غزة-“القدس العربي”:هناك إلى الجنوب من قطاع غزة، في ذلك الشريط الساحلي الضيق، تقع مدينة خانيونس، التي تبعد عن مدينة غزة “مركز القطاع” من جهة الشمال، مسافة 25 كيلو مترا، فيما تحدها من الجنوب مدينة رفح، التي تلاصق الحدود مع مصر، ما جعل من المدينة التي يزداد عندها اتساع عرض القطاع، ممرا لكل القوافل التي تمر من مصر إلى بلاد الشام، أو تلك التي تخرج من سواحل فلسطين إلى مصر وبلاد الحجاز.
ومدينة خانيونس، التي تعد ثاني مدن قطاع غزة، من حيث المساحة وكثافة السكان، هي كباقي مدن القطاع الرئيسية، ساحلية يحدها من الغرب البحر المتوسط، وتمتاز بساحل جميل، وأراضيها زراعية خصبة، ما جعل الاحتلال الإسرائيلي فترة وجوده في قطاع غزة منذ العام 1967 وحتى الانسحاب من القطاع في العام 2005 ينهب غالبية أراضيها القريبة من منطقة الساحل، وتبعد نحو 100 كيلو متر عن مدينة القدس المحتلة.
وتبلغ مساحة المدينة 54 كيلومترا مربعا، وهي تأسست في العهد المملوكي، في القرن الرابع عشر للميلاد، وقد بقيت على حالها تقريبا طيلة فترة الحكم العثماني، لكنها ازدهرت في نهاية تلك الفترة، وقبل فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين، وتحديدا عام 1917.
ومع بداية التوسع العمراني والثقافي بكافة مستوياته الإدارية والتعليمية، أصبحت خانيونس مركزا إدارياً وتعليمياً لمناطق جنوب قطاع غزة، ففيها تكثر الدوائر الحكومية، وفروع الجامعات الرئيسية، فيما حافظت المدينة رغم التوسع العمراني، لأن تبقى المصدر الأساسي للزراعة في قطاع غزة، ففي مناطقها الشرقية والغربية وفي مناطق الوسط تكثر المزارع والحقول، التي تنتج سنويا غالبية احتياجات سكان القطاع من الخضار والفواكه.
ويبلغ حاليا عدد سكان المدينة، مع القرى التي تتبع لها، وكذلك مخيم اللاجئين الذي أقيم في أحد مناطقها الغربية، ما يقارب من الـ 200 ألف فلسطيني، وذلك حسب الأرقام الرسمية.
أصل التسمية والتاريخ
ويرجع تسمية المدينة بهذا الاسم، الذي يتكون من شقين، الأول “خان” وتعني نزل أو سكن، أو فندق والثاني “يونس” نسبة إلى الأمير يونس الداودار الذي قام ببناء موقع عسكري للجنود الذين يقومون بحماية خطوط المواصلات العسكرية، وقوافل التجارة بين مصر والشام، وكذلك الحجاج في طريقهم إلى القدس ومكة المكرمة، ثم أصبح الخان الذي يسمى اليوم “القلعة” ملاذا للتجار والسابلة، والحديث هنا للمؤرخ الفلسطيني الدكتور رشاد المدني، الذي تحدث لـ”القدس العربي”.
ويوضح المدني، أن ذلك جعل المنطقة التي تحيط بالخان زاهرة، لترتقي ما فوق مرتبة قرية، لتصبح مدينة. ويشير إلى أن مدينة خانيونس، التي بنيت في العهد المملوكي، ووفق المراجع التاريخية، أقيمت على أنقاض مدينة قديمة عرفت باسم “جينيسس” التي ذكرها المؤرخ هيرودوتس، بأنها تقع في جنوبي غزة.
وتوضح كتب التاريخ عن المدينة، أن تاريخها يعود إلى القرن الخامس ق.م، ويقول الباحث كمال عصام الأغا، ابن أحد عوائل المدينة الرئيسية، في مقال له حول تاريخ خانيونس، أن المدينة عانت من إهمال علماء الآثار، والمؤرخين، ويقول “إذا أُريد لنا أن نرفع الظلم عن هذه المدينة، ونُعيد لها بعض حقها، فلابد من وقفة عند الحضارات التي قامت على أرضها” ويضيف في مقالة “خانيونس قد خضعت، شأنها شأن أخواتها في الجنوب الفلسطيني للحكم المصري، في حدود العام 1546 ق.م. لقد دلت التنقيبات الأثرية التي قام بها جنسيته فلندرز بيترى، عام 1926 في تل جمة، القريب من خان يونس على آثار ترجع إلى تحتمس الثالث (1480 ق.م). ومن أنقاض وحفريات في تل الفارعة تم العثور على آثار تعود إلى رمسيس الأول (1318 ق.م.) كما وجدت آثار تعود إلى خلفائه من فراعين مصر”.
وهذا الأمر أيضا، يؤكده مركز المعلومات الفلسطيني، الذي يرى أن النشأة الأولى للمدينة ارتبطت بالعصر اليوناني، حيث أسّـس اليونان مدينة ساحلية عرفت باسم جينسس، كما ارتبطت نشأة خان يونس بالمماليك الجراكسة، وبالسلطان المملوكي برقوق (حكم مصر وبلاد الشام بين عامي 1382 و 1399م) على وجه التحديد، الذي اهتم بتعزيز الحركة التجارية بين مصر وبلاد الشام، فأمر ببناء عدد من الخانات والقلاع، وكان من بينها بناء الخان والقلعة التي أشرف على إنجازها الأمير يونس الداودار، حامل أختام السلطان، حيث بنى القلعة وسورها الضخم وبنى داخلها خاناً فسيحاً سنة 789هـ 1387م.
ومن هنا ارتبط اسم هذه المدينة باسم مؤسسها فقيل “قلعة برقوق”، وقيل “خان يونس” ولمّا كان النشاط التجاري غالباً على النشاط الحربي للقلعة، غلب اسم الخان على اسم القلعة وعرفت المدينة بـ “خان يونس” بعد وقت قصير من بناء القلعة، حيث كانت مدينة خان يونس في العهد المملوكي تابعة للواء غزة، الذي كان يضم مساحات واسعة من النقب وجنوب الأردن حتى مدينة الكرك، وشاركت مدينة خان يونس منذ نشأتها في الأحداث الجسام التي مرّت بها مصر وبلاد الشام، حيث تعاون أهالي المدينة مع المماليك، وجدد العثمانيون القلعة، وأقاموا فيها حامية عسكرية.
بوابة الشام
وكانت مدينة خان يونس في ذلك العهد بوابة الشام للقادمين من مصر، وآخر منازل الشام الرئيسية للمسافرين لمصر وبلاد المغرب، وساهمت هذه المدينة بنصيب كبير في الدفاع عن بلاد الشام ومصر. ويقول المؤرخ المدني، أن أهالي المدينة، لو عرفوا نابليون بونابرت، خلال توجهه بعد احتلال مصر إلى بلاد الشام، حين دخل المدينة وبعض جنده لتفقدها واستطلاع الموقف، لتغير التاريخ، حيث استشعر الخطر، وعاد لبقية جيشه في العريش، فوقتها لو كشف أمره، لأوقعه السكان بالأسر، ولغير وقتها التاريخ.
وكتب عنها الرحالة العربي إبراهيم الحناوي وهو أول من تحدث عن خان يونس، وكان قد زار المدينة في عام 1081 هـ، وذكرها في كتاب “تحفة الأدباء وسلوة الغرباء” عندما زارها وهو في طريقه من غزة إلى مصر، فقال “وفيها خان عامر، ومسجد، وسوق أمام الخان، وبيوت مسكونة إلى جوانبه”.
وكان من أهم المشاركات التاريخية والعسكرية وأبرزها دور المدينة البطولي في التصدي للغزو البريطاني، ما اضطرّ البريطانيين إلى ضرب قلعتها بنيران المدفعية التي أدت إلى تهدم القلعة، فيما تعمد الإنكليز أيضا إهمال ترميم القلعة، لأنهم لم يرغبوا في تجديد دورها العسكري، فيما أزيل السور الجنوبي للقلعة تدريجياً بعد احتلال القوات الإسرائيلية للمدينة بعد حرب 1967. أما اليوم فلم يبق من القلعة غير الواجهة الغربية، وهي عبارة عن البوابة الرئيسية للقلعة والخان، وتطل على وسط المدينة وعلى المتنزه.
ولا يزال سور “قلعة برقوق” حتى يومنا هذا، شاهدا على شموخ المدينة، ويروي تاريخها المجيد، الذي جعلها في فترة من الفترات من أشهر مدن ساحل فلسطين. وتفيد وزارة السياحة والآثار التي تشرف حاليا على سور القلعة، التي تعتبر حاليا موقعا أثريا، أن تلك الخانات، كانت بمنزلة المأوى الحقيقي الذي أعدَّته الدولة أو فاعلو الخير للمسافرين، فكانت تحميهم من حرِّ الصيف وبرودة الشتاء، وكانت مهيأة لاستقبال التجار وطلبة العلم.
وتوضح الوزارة، أن مساحة خان الأمير يونس النوروزي، تبلع نحو ستة عشر دونماً، وقد كانت سابقاً تتكون من مخازن منفصلة في الطابق الأرضي، وتطل على فناء داخلي مفتوح، وتضم كافة المرافق والخدمات اللازمة لمثل تلك الأغراض، أما الطوابق العلوية فكانت مخصصة للشقق السكنية، وتطل على نفس الفناء، وقد يلحق بها في وسط الفناء مسجد أو مُصلى لإقامة الشعائر الدينية.
أما الواجهة الغربية للخان فهي الوحيدة الباقية، ولا يزال جدارها وبعض من أبراجها شامخاً، منها برج يقع في الزاوية الجنوبية الغربية منه، وقد تميزت زخارف هذه الواجهة بكثرتها وغزارتها، حيث يمكن تقسيمها إلى خمسة أقسام من الحجر المنقوش، ويقع أحد تلك المجموعات الزخرفية المنقوشة على يمين البوابة الرئيسية فوق المدخل المؤدي إلى المئذنة، ولا يزال فوق هذه الواجهة نقش لاسم السلطان الذي أنشئ الخان في عهده.
مجازر الاحتلال
ويقول الباحث الأغا، أن الاحتلال الانكليزي مارس سياسات عدوانية ضد الشعب الفلسطيني وضد سكان خان يونس، وأن سكان المدينة شاركوا غيرهم من أبناء وطنهم، في مقاومة الجيش البريطاني المحتل، كما شاركوا في جميع الثورات الفلسطينية التي اندلعت ضد البريطانيين واليهود في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، وخاصة ثورة فلسطين الكبرى والاضراب الكبير 1936-1939.
ومع احتلال المدينة كباقي مدن فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967 قام سكان المدينة رغم قلة السلاح، بالتصدي لقوات الاحتلال الإسرائيلية، فاستشهد الكثير منهم، فيما قام الاحتلال باعتقال الكثير منهم ودمر عددا كبيرا من منازل المدينة.
وقبل ذلك، وتحديدا في العام 1956 وخلال العدوان الثلاثي على مصر، حيث كان قطاع غزة يتبع الإدارة المصرية، ارتكب جنود الاحتلال الإسرائيلي خلال احتلال المدينة لعدة أشهر مذبحة شهيرة، تحديدا يوم 12 تشرين الثاني/نوفمبر، راح ضحيتها أكثر من 250 فلسطينيا. وبعد تسعة أيام من المجزرة الأولى 12 تشرين الثاني/نوفمبر 1956 نفذت وحدة من الجيش الإسرائيلي مجزرة وحشية أخرى راح ضحيتها نحو 275 شهيداً من المدنيين.
وبخلاف باقي مدن قطاع غزة، شكلت عوائل مدينة خانيونس مجلسا لها، يقوم بأعمال اجتماعية، ويضم 64 عائلة.
ويقول الدكتور تحسين الأسطل، نائب نقيب الصحافيين الفلسطينيين، وأحد أبناء عوائل خان يونس، أن المدينة تعتبر من المدن المهمة في فلسطين، بسبب الجغرافيا التي جعلتها أول قلعة لبلاد الشام.
ويضيف لـ”القدس العربي” إنه في خان يونس قامت عدد من المعارك كما واجه أهلها الاستعمار البريطاني والاحتلال الإسرائيلي، وكانت السكة الحديد التي استولي عليها الاستعمار البريطاني تتعرض بانتظام لهجمات أهالي خان يونس ومواطنيها من الفدائيين، كما واجه أهالي المدينة الاحتلال الإسرائيلي مبكرا، موضحا أن خان يونس كانت آخر المدن التي احتلها الجيش الإسرائيلي عام 1967 بعد احتلال العريش وغزة ودير البلح، واقتصاديا يوضح أن مدينته تعتبر سلة قطاع غزة الغذائية.