الحياة تُعاش طولا وعرضا مترا وشبرا؛ ويغادرها أغلبنا ولا يدري كيف يحياها، ولكنه يعرف ربما ما قاله الناس عنه.. يموت المرء ويظل ذكرى، ولكن أيضا يظل ذكر من بعده. قبل أن يذكر المرء من بعده هو يذكر في حياته: يقول الناس عنه ما يقولون هو إذن موضوع لأقوال كثيرة هي التي تعنينا في هذا المقال.
اجتماعيا كل ما يقال فيك هو أنت. ولسانيا كل ما يقال فيك هي قضايا (بالمعنى الفلسفي للقضية) تترجم تصورات الناس عنك بقطع النظر عن صدقها أو خطئها. ربما اعتقد الناس أنك حكيم أو شاعر، وأنت أبعد ما يكون عن الحكمة والشعر، لكن أقوالهم فيك تترجم تصوراتهم عنك. من سوء الحظ أن الرأي فيك هو الذي يصنع بدورانه وتداوله «رأيا عاما» عنك، هو الذي يصنع عنك صورتك النمطية في ذهن المجموعة. أنت في أذهان الناس تمثيلات تستحيل أقوالا تختصرك، وهذه الأقوال تروى عنك في سياقات كثيرة للتحذير منك أو لذمك أو لمدحك.
سنسمي تمثيلات غيرية جملةَ ما يدور في أذهان الناس عنك أنك أنت؛ وتمثيلاتٍ ذاتيةً جمْلةَ ما يدور في ذهنك عنك أنك أنتَ. التمثيلات الغيرية عنك لا تُعرف إلا إذا عُبر عنها بالكلام، وما يعنينا ههنا هو هذا التعبير عنها لا في سياق مدحك أو ذمك، بل في سياق تصنيفك على أنك صنف من البشر له سمات أخلاقية معينة.
لنفترض أن في التمثيلات الغيرية عنك أنك قاسٍ شديد غليظ، لا قدر الله. حين يقولون عنك (هو قاس) أو (هو شديد) أو (هو غليظ) في سياق تصنيفك فهم لا يذمونك بل يصفونك، أو يقررون أنك على صفة ما، أو قل هم يبنون كونا يستوعبك ليصنفوك فيه فيضعونك في خانة القساة الشداد الغلاظ. لكنهم وهم يصنفونك قد يصفونك بالتمثيل فيقولون مثلا (هو صخرة) أو(«جلمود صخر») ؛ أو(هو مصيبة) أو (هو كارثة). الانتقال من كلام لا تشبيه فيه إلى كلام فيه تشبيه قد أخرجنا من التقرير أو التصنيف إلى الإنشاء أو الذم. حين يسألك الناس عني وتصفني بقولك (هو غليظ وشديد) فأنت لم تذمني وظللت في مقام الوصف؛ لكنك لو أجبت بقولك (هو جلمود صخر) فأنت غادرت باب الوصف إلى الذم أو المدح. هل يعني ذلك أن التشبيه هو الذي أخرجك من حياد الوصف إلى صناعة موقف معياري؟ إن المسألة مهمة ويمكن صياغتها كالتالي: هل يكفي تغيير الأسلوب حتى نغادر المقامَ الأصلي إلى مقام آخر مجاور؟
لا يغير الأسلوب من المقام، ولكن ما أخرجنا هناك من التقرير المنمط إلى الذم المنمط أو المدح المنمط هو إرادي، فيه نية الخروج من سؤال عن تصنيفي إلى جوابٍ فيه عدول عن المطلب الأصلي، إلى إنشاء موقف من المجيب. ليست أجوبتنا مقيدة بالضبط بحدود مقامات السؤال: يمكن ونحن نتقيد بالمضمون أن نخرج عن وحدة المقام. هذا ما يصنع منا بشرا لا آلات تستجيب بالدقة للسؤال.
إن ما أسميه اتحادَ المقام هو اختيار في الاستجابة أو هو موقف من يجيب على سؤال تصنيفي (من يكون فلان؟) بأن يغادره إلى مقام يذمه أو يمدحه. بعبارة أخرى أن يذمني الناس فيقولون (هو غليظ) أو (هو شديد) سيكونون في حدود مقام الذم ؛ ولن يغادروه لو استعاروا لشدتي ولغلظتي عناصر من ميدان الصخر والصلب فقالوا (هو صخرة) أو (هو الجليد) أو (هو الحديد). صحيح أنهم بالتشبيه تجاوزا مدى الذم المتوسط إلى الأقوى، لكنهم ظلوا في حدود المقام.
