بعد حادثة سجن مدير الثقافة لولاية مسيلة، عاصمة الحضنة – بعد نشره تدوينة على صفحته على «فيسبوك» يتهم فيها أحد رموز الثورة الجزائرية عبان رمضان بالعمالة، الحادث الذي استهجنته وزارة الثقافة فتحركت ضده وتم سجنه – ها هي مديرية الثقافة لمدينة بجاية تنشر وبمناسبة عيد الضحى منشورا على صفحتها الرسمية تسيء فيه للقائد الاسلامي عقبة بن نافع الفهري، وما حدث بينه وبين اكسيل أو كسيلة، بسبب أمر عقبة لكسيلة بذبح الشاة والذي اعتبره كسيلة إهانة له، باعتباره سيدا، بينما عقبة أمره بذلك من باب المساواة.
القضية تاريخية والتاريخ موجه كل حسب رغباته. لكن ما جدوى أن تذكر هذه الحادثة، التي تثير جدلا وتبعث الكراهية من جديد بين الجزائريين؟
وأكثر من ذلك كيف تنشر على وموقع رسمي تابع لوزارة الثقافة، ومن طرف موظفي المديرية؟
مثل هذه المواقف تترك للمؤرخين وللمواقف الشخصية، دون المؤسسات الرسمية، خاصة استعمال لفظ اعتبار الحادثة جريمة انتقم فيها كسيلة من المجرم عقبة؟
كأن الحكاية ناقصها قطرة ليخرج بعبع الكراهية في أيام العيد، أيام يفترض فيها التسامح، وليس تذكيرنا بعادة مسح الأوجه، التي لم تعد موجودة. وخاصة في هذا الزمن الذي يلقى بجلود الأضاحي في القمامات؟ ما جدوى التذكير بطقس بائد وأخذ أكثر من حقه. وارتباطه بحركة يقوم بها الجزائريون عندما يتوعدون أحدا وهو الإمساك بالذقون، التي ترادف أحيانا بعبارة: «هاهو وجهي» أو«هاثا أوذميو» بالقبائلية.
مجرد اصطياد في مياه الكراهية النتنة، بينما قانون تجريم الكراهية أصبح ساري المفعول؟
هكذا استهجن رواد مواقع التواصل الاجتماعي هذا الحدث وكثير من المواقع الالكترونية والجرائد. وتساءلوا عن كيفية تداول القضية من طرف وزارة الثقافة، التي كانت غير صارمة، حيث سارعت وزيرة الثقافة إلى نشر تغريدة على موقع «تويتر» جاء فيها أن «ما نشرته مديرية الثقافة لولاية بجاية على صفحتها الرسمية حول تأويلات خرافية على علاقة بعيد الأضحى، مرفوض شكلا ومضمونا، وقد أمرنا بسحب المنشور فورا ومعاقبة المتسبب…». وجاء العقاب بتوبيخ الفاعل، الذي لم يعرف المتابع لا اسمه ولا صفته، موظف استعمل صفحة مديرية الثقافة لولاية بجاية. أعذار اقبح من ذنوب!
وهناك من علق أن ما حدث لمدير الثقافة في المسيلة لم يكن سببه الإساءة لرموز الثورة، بل لتصادم بين الولاءات والمصالح، باعتبار رابح ظريف يحسب على وزير الثقافة السابق عز الدين ميهوبي. ومن كتب في صفحة مديرية الثقافة لبجاية ربما هو في تصالح وانسجام مع الأطراف، التي عليها الحسم في القضية بصرامة أكثر. فمن كتب مسؤول وليس تلميذ مدارس حتى «يوبخ». وسياسة الكيل بمكيالين وعدم مساواة المواطنين أمام القانون يزيد من الهوة بين الجزائريين ويؤجج الكراهية في أول عثرة، أمام التاريخ والمجتمع والثقافة.
وكانت صحيفة «الشروق» قد نشرت مقالا بعنوان: منشور يروج للكراهية على صفحة مديرية الثقافة. المنشور الذي أثار جدلا على مواقع التواصل الاجتماعي المتعلق بطقوس ذبح أضحية العيد وعلاقتها تاريخيا ببعض أحداث الفتح الإسلامي. وعن سؤال جاء في منشور على صفحة مديرية الثقافة في بجاية: لماذا يمسح الأمازيغ وجوههم بجلد أضحية العيد؟
تطرق المقال في محاولته للإجابة عن السؤال عن غزو القائد العسكري العربي عقبة بن نافع شمال افريقيا، وتأسيسه مدينة القيروان.
