حرب كورونا أو الاستعارات التي تقتل

تميز الكائن البشري عن غيره من الكائنات الأخرى بقدرته على احتواء العالم ووضعه في معجم ذهني محدود، قادر من خلاله على توليد ما لانهاية من التعابير المنزاحة عن أصل وضعها، فالخزينة المعرفية التي يكتسبها الإنسان هي خزينة محدّدة لفظيا، لا يمكن إغناؤها وفتح قوسها دائما، وكون الإنسان قادرا على إعادة تقليب الجمل وتبديل ترتيبها، ولّد لديه آليات ذهنية تجعل قدرته على إنطاق الصامت، وإحياء المستكين لانهائية. وبالتالي، يكون شرط الاقتصاد المفرداتي متحققا في الوهلة الأولى مساعدا على بناء ذاكرة فردية وجماعية، ليتحقق بعده شرط التوليد الدلالي الدّاعي إلى تناسل جملي بشكل غير محدود.
نفهم إذن، أن لغة الإنسان محدودة في ألفاظها الأولية متّسعة باستعاراتها وانزياحاتها التعبيرية، «إن التغيّر الطفيف في حقيقة الشيء يضع هذا الشيء في حالة الاستعارة» (تيرنس هوكس) أي أن زحزحة الكلمة من علاقتها الاعتباطية بالشيء الذي أسندت إليه في لحظة التواضع الأولى، يمنحها دلالات أخرى لم تكن في الحسبان، لذلك، ومن خلال المرجعية الأمريكية في الأساس (جورج لايكوف ومارك جونسن) المتجسدة من خلال العنوان المحوّر عن كتاب جورج لايكوف «حرب الخليج أو الاستعارات التي تقتل» آمنا بحياة الاستعارة وعيشنا في كنفها، فالإنسان كائن استعاري بطبعه، يتلذذ بمخالفة الثابت والأكل من الشجرة الممنوعة/ المباحة، لا يحيا إلا مع الانزياحات والاستعارات. أمام هذه الحقيقة، نستيقظ اليوم على واقع أضحى فيه ترياق الحياة هو نفسه السم اللاذع الذي ينخر عروقنا، هي نفسها الاستعارة بكلّ أركانها ومكوناتها، بعد أن أحيتنا لزمن بدأت تتخلص من أبنائها، أضحت تأخذ محمولات دلالية تركيبية، تضع الإنسان في عالم مظلم يغيب فيه العقل ليحضر فيه الكهنوت والخرافة.

استعارات حربية

نحن في حالة حرب/ العدوّ ليس في الخارج وإنما يكمن في داخلنا/ حالة الطوارئ/ مسافة الأمان/ حظر التّجوال/ المسنّون سيتركون للموت/ الجيش الأبيض في الصفوف الأمامية. كلّها استعارات ميّتة تاريخيا انتهى عهدها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تستحضر ـ في بعض الأحيان- إعلاميا مع انزلاق عسكري في مرّة من المرّات هنا وهناك. لكن اليوم، هي استعارات مترجمة من لغة إلى أخرى مطبّقة في كلّ بقاع الأرض، أصبحت مكونا من مكونات معمار الذهن البشري في الزمن الكوروني، فالاستعارة «باعتبارها عملية معرفية تقوم بدور الوسيط بين الذهن والثقافة» (عبد الاله أسليم) جعلت العالم بؤرة سوداء داخل حرب رمزية تعطّل فيها التفكير واحتجز العقل في مقبرة الخوف والتوهيمات الأيديولوجية، مثلا الاستعارة الأولى التي ذكرت سلفا «نحن في حالة حرب»؛ جملة استعملها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للتأكيد على خطورة الوضع وتأزمه، لكن إذا تأملنا العبارة يتبين لنا أنها صيغة مبتذلة مكشوفة المعنى، لا تأويل لها إذا وضعت في سياق الهجوم العسكري وردّه وتبادل القذائف.
أما اليوم، وباستعمالها في مسار تواصلي سياقه لا يحتم استحضار كواليس النازية وألاعيب الحرب الباردة، تلجأ الدولة إلى مثل هذه الاستعارات لتجاوز حدودها القانونية، وإباحة الاستبداد والغطرسة من جديد. متتاليات لغوية بسيطة فتحت قوس التأويل الديناميكي على مصراعيه وجعلت «الخروج من البيت مغامرة خطيرة» (كافكا) قد تؤدي إلى اعتقالك كمجرم فارّ من العدالة.

إن مستقبل التلقّي سيجود علينا بانزياحات لغوية وانحرافات تعبيرية تمأسس وضعا كونيا جديدا، هي عملية بناء أساطير جديدة وخرافات إيمانية تعزّز فردية الإنسان وتُشَرْعِن سلوكاته الأحادية، ملغيا كل المواثيق الحقوقية والضوابط الاجتماعية

يقول الفيلسوف الفرنسي ألان باديو «قامت جائحة كورونا بتبديد النشاط الجوهري للعقل وإجبار الأشخاص على العـــودة إلى التقليد كالتصوف والتخريف واللعنة والصلاة» كلّ ما وصل إليه المجتمع من تقدّم ورقيّ، نابع من إعمال العقل وتكسير كلّ القيود التي وضعتها الآلهة وحجّرتها التقاليد، بدأ في التلاشي والاندثار، ليتقهقر إنسان الإنترنت إلى ردهات الظلمة إلى اللحظة الأولى، عائدا إلى كهف أفلاطون رافضا رؤية الحقيقة، ومقتنعا بالخيالات الإعلامية والرسائل الإلكترونية التي تنثال عليه.

الاستعارات والسلوك الجديد

روزنامة من الاستعارات لاكتها ألسن ضحايا بوعي أو بدون وعي، جمل بسيطة في مفرداتها ميتة في دلالتها، لم يكن لها أدنى وقع في ما سبق، أدخلت الإنسان اليوم، أو بتوسّط من وسائل التواصل الاجتماعي، في أزمة اللايقين والانفلات من الزّمن، الجميع ينتظر لحظة الإعلان عن عدد المصابين، خوفا وهلعا وتضرّعا للإله. أمام هذا الوضع، تمادت الاستعارات في التوالد إلى درجة مخالفة أبسط حقوق الإنسان ومبادئ الأخلاق العسكرية، ذاك ما أكده الفيلسوف سلافوي جيجك: «إن إعلان إيطاليا عن إمكانية حرمان المسنين وأصحاب الأمراض المزمنة من الرّعاية الصحية، في حالة تفاقم الوضع ويتركون للموت، انتهاك أبسط مبادئ الأخلاق العسكرية، التي تنص على وجوب معالجة المصابين بعد المعركة». الرّاجح إذن، أن تغيّر السلوك الإنساني ونمط التّفكير ومبادئ بناء المجتمع لا تكون بإرادة فردية أو جماعية، إنما هو تبديل نابع من سلطة اللغة وجبروتها، فترتقي بالإنسان، تارة، إلى عالم مثالي أفلاطوني تحضر فيه الحقوق ويتلذّذ فيه الفرد بوجوده، وتدنو به، تارة أخرى، إلى عالم جورج أورويل ومزرعته، فيعمل ويتعبّد ويخاف وينتظر، بدون القدرة على الكلام أو المعارضة. الأفواه ـ عموما- غلّقت بكمامات من ثوب، والعقول حجّرت بمترايس كيديّة.
الاستعارة، إذن، حاملة السمّ والترياق، تحيي وتميت، ربة الخصب والعطاء في أثينا، وحارسة بثلاثة رؤوس للعالم السفلي، ديدنها التغير حسبما يجود به إله الزمن، «إن فكرة الاستعارة نفسها تتشكل في أي وقت عبر ضغوط لغوية مجتمعية، وتكون بالإضافة إلى ذلك محكومة بزمنها الخاص. فالاستعارة ليس لها شكل نقيّ دائم (تيرنس هوكس) كلّما استيقظ الإنسان على وقع خبر ما تهيّأ نفسيا لاستقبال مقولات استعارية جديدة، سواء من ثقافته الشعبية الشفهية، أو من أهل الرأي والفكر وثقافته الرسمية.

الاستعارات والمستقبل

إن مستقبل التلقّي سيجود علينا بانزياحات لغوية وانحرافات تعبيرية تمأسس وضعا كونيا جديدا، هي عملية بناء أساطير جديدة وخرافات إيمانية تعزّز فردية الإنسان وتُشَرْعِن سلوكاته الأحادية، ملغيا كل المواثيق الحقوقية والضوابط الاجتماعية، فاستعارة «التباعد الاجتماعي» الموظفة اليوم بكثرة، ومسافة الأمان التي يتعامل بها الفرد، ما أن تقع عيناه على عين صديق أو رفيق، أكبر دليل على رغبة الإنسان في تمجيد الفردانية، وتحويلنا إلى حشود فاقدة لقيمة المشترك ومعنى النحن، جموع موحّدة مكانيا منعزلة نفسيا، ذلك ما أكّده الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين «بأن استعارة التباعد الاجتماعي هي، كلمة مخفّفة للمصطلح القاسي المتمثل في ترسيم الحدود» بين الذوات، ووضع أخاديد فاصلة رمزيا بين أفراد يعيشون في المنزل نفسه، موتا إكلينيكيا/ منزليا، وبداية نهاية القيم الاجتماعية الكبرى.
الملاحظ، إذن، أن حياة الفرد اليوم ومستقبلا- في ظل ما يتخبط فيه من حروب واقعية ومغالطات إعلامية وتمويهات رقمية- هي حياة استعارية بامتياز، كينونة لغوية جديدة نبراسها مخالفة الدال للمدلول، في رحلة أورفيوسية دائمة مع الحفاظ على مبدأ المشابهة؛ فاستعارة اللغة الحربية من معجمها المدثر بدماء الضحايا، ووضعها في سياق وبائي مرضِيٍّ لا منجنيق فيه ولا قذائف، راجع إلى التشابه القائم بين الوضعين، تماثل في القتلى والمرضى، والاحتراز والتوجّس، والخوف من العدو المتربّص، «فكثير من كلامنا استعارات اضطرارية تعكس الرغبة في الاقتصاد» (عبد الإله سليم) لا حاجة لنا إلى معجم جديد مع كلّ ظرف طارئ، ولا إلى بَنينَة لغة واصفة مواكبة لكلّ متغير، فالواقع فكرة مبتذلة يحتاج إلى استعارات لإحيائه وبعثه من جديد.

٭ كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية