المعدات الطبية” إلى بيروت، موضحاً أن أطباء طوارئ سيصلون أيضا إلى بيروت في أسرع وقت ممكن لدعم المستشفيات هناك.
كما أعلن الاتّحاد الأوروبّي، من جانبه، أنّه سيُقدّم 33 مليون يورو لتمويل مساعدات طارئة أوّليّة للبنان بما فيها سفينة مستشفى إيطالية للمساعدة في جهود الإغاثة في بيروت. فيما توجه رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال هذا السبت إلى بيروت لتأكيد تضامن أوروبا مع لبنان بعد الانفجار المدمر الذي هز مرفأ بيروت.
التدخل في الشؤون الداخلية
غير أن الزيارة اللافتة لإيمانويل ماكرون إلى لبنان والتي تعد الأولى لزعيم دولة أجنبية إلى بيروت المنكوبة، لاقت انتقادات حادة من جزء من الطبقة السياسية في فرنسا، باعتبار أن الرئيس الفرنسي تدخل في الشأن الداخلي للبنان. فقد حذر جان-ليك ميلانشون، النائب في البرلمان عن مارسيليا وزعيم حركة “فرنسا الأبية” اليسارية الراديكالية، من مغبة “تدخل الرئيس الفرنسي في الحياة السياسية للبنان”. فيما انتقد جوردان بارديلا، نائب رئيس حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، بزعامة مارين لوبان، انتقد “العرض المسرحي في بيروت لماكرون”.
ودحض ماكرون أي تدخل في الشؤون الداخلية للبنان، معتبراً أن الهدف الرئيسي لاهتمام فرنسا بلبنان يتمثل في “الأخوة والمساعدة” مشددا على أنه يحترم سيادة لبنان وأنه لم يصدر أي تعليمات إلى المسؤولين اللبنانيين خلال هذه الزيارة. وقال لتلفزيون “بي اف م تي في” الفرنسي: “إذا لم تلعب فرنسا دورها، فسيكون التدخل من قوى أخرى: إيرانية تركية سعودية”.
وأضاف أن بعض هذه الدول “تعمل ضد الشعب اللبناني من أجل مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية” وأوضح ماكرون أن الأسابيع الثلاثة المقبلة ستحدد مستقبل لبنان، مؤكداً أن الوقوف بجانب الشعب اللبناني مسؤولية فرنسا.
وكان وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان قد قام في نهاية تموز/يوليو الماضي بزيارة إلى بيروت، استمرت 36 ساعة، واتسمت بالمواقف الحازمة من فرنسا ونفاد صبرها. حيث جدد من هناك دعوة باريس إلى تنفيذ إصلاحات ضرورية لحصول لبنان على دعم مالي خارجي لمساعدته على الخروج من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي يواجهها. وحذر لودريان من مغبة أن لبنان بات “على حافة الهاوية”. وقال وزير الخارجية الفرنسي إنه من الملح والضروري اليوم السير عملياً على طريق الإصلاحات، مشددا على أن فرنسا مستعدة للتحرك بشكل كامل وأن تحشد كافة شركائها لكن يجب تنفيذ إصلاحات جدية وذات مصداقية.
وتسعى الحكومة اللبنانية من خلال مفاوضات خاضتها مع صندوق النقد الدولي إلى الحصول على دعم خارجي يقدّر بأكثر من عشرين مليار دولار، بينها 11 مليار أقرها مؤتمر سيدر الذي استضافته باريس العام 2018. إلا أن المفاوضات توقّفت في ظل عدم قدرة السلطات على البدء بإصلاحات ملحّة يطالب بها الصندوق كشرط للدعم.