كان في فندق لو غري يحاور تمارا شمعون وحصلت كارثة العصر وطاروا جميعاً
بيروت-“القدس العربي”: لم يحسب الإعلامي ريكاردو كرم أن السؤال الأخير الذي طرحه على ضيفته تمارا داني شمعون لن تسجله الكاميرا، وأنه مع الفريق بكامله سيقعون أرضاً ويقذفهم العصف في كافة الاتجاهات. عصر الرابع من آب/اغسطس كان كرم في فندق “لوغري” ينجز حواراً إعلامياً وكانت عاصفة الموت. اصيب الجميع برضوض وجروح وكتبت لهم الحياة. لكن ذاكرة ضيفته تمارا شمعون استيقظت من جديد على جريمة إبادة والديها وأخويها والتي نجت منها صدفة.
هنا حوار مع صاحب مبادرة تكريم الإعلامي ريكاردو كرم عن لحظات النكبة التي أصابت بيروت ولبنان وعن مصير مبادرة تكريم:
*حمد لله على سلامتكم. هل تتذكر لحظات النكبة وكنت قريباً من مركزها؟
**أكيد. لكل منا رواية يخبرها عن لحظة بدّلت وجه المدينة برمتها، وشكلت مفصلاً في حياتنا. كل من عاش تلك اللحظات يصفها من دون دقة نظراً لسرعتها. لحظات فعلها قاس على كل من عاشها. كنا فريق عمل وتبعثرنا. قذفنا العصف ومن كان واقفاً سقط، ومن كان جالساً صار كرسيه بعيداً عنه. الجميع في صدمة وذهول، وأكثر ما يتوارد على الذاكرة أن ضغطاً غير مسبوق عاشوه للحظات قلب حياتهم وحياة الوطن برمته. كنا نصوّر حواراً في روف فندق لوغري، حيث مكاتبنا تبعد ثلاث دقائق سيراً على الأقدام عنه. أظن الكارثة وقعت في السادسة وخمس دقائق وكنت بصدد طرح السؤال الأخير، وخلاله سمعنا ما يشبه الصاروخ أو الطائرة وبعده سمعنا انفجاراً قوياً، وتلاه آخر أكثر قوة رمى بنا إلى أمكنة أخرى وتناثر الزجاج.
*وهل اصبت مباشرة؟
**لاحقاً تبينت رضَات في أحد الأضلع وفي الكتف والفخذ، إضافة إلى جروح متفرقة. ضيفتي تمارا داني شمعون، وهي كانت طفلة حين قتل والديها وأخويها، ونجت بأعجوبة سنة 1990. حقيقة خفت النظر إلى الخلف حيث كانت، خشيت رؤية ما لا أريده، شعرت بمسؤوليتي عن حياتها.
*وهل تتواصل معها الآن؟
**لقد اصيبت بجروح عدّة، أكلمها مطمئناً أكثر من مرّة خلال اليوم. فقد بقينا في الفندق أكثر من 40 دقيقة، فسلالم الطوارئ اصيبت بأضرار ولم تعد صالحة.
*هل نكش هذا الانفجار ذاكرة تمارا شمعون؟
**ذكرت في الحوار المصور أن ذاكرتها لم تُنكش من قبل، وتحدثت في موضوعات لم يسبق فتحها. للمرّة الأولى تظهر تمارا في حوار تلفزيوني بعد إلحاح مني وحدث ما حدث.
*كنتم في لحظة تسجيل ولا شك بوجود أكثر من كاميرا فهل أرّخت الكاميرا ما حدث؟
**تعرضت الكاميرات للإنتفاخ، من المفترض أن نعرف قريباً ما تُلف وما سلّم من التسجيل.
*رغم كافة مآسينا وصراعاتنا هل تخيلت أن نكون في يوم شعباً وعاصمة ضحية فساد المسؤولين عنّا؟
**سبق وعشت شبيهاً للحادث الكبير في 10 تشرين الأول/أكتوبر سنة 2012 لدى اغتيال رئيس شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي وسام الحسن. كان مكتبي يقع خلف مكان التفجير، وجرح كافة الموظفين. نجوت في المرّة الأولى وواجهت مخاطر التفجير الأكبر. الأولى كانت استهدافاً فردياً سياسياً قتلت فيه مع الحسن امرأة تعمل في مصرف قريب. الانفجار الثاني أنهك المدينة وقتل وجرح الآلاف من ناسها. وإن كانت منازلنا هي ملاذنا ومكان نحتمي به، فالآلاف طاروا من منازلهم.
*وماذا عن عائلتك ومنزلك غير البعيد؟
**لحق مكاتبنا دمار كبير وهي تقع في الصيفي ومنزلي في منطقة السيوفي ـ الأشرفية. الأضرار كبيرة، ونجا أبنائي الثلاثة لكنهم يعيشون تروما، فيما تكسر محل زوجتي حيث تعطى دروس في تعلّم الطهي على أيدي طباخين. سنعيد البناء، وقدر اللبناني، أن يقع ومن ثم يقف. قدرنا أن نتألم وأن نبقى في رحلة نضال ليست سهلة. اللبناني مقاوم، إنما ضربة الرابع من آب/اغسطس غبية، وليست اغتيالاً ضد أحدهم، وسببها إهمال المسؤولين. كان تسترا على مواد خطرة، وهذا ما جعل من الجميع شركاء في الجريمة.
*وكيف سننهض من تحت الركام في رأيك؟
**أؤمن بأن خلاص لبنان الوحيد يكمن في انتقاله من دولة المنظومة الطائفية إلى الدولة المدنية، إنه الحل لتخطي ما نعيشه. وليس لنا أن ننتخب اليوم ممثلينا في مجلس النواب عبر القانون السابق. علينا إلغاء الطائفية السياسية، واختيار الناس بناء لقيمتهم وانجازاتهم، وغير ذلك لن يتغير أي شيء. أخشى انقلاباً سياسياً، وعودة المشهدية السياسية بتقسيم الوطن المدمر وفق مفهوم 8 و14 آذار. هناك استنساخ للتجارب السابقة، ومنهم من يركب الموجة ويستغل غضب الشارع البريء لتحقيق مكاسب. آمل وبسحر ساحر أن نؤسس لدستور وقوانين جديدة. بيروت في السلم والحرب، والفرح والحزن، والنور والظلام ستبقى زهرة المدائن، ومدينة الحضارة والأبجدية حيث الحب يرتقي بالإنسان، وحيث الحب يبني ويُبنى في الوقت نفسه.
*انتفاضة 17 تشرين الأول/اكتوبر ألغت حفل جوائز تكريم 2019 في بيروت فماذا عن 2020؟
**فلنضع 2020 في قائمة النسيان، ليست ضمن رزنامة حياتنا، إنها أسوأ الأعوام على البشرية وعلى لبنان خاصة. بعد الانهيار المالي والأقتصادي جاء وباء كورونا، ومن ثم الانفجار الكبير. نأمل أن نعود في لبنان والأمة العربية والعالم إلى ما كنّا عليه بحيث تكون سنة جديدة للجميع وعلى الجميع.
*كرّمت جديرين بالتكريم. الآن من يستحق التكريم في لبنان؟
**هو كل مواطن لبناني نزل إلى الشارع وقال لا لمنظومة الفساد. وكل مواطن لبناني اعتصم برقي وبمنطق. وكل مواطن لبناني قال لا للطائفية العمياء. وتستحق التكريم كل أم وكل سيدة لبنانية. فباعتقادي أن النساء لعبن في لبنان دوراً في الثورة التي حدثت، وهنّ من بنينا الجسور بين الجميع، وهنّ من عبرن الطوائف ولم يتوقفن عند التزمت والحدود الرجعية الطائفية. بالإجمال أثبت المواطن اللبناني حتى في خضم المأساة قدرة بناء المجتمع لأنه يمتلك القلب والارتقاء فوق كل شيء. ويتذكر هذا اللبناني المسؤولين وكم هم حقيرون وصغار وقال لهم في خضم مأساتنا “أنتم ما شي”. لهذا نشهد الالتفاف حول كل أم فقدت ولدها، وكل حبيب فقد حبيباً، وكل طفل فقد والدته، ونتذكر صغر هؤلاء المسؤولين وحقارتهم. رغم وجود المأساة والغضب والحزن انتصر اللبناني على الحقد والمحسوبيات والمحاصصة والطائفية والفساد.