هل إن الآخر حين يسمعنا نصنف أنفسنا ليس مستعدا أن يلغي هويتنا التي رسمها عنا؟ أم أن في المسألة صراعَ تملك للهويات: أنت لست ما تقول عن نفسك، أنت ما أقول أنا عنك؟
الغريب في الأمر أن زيادة الذم بالتشبيه كانت بتقريبه من الحسي، أو الممكن تمثيله وأخرجته من المجرد (غليظ /شديد) فترجمة الشديد بالحــــديد مثــلا، هي ترجمة للمجرد بما يمكن أن يكون له تمثيلا، هو ما يسميه لنغاكر خروجا من التجريد bstraction A إلى تعيين الأفراد Instanciation أو المواضيع من منوال مجرد.هذا يعني أن مقام الذم يمكن أن يعبر عنه باسترسال تصل حدوده بين المجرد الأقصى والمحسوس الأقصى.
لنعد إلى مقام التصنيف الذي بدأنا به، وكيف أن الانتقال فيه من التصنيف بالكلام المحايد إلى التصنيف بالتشبيه، أو الاستعارة يجعله يخرج من حدود المقام إلى مقام آخر. حين يقولون هو قاس ويريدون تصنيفي هم يفعلون ذلك، لكنهم حين يقولون (هو صخر) أو (هو حديد) يغادرون مقام التصنيف إلى أي مقام آخر كالذم والعتاب وحتى المدح. لأن (هو حديد) صفة فيها تدافعٌ أو خصامٌ بين المعاني: الحديد الذي هو ماهية في ذاته وتصنيف في باب من أبواب المعادن. نريد بالتشبيه أن نسلب عن الحديد أو الصخر ماهيته التعيينية أو الإسمية، ونجعله وصفا مضمنا لمعنى الشدة والتصلب. يراد لنا أن نفهم من كلمة واحدة شيئا غائبا ونغيّب شيئا حاضرا، نفهم: إنسان شديدٌ،ونغيب تماما ماهية الحديد، بما هو صنف واقع في مقولة معينة. يقول النحاة عن حديد في هذا السياق إنه اسم في اللفظ وصفة في المعنى، وهذا توصيف فيه ازدواجٌ ولا يفسر شيئا، ويقول البلاغيون عن حديد إنه غادر مدن الحقيقة ولاذ بالمجاز.
لكن هذا ألا يفسر في الحقيقة شيئا، فهو مثلا لا يفسر لمَ لا يوجد اتحاد مَقامات بين الأقوال المحايدة، التي تقال في التمثيلات الغيرية عني والأقوال الاستعارية (التشبيهية)؟ أو بعبارة أخرى لمَ عليّ أن أغادر مقولة التصنيف بمجرد أن أستعير عن تجربتي الحقيقية المجردة التي تصنفني تجارب أخرى من غير دائرة البشري؟ قد يقال لنا إن هذا سؤال ماورائي عن مسألة لغوية بسيطة. ليكن ذلك.
دعونا نبقى في البسيط ولأتحدث أنا عن نفسي: أنا حين أقول عن نفسي (أنا غليظ) أو (أنا شديد) من الصعب أن يكون ذلك تصنيفا لنفسي؛ حتى إن كنت أقول ذلك في أكثر الأوقات صدقا مع نفسي. نحن في كثير من تمثيلاتنا الذاتية عن أنفسنا وخصوصا الشعورية منها لا تحمل أقوالنا على أنها اعتراف بحقيقتنا. ليست (أنا غليظ) التي أقولها عن نفسي بيني وبين نفسي جملة تصنفني وليست (أنا غليظ) وأنا أقولها أمام ابني معتذرا جملة تصنفني أيضا. ستقرأ على أنها اعتذار في مقام الاعتذار وندم في مقام الندم وستكون تذكرة مغفرة وتوبة، يتخذها من يحبك ليغفر لك، ومن يكرهك ليمعن في كرهك أو يخفف منه. ليست (أنا غليظ) من نوع (أنا قاتل) التي يقولها المجرم اعترافا. هذه الجملة ستجعل المحققين يصنفونك في تلك الجريمة لا في غيرها على أنك طرف له هوية؛ لكن جملة (أنا قاتل) ستقرأ في الأذهان بالتعريف (أنا القاتل) ولا تقرأ باطراد واتساع يقع عليك في جميع أحوالك. فإذن لا يمكن لجملنا التي نقولها عن أنفسنا أن تدخل في التصنيف والمقولة: لكأننا محرومون باللغة من أن نصدق من تكون.
ما يقال هنا يقال أيضا عن قولك عن نفسك (أنا حديد)، (أنا حجر) فإنه لا يحمل على أنه فخر في سياق الفخر، يعلي من الشأن أكثر مما يعلي منه المدح؛ وفي سياق الذم يحمل على أنه انكسار للذات تريد أن تنتصر من جديد. هل إن الآخر حين يسمعنا نصنف أنفسنا ليس مستعدا أن يلغي هويتنا التي رسمها عنا؟ أم أن في المسألة صراعَ تملك للهويات: أنت لست ما تقول عن نفسك، أنت ما أقول أنا عنك؟
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية