ما العالم ليس إلا قصص وروايات وحكي. العالم يتكون من قصص، لا من ذرات، كما تقول الشاعرة والناشطة السياسية الأمريكية موريل روكسير. ربما تلك المقولة صائبة وحقيقية، خصوصا عندما تتمعن النظر إلى بعيد في بعض الأشياء التي تحصل لك وتعبر هكذا، وكأن لها فلكها الخاص تسلكه. من منا لم يصادف في حياته أشياء غريبة، من منا لم يذق طعم الغرائبية واللامعقول، مهما تمعنا فيها لن نجد تفسيرا مقنعا لها. قد لا نكترث لوقعها ونتركها هكذا، مهما حاولنا، لن نفلح في فك طلاسمها، لذلك لا نبالي بها، تبقى كيفما وجدت وكيفما هي.
قصص كثيرة تروى ويقترب أغلبها من الخيال ونسيجه المتداخل، تلك القصص تظل تحكى وتروى وتتقاذفها الألسن عبر أجيال، بدون أن تجد تفسيرا لها.. ربما لا يستطيع العلم مهما شحذ من أدواته أن يجد تفسيرا لها. هل فعلاً كلام كريس إمبي، على حق عندما قال، بأن أعظم الخرافات المنسوبة حول العلم، أنه لا يحوي أكثر من حقائق جامدة مملة، لكن تتبدد هذه الخرافة أمام القصص القوية التي نسجها العلم لمساعدتنا في تنظيم العالم وفهمه. من تلك الأشياء التي لا تفسر لها ولا نظرية علمية تسندها هي الاقتراب من حافة الموت، والدخول إلى تلك المنطقة السرمدية وما يرافقها. كل ذلك يحدث في وقت ضيق وفي لحظة خاطفة سريعة. الناس الذين يحظون بتلك اللحظة أو الميزة، هم من يحكون ما شاهدوه في تلك اللحظة الفارقة، التي يدخلون فيها وينفصلون عن العالم المحسوس، إلى عوالم أخرى مغايرة تماماً. ثلاثة أشياء تدعو للتفكير، وهي كلها مرتبطة بالموت. الأولى من يتحدث وهو على فراش الموت، عن رؤيته لأشياء كثيرة ووجوه تعبر من أمامه. ومنهم من يدخل في تلك اللحظة المفصلية للموت ثم يعود للحياة. وآخرون يتجسد الموت لهم لا نعلم بأي شكل، ما يجعلهم يفكرون ويحلمون بموتهم ويعتقدون بأنه يليق بهم.
الذين اقترب رحيلهم يرحلون، ولم تبق لهم إلا أيام أو ساعات يتحدثون عن أشياء يرونها ماثله أمامهم، وكأن غطاء قد أزيل وغشاوة من أمام عيونهم قد حطت، وأصبح بصرهم يخترق العالم المادي، لما وراء اللامرئي، واللا محسوس. وليس أدل من ذلك ما ورد في الآية القرآنية «فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد» (ق 22).
كان والدي قبل رحيله بأيام وهو على الفراش يحكي لنا عن مياه تجري من تحته ومن أمامه، يسمع خريرها يتدفق من حواليه مرة قال لي: تعال يا ولدي اقترب، أريدك أن تقطع لي بعضا من هذه الفواكة التي تحيط بي. تعجبت من الأمر، وقلت له أنت في المستشفى لا يوجد شيء غير أسرة وممرضين قال أنظر حولك سترى بستانا عامرا بالفواكه من كل مكان. ومرة وجدته يمضغ شيئا كأنه يأكل قال لي تعال واختر لك بعضا من الفواكة. ومرة رأيته يتحدث وأخبرني بأنه مع فلان وفلان، وذكر لي أسماء لناس رحلوا منذ سنوات طويلة. بعدها رحل عن عالمنا.
بعض الحكايات لناس يعيشون تجربة حقيقية للموت، يموتون جسديا وروحيا ويوارون الثرى لكنهم بعد فترة يعودون للحياة، وتزخر الروايات الشعبية بالكثير من الحكايات والقصص المشابهة. حكاية «مسحورة نزوى» وهي عن فتاة ماتت قيل إنها مسحورة ودخلت في غيبوبة وحالة موت ودفنت، وبعد فترة انتزعت من القبر وعاشت في كنف راعي غنم، إلى أن عادت إلى أهلها بعد سنوات وتعرفوا عليها. الفتاة حكت لهم عن تلك اللحظات التي عاشتها، كيف كانت تشاهد والدتها وأهلها وذويها يبكون عليها، ولحظات تكفينها وحملها في جنازة صامتة ، إلى أن وضعوها في القبر. تلك الحكاية لاتزال تسكن الذاكرة العمانية وتروى للأجيال.
حكى لي أحد الأخوة وأتذكره كان إعلاميا.. كيف عاد إلى الحياة بعدما دخل في أعداد الأموات، ما هي إلا لحظة بسيطة وسريعة جعلته بالفعل يقترب من حافة الموت، عندما تعرض لحادث اصطدام بسيارته، ذكر بأنه للحظات أغمض عينيه ودخل في لحظة اللاوعي أو لحظة الموت. في تلك اللحظة كان يشاهد ويسمع ناسا يتجمعون حوله، وبعضهم يصفق بكفيه أسفاً عليه. لكن فجأة عادت له الحياة، واستطاع لاحقا أن يخبر الناس الذي هبوا لنجدته عن تفاصيل اللحظات التي عاشها، وبالتفاصيل. يقول بأنه شاهد أشياء كثيرة في تلك اللحظة، وكأنه دخل في فردوس، لكنه لا ينسى تلك الروائح الزكية النفاثة، التي علقت فيه، والمكان الأخضر ونهر مياه يتدفق وزقزقة عصافير ووجوها لأناس رحلوا عن عالمنا.
أما الشاعر نزار قباني فيذكر بأنه عندما شعر بأن الموت ساعته تقترب منه أكثر، لبس بذلته وربطة عنقه، وتزين لذلك وقال بأنه يريد أن يستقبل الموت وهو في أبهى شكل وفي كامل أناقته.
المغنية وكاتبة الأغاني باتي رينولدز تعرضت في عام 1991 لنزيف حاد في الدماغ، ومرّت في حالة غيبوبة شديدة، وتوقف قلبها تماما، وكانت تعتبر ماتت فعليا وتوقف قلبها، لكن بعد عمليات متواصلة نجح فيها الأطباء أن تعود للحياة من جديد. تروي باتي حكايتها في ما بعد عن تجربتها مع الموت أو الاقتراب منه. وتقول بأنها خرجت من رأسها، وكانت تحلق في أعلى الغرفة ونظرت للأسفل فرأت 20 شخصا يحيطون بها حول طاولة العمليات، سمعت أصوات مثقاب طبيب أسنان وحديث الجراح وإحدى الممرضات، ورأت نفقا وضوءا ساطعا، في تلك الفترة تحدثت إلى عمها وجدتها المتوفيين، بينما كان الأطباء يعيدون تشغيل قلبها، قرع أذنيها عزف أغنية «فندق كاليفورنيا» لفريق إنجلز، وسعدت كثيراً بالمفارقة التي يحملها جزء الاغنية الذي يقول «يمكنك أن تدفع الحساب، في أي وقت تشاء، لكن لا يمكنك الرحيل أبداً». ظلت باتي في حالة الهذيان لكن الشهود وسجلات المستشفى أكدوا صحة جميع التفاصيل التي ذكرتها، لكن كيف تسنى لها ذلك وهي ترقد فاقدة الوعي، وفي حالة غيبوبة شديدة ويمكن أن يقال إنها في حالة موت سريري.
مسألة أخرى تدعو للتفكير وهي، هل يختار الإنسان نهايته بنفسه، أم على الأقل يتمنى نهاية سعيدة قد يدركها ، وقد لا يدركها تترك أثرها في ما بعد وتخلد ذكراه؟ الموت قد يأتي دراميا أو مثاليا أو غير متوقع أو صدفة، قد تكون جميلة كما ينظر لها. فهذا لاعب الشطرنج بوبي فيشر مات في الرابعة والستين من عمره، وهو عدد مربعات رقعة الشطرنج، وهذا الممثل هارولد نورمان الذي لقي مصرعه أثناء مبارزة بالسيوف في مشهد من مسرحية (ماكبث). ودون دوران الذي فارق الحياة في صالة البولنغ عام 2008 بعدما سجل للعبته المثالية بنتيجة ثلاثمئة نقطة صافح زملاءه في الفريق ثم فارق الحياة. وكلنا يتذكر نهاية الفنان طلال مداح عندما سقط على خشبة المسرح عام 2000. والأمثلة الشعبية الإسلامية، تقول بأن الكثير من المسلمين يحلمون بالموت في يوم الجمعة. وهناك نكته تقال جرياً على ذلك بأن الفقير محسود حتى على موتت الجمعة.
أتذكر الكاتب التونسي الراحل العفيف الأخضر، ذكر في أحد اللقاءات التي أجريت معه، وكان وقتها قد اشتد به المرض، ذكر بأنه عندما يشعر بأن الموت قد اقترب منه لن يدعه يهزمه، وهو من يقرر نهايته، سوف يختار بنفسه الموتة التي يريدها، والتي يحلم بها. قام بمحاولة إنهاء حياته بالانتحار في حزيران/ يونيو 2003 في منزله في باريس، وقد ترك رسالة قبل ذلك ذكر فيها، أن السرطان الذي تفشى في جسمه، وأن المرض بات في مراحل متأخرة، وأخبره الأطباء بأن لا أمل في شفائه، كما أنه لم يعد قادرا على الكتابة بعد، لأن يده أصيبت بالشلل، وكان يستعين ببعض الأصدقاء على الكتابة، وكان يملي عليهم ما يرغب في الكتابة، لكنه سئم ذلك، كما أنه لم يكن أحد يعتني به في أواخر أيامه. فارق الحياة في 27 تموز/يوليو 2003.
أما الشاعر نزار قباني فيذكر بأنه عندما شعر بأن الموت ساعته تقترب منه أكثر، لبس بذلته وربطة عنقه، وتزين لذلك وقال بأنه يريد أن يستقبل الموت وهو في أبهى شكل وفي كامل أناقته. وقبل ذلك كتب تيسير الشبول «سأسقط لابد أن أسقط يملأ جوفي الظلام». أطلق النار على رأسه في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1973. الشاعر الأردني خليل حاوي اختار أن يطلق النار على رأسه في 6 حزيران/يونيو عام 1982. والشاعر المغربي كريم حومار كتب لصديقه قبل انتحاره «عين الاشباح تطاردني صباح مساء». انتحر بشنق نفسه في 4 آذار/مارس 1997.
الرئيس العراقي الراحل صدام حسين قال بأنه يفضل أن يموت رميا بالرصاص كونه عسكريا، موتا يليق بنضاله وتاريخه العسكري، لكن ذلك لم يتسن له، فكانت موتته وفقا لما قرره جلادوه.
السؤال هو، حين يتوقف المخ عن العمل، أين يذهب العقل؟ لا أعتقد بأن العلم يجد تفسيرات مؤكدة لها، لكن بالتأكيد يجد الكثير من القصص حول ذلك، أهي قصص أم نظريات علمية مشفوعة بالأدلة والبراهين؟ قد يلجأ العلم إلى التخمين والاحتمالات وصوغ النظريات وغيرها، فالعلماء يسيرون نحو الحد الفاصل بين ما يعرفونه وما لا يعرفونه، وهناك مكمن الإثارة، على حد تعبير كريس إمبي. لن تتبدد تلك القصص والحكايات وسوف يتزايد وتيرتها مع مرور الزمن وتقدم العلم.
٭ كاتب عماني