تتكاثف في كتابات الناقد محمد صابر عبيد مفاهيم يجترحها مشرطه النقدي، من وحي التجربة الذاتية للمبدع الذي يتناوله بقراءته ،بما يعني أن كل ما أنجزه يأتي في إطار بحثه الأكاديمي لإنتاج مقولات نقدية تعمل بمجساتها على كشف خفايا النص ومضمراته،وما تضيؤه مساحاته الدلالية،ويصل عبيد بنتاجه النقدي إلى ما يوازى النص الأدبي قيمة وأثراً،من حيث مزاوجته ما بين صرامة المنهج الأكاديمي وشطحات العقلية المبدعة المتمردة على القوالب الجاهزة.وكتابه الموسوم»البقع الشعرية الأرجوانية» وبعنوانه الفرعي»مقاربة جمالية في ديوان لا حرب في طروادة، كلمات هوميروس الأخيرة»للشاعر نوري الجراح،يأتي في إطار هذا الدور الذي اضطلع به منذ أن اقتحم ساحة النقد.
شاعر قصيدة النثر
ليس من السهل أن يخوض محمد صابر عبيد أي تجربة نقدية من غير أن يمهد لها بمقدمات يضعنا بعناوينها أمام المسار النقدي،الذي ينتج من خلاله دراسته النقدية،ومن هنا ابتدأ مغامرته في هذا الإصدار بعنوان مثير»شاعر قصيدة النثر:تجربة قص الأثر»،فكشف من وجهة نظره أن اختلاف شاعر قصيدة النثرعن شاعر قصيدة الوزن وقصيدة التفعيلة،ليس في نوع القصيدة وحسب،بل في طريقة التعامل البالغة الخصوصية مع اللغة ومفهوم الشعر، وأسلوبية الأداء وطريقة التعبير،وأفق التشكيل،ويستكمل قائلا بأن اللغة التي يتحرى شاعر قصيدة النثر استثمار طاقاتها،هي لغة ثانية غير اللغة الشعرية المتعارف عليها.ثم يوضح ما يقصده بتجربة قص الأثر،إذ يعتبر لغة قصيدة النثر لغة عمودية وأفقية في آن، تحدق في الأثر على سطح الأرض،وتوغل في باطنيته بعين مركزة تخترق السطح وتكشف الطرس،بعد الطرس،ومن ثم تتحرك باتجاه تتبع أثر الدال وتغوص في إلماحاته وإشاراته وعلاماته،دون مستوى النظر من جهة،ومن جهة أخرى تستدل على حركة النجوم والأفلاك فوق مستوى النظر، كي تسير خلف الأثر في الاتجاه الصحيح، وسط تيه حقيقي تضيع فيه الحقائق والأفكار والمقولات، حين تفتقد العملية الدليل المناسب الذي يقود سفينة البحث في الطريق الصحيحة. ويصل في رؤيته إلى أن قصيدة النثر تصبح فوق شعرية، حيث لا تكتفي بالمعطى التقليدي في استخدام نوعي للغة، وإنتاج خاص للصورة،وصولا إلى كنز المعنى الشعري المتعدد الأطراف.
الفكرة والرؤية
أما عن الرؤية الشعرية،فإنه يعتبرها جوهر الفعل الشعري،وتتعدى حدود وجهة النظر أزاء العالم والكون والأشياء،إلى دليل عمل شعري له علاقة بتحولات القصيدة ومصيرها، فمثلما ترسم الرؤية صورة القصيدة بمختلف طبقاتها وهيآتها، وتفاصيلها وتطلعاتها، ومضمراتها وتشكيلاتها العليا والدنيا، فإنها تصف حراكها الشعري المتموج،والمتغير في منطقة مجتمع القراءة. كما يشير إلى أن الفكرة الشعرية تولد من التناقض والضدية ما بين الشعر،باعتباره فنا يقوم على الاستخلاص اللغوي المركز،وبأسلوبية تعبيرية وتشكيلية خاصة،والسرد بوصفه فنا يقوم على الثرثرة اللغوية وسيولة الحكي وتدفقه وانهماره،ويضيف أن هذه العلاقة الجدلية،على الرغم مما يبدو على ظاهرها من تناقض وتباعد بين رؤيتين لغويتين،فإن الفكرة الشعرية،لربما تخرج من هذه البؤرة التي توحي بالتناقض والضدية،وتسهم في إنتاج البقع الشعرية الأرجوانية المنتشرة على جسد القصيدة،وتنهل من معين السرد بما يتيح لها تحقيق أكبر قدر من التنوير.
تنوير تصويري
في مسعى جهده النقدي لقراءة قصيدة حملت عنوان»رياش سوداء»يتقصى ما تخبئه من طاقة التنوير الشعري في مجال الصورة،من فعاليات متعددة ذات نشاط خلاق مشترك،ووضع له عنوان»التنوير التصويري:من البقعة إلى اللقطة الشعرية»،فالبقعة الشعرية الأرجوانية،كما يرى تتكون داخل المجال التشكيلي للصورة على نحو أصيل ومنتج،وتتفاعل مع حساسية التعبير الجمالي،وصولا إلى بناء لقطة شعرية تحتوي على طاقة تشكيلية تكاملية، تشع منها التماعات التنوير الشعري،كي توجه مستقبلات التلقي باتجاه كينونة اللقطة المكتفية بذاتها صوريا.
عتبة العنوان
في ما يتعلق بعتبة العنوان يرى عبيد بأنها إحدى أهم البقع الأرجوانية التي يشتغل عليها الشاعر،بوصفها مقدمة تنويرية أساسية توجه المسيرة الشعرية التالية للقصيدة،وفي ظل شيوع وتداول فلسفة العنونة على نطاق واسع،بعد تحول موضوع العتبات إلى مجال نقدي خصب،صارت عتبة العنوان المفتتح النقدي لكثير من الدراسات الحديثة في مقاربة النص الأدبي الحديث بمختلف أجناسه وأنواعه،ويضيف أن عتبة العنوان توصف لدى أكثر النقاد باعتبارها نصا صغيرا يمثل النص الكبير،وفي ما يتعلق بهذا الديوان الشعري،يرى عتبة عنوانه تنهض على بنية منفية بوساطة حرف النفي الأشهر»لا» وهي لا النافية للجنس،بوصفها حرفا ناسخا ينفي معنى الخبر في الجملة الأسمية.
سلطة التقديم
وما أن ينتقل إلى قراءة التقديم الذي وضعه الشاعر لديوانه يعلق قائلا،إن كثيرا من الشعراء يميلون إلى وضع تقديم يرصِّع أعمالهم بعتبة فيها سلطة ضوء عالية تمثل بقعة ارجوانية باثة لمزيد من النور الموحي،وجملة الجراح التقديمية،تمثل خطابا ذاتيا اشبه ببقعة أرجوانية سير ذاتية تحكي على نحو موجز عذاب الحياة،وعذاب الوطن وعذاب الغربة وعذاب الشعر،فيحشد الشاعر ما شاء له من الذكريات في اختصار للزمان والمكان،والحدث والرؤية،للبدء بمسيرة الألم من حافة الموت المتربص بالأشياء وعلى شفا غفلة منها.
يتوقف عند الإيقاع الصوتي في بنية النص الشعري،لأنه يجزم بأن القصيدة لا يمكن أن تتنازل عن هذه البقعة التنويرية الشعرية المخصوصة بـ»الصوت»،بوصفها تشكيلا إيقاعيا ضاربا في شعريته وتركيزه.
عتبة العنوانات
يشتغل محمد صابرعبيد في منهجيته النقدية على عتبة العنوانات،وفي ديوان الجراح يجد في الاندفاعة الأولى للعنونة بداية درامية ملحمية، تحيل على مرجعيات الدراما الإغريقية لتأخذ عنوان»الملهاة الدمشقية/لسان الجحيم»بما يشبه لافتة بانورامية تضم شبكة عنوانات فرعية،تفصّل مشاهد الملهاة وفصولها ولقطاتها واكتنازاتها الدلالية بما يضيء واحات تنويرية كثيرة، تشع على سطح التعبير الشعري. كما يلحظ مفارقة عالية الوضوح في عتبة عنوان الاندفاعة الأولى في شاشة الانطباع القرائي الأول بين»الملهاة الدمشقية» و»لسان الجحيم»وهنا يستدرك دلالة مصطلح الملهاة في الثقافة الإغريقية،فهي عكس»المأساة»،إذ تحيل الملهاة على الكوميديا في حين تحيل المأساة على التراجيديا،والعنوان الثاني»لسان الجحيم» هو عنوان تراجيدي بامتياز.
الصوت بقعة تنويرية
يتوقف عند الإيقاع الصوتي في بنية النص الشعري،لأنه يجزم بأن القصيدة لا يمكن أن تتنازل عن هذه البقعة التنويرية الشعرية المخصوصة بـ»الصوت»،بوصفها تشكيلا إيقاعيا ضاربا في شعريته وتركيزه،فيعتمد نموذجا نصيا عنوانه «سمكة آخيل/إنشودات»،ليكشف لنا أن الجراح وظّف مجموعة من الإنشودات لنسج بنية إيقاعية دلالية،تحرك الفضاء الشعري باتجاه إطلاق الصوت،عن طريق لقطات شعرية،تنضوي تحت لواء كل إنشودة منها. وإذ يتناول قصيدة»السائح في الليل»،يتقصى في قراءته عن أهمية المكان باعتباره العنصر الأصيل المؤلِّف للمرجعية الصورية القابلة للفهم والتصور،لدى طبقات مجتمع التلقي.وهذه القصيدة تبدو بالنسبة له من عتبتها العنوانية قصيدة لامكانية،لأن طبيعة الدال الخبري»السائح» تلغي على نحوٍ ما، فكرة الاستقرار المكاني،وتعبر عن فكرة التحول المكاني واختراق ثباته وتموضعه حول صورة معينة:
من عمر هذه الأقواس
والظلال
وَشَادَ المتاهة
أيُّ لعبة
وأيُّ مصير؟
تتجلى الروح الاستفهامية
التشكيل الصوري
توصَّل في قراءته لعدد من القصائد إلى قوة حضور التشكيل الصوري بطاقته التنويرية المشهدية،فالصورة تكتظ بحركة الدوال ليكون بالتالي المشهد الشعري،والصورة الشعرية،ينظر إليها بوصفها أحد أعمدة التشكيل الشعري،بمعية اللغة والإيقاع،ففي قصيدة عنوانها»رؤيا»يرى أنها متجوهرة حول ذاتها في بقعة شعرية أرجوانية مكتنزة، تكتفي بذاتها،ولا تحتاج إلى أي مكملات صورية إضافية.كما يرصد عبيد اشتغالا فنيا قائما على تجذير علاقة المكان بالأسطورة،والمكان من وجهة نظره بما ينطوي عليه من حرارة حضورية طاغية في الاعمال الفنية كافة،يظل فاعلا في طبقات النصوص واحتمالاتها،ومن غير الممكن تجاهله في بناء النص الأدبي والجمالي،والقصائد المعنية بهذا المنحى الاشتغالي يشير إلى أنها تقوم في طبقة مركزية من طبقاتها على شعرنة المكان، ومدَّه بما تيسر من العمق والغنى، بحيث يصل إلى مصاف الأسطورة.
عتبة الخاتمة
عتبة الخاتمة من وجهة نظر عبيد تقفل حركة النص على نقطة رسوّ نهائية، تجعله أكثر تماسكا،ويعلل أهميتها من حاجة القارئ للوصول إلى نهايات توفر له قناعة بجدوى قراءته للنص،ويضيف بهذا السياق، إن القارئ لا يشعر بالأمان القرائي،إلاَّ وهو يصل إلى هذه العتبة ليدرك أن رحلته القرائية مع النص قد انتهت،وفي ما يتعلق بخاتمة ديوان الجراح،التي سماها الشاعر «ما بعد القصيدة/برومثيوس راجعا في عربة»، فإنها وحسب وجهة نظره تأتي إمعانا في استثمار الطاقات الميثولوجية وتوظيفها واستدعاء علاماتها لتخصيب المقولة الشعرية في القصيدة.وعند تفكيكه لهذا العنوان يصل به تفسيره إلى أنه عنوان مثير على صعيد فهم معنى «ما بعد» بوصفه إحالة على ما هو غير شعري خارج جسد القصيدة،لأن القصيدة وفق دلالة هذه الجملة العنوانية، تبدو وكأنها قد اكتملت واستوت على ما تنوي إثارته من مقولات ليكون ما بعدها شيئا آخر.
«البقع الشعرية الأرجوانية»مقاربة جمالية في ديوان «لا حرب في طروادة، كلمات هوميروس الأخيرة»
المؤلف: محمد صابر عبيد .. دار نشر، خطوط وظلال للنشر والتوزيع
الطبعة الأولى 2020 – عدد الصفحات 236
٭ كاتب عراقي