*هل تعتقد أن الانتفاضة كانت ستنجح بحدود ما لو كان معظم من نزلوا إلى الساحات يؤمنون بما ذكرت وليس بالزعيم؟
**ثورة مارتن لوثر كينغ السلمية التي تمكن من خلالها من فرض نفسه وتغيير الدستور والقانون في الولايات المتحدة الأمريكية. أؤمن بالحكمة والمنطق والعقل، إنما ليس لنا الطلب من إنسان غاضب ومحزون أن يلجم عواطفه. وفي الوقت عينه ننظر إلى من كسّر أرزاق الآخرين من محال وفنادق وسيارات وقطع أرزاقهم وتعدى على أملاك الغير، بأنه مزيداً من الانكسار والسقوط. من نزلوا إلى الشارع مضيئين الشموع يشكلون تحركاً سلمياً غاية في الرقي. كذلك من يعتصمون سلمياً لا بد سيسمعهم المسؤول الفاسد، وبإمكانهم إسقاط المنظومة جميعها. فلست مؤمناً بالعنف.
*وهل للكلمة والشمعة والاعتصام إزاحة هؤلاء المسؤولين الملتصقين بمواقعهم محميين بطوائفهم؟
**عبر القانون سنعبر من الدولة الطائفية إلى الدولة المدنية والتأسيس لنظام جديد. دستور جديد يحتاج لرعاية دولية، فقد تبين أننا لسنا عقلاء بما يكفي، وليس لدينا نضوج وحكمة للنعمل عليه. الطائفية مقبرة لبنان واللبنانيين. عندما نتبصر بما قاله والد الطفلة الشهيدة ألكسندرا نجّار عبر الإعلام، ندرك أن بيننا عقلاء. هو إنسان راق بعيد عن الحقد، وجميع من سمعه تأثر به.
*منذ عشر سنوات أطلقت مبادرة تكريم. هل أنت متورط بها؟
**ربما أنا متورط بالتأني وبالمثاليات. أهتم بأن يأتي كل شيء مثالي مضموناً وشكلاً. ورطتي بدخول التفاصيل كي تأتي النتيجة ممتازة. لا أرضى بال “نص نص” والإتقان مخيف ويورط.
*هل ندمت على منح جائزة تكريم لأحدهم؟
**نعم ومن دون ذكر أسماء. الخطأ وارد والمجلس التحكيمي من يختار. اسم أو اثنان كان تكريمهما خاطئاً.
*رئيس الجامعة الأمريكية الدكتور فضلو خوري من الذين حصلوا على جائزة تكريم وقد صرف مؤخراً 850 موظفاً. فماذا تقول؟
**لست نادما أبداً. فاز فضلو خوري بجائزة الإبداع والأبحاث العلمية وكان لا يزال في أحد مستشفيات الولايات المتحدة. لهذا أتحفظ على هذا الموضوع. وبما أني خريج الجامعة الأمريكية، وكنت سابقاً معنياً جداً بها وأعمل معها في مشاريع، وعندما دخلتها الفوضى وباتت بعض قضاياها تفتقد لإدارة مختلفة وجدت نفسي في مكان مختلف. خطأ أكيد وفي هذا التوقيت بالذات صرف هذا العدد الكبير من الموظفين. مع العلم أن الجامعة تتلقى الكثير من الدعم المالي، وفيها رواتب خيالية لكبار الموظفين. غير جائز صرف موظفين بهذا العدد، حتى وإن وظفتهم المحسوبيات، ولا يجوز أن تتدخل الطائفية في الصرف. كان من الأفضل تمرير هذه المرحلة، والصرف لاحقاً وتدريجياً. مع العلم أن المصروفين لا يزالون يتمتعون بتقديمات استشفائية وتعليمية ولسنوات محدودة.
*كيف تصف العمل الإعلامي بين بداياتك والآن؟
**تغيرت الأبجدية تماماً. قبل 24 سنة حين بدأت كنا نجوماً كإعلاميين، ومن ثم لم نجد من يحفر له اسم كما حصل معنا. ثمة من يبقى محفوراً في ذاكرة ووجدان الناس، والسبب أنهم دخلوا منازلهم بإنسانية وصدق وبعيداً عن الإبهار. كان الشغف بالمهنة بدون حدود وكان العمل دؤوباً. وسائط التواصل الاجتماعي بدّلت الأمور وبات كل جديد يصل بسرعة قياسية.
*وماذا على الصعيد المهني؟
**أعرض حواراتي على وسائط التواصل الاجتماعي. كنت بصدد مشروع كبير مع محطة لبنانية والواقع الحالي بدّل الأمور.