واعتبر البعض هذا الوصف إهانة للتاريخ ونشر النعرات والحقد والكراهية بين مكونات الشعب الجزائري، وطالب المعلقون بإقالة مديرة الثقافة لبجاية وتطبيق القانون. مثل ما حدث لمدير الثقافة لولاية المسيلة.
وعادة الوعيد والانتقام لا يشترك فيها كل الأمازيغ، فهناك من يمسك بأنفه ولا يمسح بجلد الأضحية وجهه، كما هو الحال عند صنهاجة الجنوب، الطوارق. وهم من الأمازيغ إن صحت التسمية.
لطفي العبدلي وعبير موسي: حدود الديمقراطية في تونس
من يطفئ الحرب بين الفنان والسياسية، التي اشتعلت رحاها على منصات التواصل الاجتماعي ومختلف وسائل الاعلام وغذتها مقاطع الفيديو، تلك المنددة بمسرحية العبدلي وبشخصه، والأخرى المتضامنة معه ومع حرية الفن.
بين عناد الفنان والتزامه بتقديم عروضه، ولو بمتفرج واحد، كما صرح بهذا في أحد فيديوهاته، التي رد فيها على منع عرضه في مدينة سوسة. حيث ظهر من خلال مقاطع فيديو متشبثا بمواقفه أكثر من أي وقت، منبها إلى أنه لن يخاف من رجال عبير موسى، كما نقل ذلك موقع «باب نت»: «ما خفتش من رجال الغنوشي باش نخاف من جماعة عبير». اعتبر المتابعون للعرض، الذي أثار جدلا واشمئزازا وموجة انتقاد واسعة من طرف الكثيرين، بأنه خادش للحياء، خاصة وأنه يتعرض للملابس الداخلية للسيدة عبير موسى، رئيسة الحزب الدستوري الحر، وهكذا قام أنصارها بمحاصرة الفنان العبدلي وتوالى منع أعماله بعد سوسة، في الكاف في مهرجان «بومخلوف» ومؤخرا منع عرضه من مهرجان «قليبية» الذي كان مبرمجا في الثامن من الشهر الحالي.
وكان من بين المنددين بالعمل زميلاته في المهنة كالمخرجة والمسرحية سلمى بكار وسوسن معالج، واعتبرتا العرض إساءة للفن وابتذالا وغيرها من النعوت، وكان رده على زميلتيه من خلال مقطع فيديو، حيث بين للأولى أنه عندما كانت رئيسة مهرجان «حمام الأنف» كانت تلح في إعادة عروضه تلك التي كان يحكي فيها على «كالسون» الغنوشي، التي كانت تستقطب الجمهور، لأن في الأمر مصالح مادية، وكنت وقتها ما أجملني من شاب وغيرها من الأوصاف الإيجابية. أما الآن فأصبحت «خامج»!
أما رده على سوسن معالج، فذكرها بفيديو على اليوتيوب، بث على المباشر وقتها على قناة «نسمة تي في» حيث كانت تقول في شعر على «كلسون فواز»: «كالسونو صغير كالسونو… يا فواز ربي يصونو».
ويضيف أنها وقتها تعرضت لموجة انتقادات وشتم وكانت تبكي في البلاتوهات وأنه تعاطف معها مثل الكثيرين، مع أن ما قالته مر في التلفزيون. وأن من يشتمونه الآن هم من شتموا زميلته سابقا.
حرب الملابس الداخلية ما زالت تثير الجدل. ينقل موقع «الترا تونس» الأحداث بعنوان: «بين العبدلي وموسى: الجدل يتواصل والكوميدي يناشد رئيس الجمهورية. حيث دعا الفنان، في آخر مقطع مصور، لتدخل رئيس الجمهورية قيس سعيد، وكذا رئيس حكومة تصريف الأعمال إلياس الفخفاخ، وذلك بعد إيقاف عروضه في العديد من المهرجانات الفنية. وقال العبدلي إنه تحدث عن الملابس الداخلية في أزمنة بن علي والنهضة و«الترويكا» مشيرا في الخصوص لفترة الرئيسين السابقين المنصف المرزوقي والباجي قايد السبسي، ولم يكن يحصل له ما يواجهه اليوم، معتبرا أن ما يحدث «عودة للديكتاتورية بقوة».
وأضاف أن «هذه المرأة (في إشارة لموسى) ليست في الحكم، ولكن انظروا ماذا تفعل؟».
وفي هذا الصدد عبر أمين عام الحزب الجمهوري عصام الشابي في الثامن من الشهر الجاري على حسابه على فيسبوك، عن تضامنه مع العبدلي، معتبرا الغاء أكثر من عرض له تحت ضغط القوى النوفمبرية هو «إعتداء صارخ على حرية التعبير وعودة لسياسة تكميم الأفواه، التي مورست على مدى عقود من الزمن».
وأضاف «قد لا يروق لبعضنا ما يقدمه هذا الفنان أو ذاك ومهما يكن فيجب أن يبقى مجال تقييم عمله بعيدا على كل محاولات الاخضاع والترويض والصنصرة».
أما رئيس كتلة «ائتلاف الكرامة» سيف الدين مخلوف فرأى أن إلغاء العروض يتم من القضاء وليس من الإدارة، داعيا إلى إقالة مدير مهرجان «قليبية» الذي ألغى مؤخرا عرض العبدلي. فيما اعتبر القاضي ونائب رئيس هيئة الاتصال السمعي البصري عمر الوسلاتي أن «انتقاد السلطة هو شكل من أشكال التعبير الحر» مؤكدا أن «حرية انتقاد السلطة أفضل الوسائل للحد من بطشها».
وكان المستشار السابق لدى رئيس حكومة الفخفاخ جوهر بن مبارك قد قال في تدوينة عبر صفحته على «فيسبوك» إن الممثل الكوميدي لطفي العبدلي كان وما زال يحب الضحكة وينتقد المشهد السياسي التونسي بكل أطيافه».
لطفي العبدلي خرج في فيديو وقال فيها «ديكاج» لبن علي وقت اللي الرهوط اللي يسبوا في لطفي اليوم وينددوا ويستنكروا ما زالوا يزمروا بكراهبهم ترحيبا بخطاب «غلطوني». لطفي العبدلي عمل مسرحيات كاملة تهكم فيها على الغنوشي والنهضة، وقت اللي كانت النهضة تحكم في البلاد وفي يدها الحكومة. لطفي العبدلي ضحك الناس على الباجي قايد السبسي وهو زادة رئيس البلاد ويوسف الشاهد رئيس حكومة ونداء تونس، وهو في السلطة وعنده عشرين سنة ما خلاش حاجة ما قالهاش في السياسيين والوزراء والنواب الكل دون اقصاء. عمل هذا الكل في الناس الكل وماصراتلوش هرسلة كيما صرات وقت تهكم على «عبير النوفمبرية».
المسألة ليست مسألة ديمقراطية على ما يبدو، وإهانة للمرأة التونسية عامة، بل أبعد من ذلك، كما صرح العبدلي، بعد الغاء عرضه في قليبية: «شكون اللي يحكم في البلاد، أعطيوني مع شكون باش نتعارك».
يبدو أن الموجة عالية ضد لطفي العبدلي وأنصار عبير موسى وهم من يؤيدون حريات التعبير ويخرجون للشوارع للتضامن مع من اعتبروا قد تطاولوا على المقدسات وقيم المجتمع التونسي.
ها هم اليوم يتراجعون باسم خدش الحياء والتعرض لشرف المرأة والميزوجينية بسبب ذكر اللباس الداخلي لعبير موسى. أين كانت عبير موسى وغيرها يوم كانت تهتك أعراض النساء علنا أمام مرأى الجميع ويغتصبن وتنزع خمارهن من على رؤوسهن كما جاء في إحدى فيديوهات الفنان لطفي العبدلي. وقتها كان التصفيق. فأولى أن نصفق لعرض مسرحي على التصفيق لعرض الحياة المؤسف القاسي.
كاتبة من الجزائر