من الاستعارة المكنية قديما إلى الصورة اللامعقولة حديثا

في تراثنا النقدي البلاغي القديم، كانت الاستعارة «المكنية التخييلية» و«الترشيحية» هي التي استمالت قراء الشعر، فاشتغلوا بها واهتموا وأصابهم بسببها عنت غير يسير، وصرفوها إلى قضية بلاغية تتعلق بالمصطلح نفسه على نحو ما نجد عند السكاكي والقزويني والعاملي والشهاب الخفاجي، وغيرهم من قدماء ومن معاصرين أيضا. من هذه الصور التي ظلت قرونا متعاقبة موضع خلاف واختلاف بين القدامى صورة «ماء الملام» لأبي تمام:
لا تسقني ماء الملام فإنني صب قد استعذبت ماء بكائي
فقد توسع فيها الصولي أول شراحه، وتأولها على أنها من باب حمل اللفظ على اللفظ في ما لا يستوي معناه، فكما قال في آخر البيت «ماء بكائي» قال في أوله «ماء الملام» فأقحم اللفظ على اللفظ، إذ كان من سببه؛ وسوغ هذا الإجراء بالقرآن مثل «فبشرهم بعذاب أليم» والبشارة إنما تكون في الخير لا في الشر، ولكنه حمل لفظا على لفظ». واحتج بأن لفظة «الماء» من الجاري المستعمل في شعر العرب وفي المأثور من كلامهم وهم يقولون «كلام كثير الماء» و«ما أكثر ماء شعر فلان» و«ماء الصبابة» و«ماء الهوى». ونحا الآمدي منحى الصولي، وإن خالفه بعض الشيء؛ فأجاز الاستعارة ودلل على «صحتها»؛ إذ لما أراد أن يقول «قد استعذبت ماء بكائي» جعل للملام ماء؛ ليقابل ماء بماء، وإن لم يكن للملام ماء على الحقيقة»، وبيّن أن العادة جارية أن يقال: جرّعته من القول كأسا مرة، فلما استعمل في الملام التجرع على الاستعارة جعل له ماء على الاستعارة. وعارض ابن المستوفي الأربيلي الصولي، وبيّن الوجه في حمل اللفظ على اللفظ، وهو أن يكون مقيدا. قال: «والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير، وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيدة»، وخلص إلى أن استعارة أبي تمام قبيحة، وإن اعتذر له بما اعتذر الصولي.
ولم يشفع لأبي تمام احتجاج الصولي ولا الآمدي، فقد ظلت صورة «ماء الملام» تترجح بين الرفض والقبول، وكانت لهؤلاء مواقف وإشارات لطيفة يمكن الإفادة منها في قراءة الصورة المشكلة في شعرنا الحديث، وتحديدا في كثير من قصيدة النثر؛ ذلك أن مقابلة اللفظ باللفظ لا تحسّن في المواضع التي يعترض فيها القارئ فساد في المعنى أو خلل في اللفظ كهذه الاستعارة. من ذلك قول الخفاجي «وليس يحسن بنا أن نقابل اللفظ باللفظ في موضع الكلام، قياسا على مقابلة اللفظ باللفظ في قوله تعالى» وجزاء سيئة سيئة مثلها». والعلة في الجميع واحدة وهو أن المجاز لا يقاس عليه» أي هو غير معياري. والبيت إنما عِيبَ لأن العرب «تستعير في كلامها لكل ما يحسن منظره وموقعه ويعظم قدره ومحله، فتقول ماء الوجه وماء الثياب وماء السيف وماء الحياة وماء النعيم»، ولكن اللافت أن لا أحد من هؤلاء الذين ذكرنا، استخدم في معالجة هذه الصورة مصطلح «الاستعارة المكنية»، أو الاستعارة المكنية التخييلية « حتى عند المتأخرين منهم، بل هم ترجحوا بين مصطلحي «التشبيه» و»الاستعارة»، وجمعوا بينهما في سياق واحد، فقد عد ابن الأثر هذا «التشبيه» متوسطا لا يحمد ولا يذم، وهو في تقديره قريب من وجه وبعيد من وجه؛ وعلل سبب القرب أن الملام مختص بالسمع، لأنه قول يعنف به الملوم، فنقله أبو تمام من حاسة السمع إلى حاسة الذوق؛ أي أنه توخى بمصطلحاتنا اليوم أسلوب «تجاوب الحواس» (وتجاوب أصح من تراسل)، أما سبب البعد فمرده إلى «أن الماء مستلذ والملام مستكره» فحصل بينهما مخالفة من هذا الوجه». فإذا انتقلنا إلى السكاكي (ت. 626 هـ) والقزويني (ت.739هـ) وجدنا أنفسنا في الصميم من الدرس البلاغي، فالخلاف بينهما في حد المصطلح أكثر منه في معنى البيت. والسكاكي يرى أن التخييلية يمكن أن توجد دون المكنية، وأن قرينة المكنية تارة تكون تخييلية، أي مستعارة لأمر وهمي كأظفار المنية، وتارة تكون تحقيقية أي مستعارة لأمر محقق كـ»ابلعي ماءك» في القرآن، وتارة تكون حقيقة كقولهم: أنبت الربيع البقل؛ فلا تلازم بين التخييلية والمكنية، بل يوجد كل منهما دون الآخر. وقد استدل السكاكي بقول أبى تمام «لا تسقني ماء الملام» فإنه قد توهم المكنية شيئا شبيها بالماء واستعار اسمه له استعارة تخييلية غير تابعة للمكنية. والسكاكي يشدد في الاستعارة على التصريح بأن يكون الشبه بين المستعار له والمستعار منه جليا بنفسه أو متعارفا سائرا بين الناس؛ فإن لم يكن ذلك كذلك لم تعد الاستعارة استعارة ودخلت في باب التعمية والإلغاز كما إذا قلت: «رأيت عودا مسقيا أوان الغرس، وأردت إنسانا مؤدبا في صباه». وحاصل رأيه أن الاستعارة في الألفاظ فقط من غير الاستعارة بالكناية أنه لا استعارة مع التصحيح بالتشبيه، وأبو تمام إنما استعار الماء للملام لأنه تخيل الملام شبيها بالماء، من غير أن يشبه الملام بشيء مكروه له ماء. وعليه فقد استهجن السكاكي هذه الاستعارة؛ لأن حسن الاستعارة التخييلية يكون بحسب حسن الاستعارة بالكناية.
أما القزويني وإن عدّ الصورة تشبيها، فمذهبه أن الاستعارة التخييلية لا تنفك عن المكنية، إذ يجوز أن يكون أبو تمام شبه الملام بظرف الشراب لاشتماله على ما يكرهه الملوم، كما أن الظرف قد يشتمل على ما يكرهه الشارب لمرارته، فتكون التخييلية في قوله تابعة للمكنى عنها؛ أو شبه الملام بالماء نفسه، لأن اللوم قد يسكن حارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل العطشان.
والطريف أن المناسب للعاشق، عند القاضي الجلبي «أن يدعي أن حرارة غرامه لا تسكن لا بالملام ولا بشيء آخر، فكيف يجعل ذلك وجه شبه؟» ما نخلص إليه من الإضاءة السالفة أن صورة «ماء الملام» تقلبت عند القوم في أطوار عدة فتصرفوا فيها، وقد احتشدوا لها بالشعر والقرآن والمأثور، وحولوها عن وجهها وانتقلوا من ظاهر إلى باطن ومن مشكل معنى إلى مشكل اصطلاح؛ وهي ما بين أسرار وإعلان تخفي وتستتر حتى يكاد لا يُعرف فيها وجه من وجه. فوقف بعضهم على تخوم المعنى الظاهر وعلى حدود التركيب، وحمل اللفظ على اللفظ لا يبرحها. وتوخى بعضهم طريق التشبيه لما ترسخ لديهم من أنه الأصل في بنية الاستعارة. وربما لم يكن ذلك بالفهم الجائر منهم، إذ كان يصعب عليهم مثلما يصعب على كثير من المعاصرين أن يتصوروا الاستعارة منفصلة عن بنية المشابهة، منفرقة عن العلائق التي تربط بين أطرافها «لأن موضوع الاستعارة ـ كيف دارت القضية ـ على التشبيه». وذلك حتى في صنف من «الاستعارة الصحيحة» مما «لا يحسن دخول التشبيه عليه «بعبارة عبد القاهر وذلك «إذا قوي الشبه بين الأصل والفرع حتى يتمكن الفرع في النفس بمداخلة ذلك الأصل والاتحاد به وكونه إياه»، فعدم دخول كلم التشبيه لا يعني انتفاء المشابهة بل ثباتها وتمكنها، إذ يجوز في هذا الصنف من الاستعارة حكم الشبه ويتصرف في طرفيها وفق مشيئته، حتى ليستحكم في الصورة ويتمكن على قدر ما يستحكم على متلقيها ويتلبس. وكأن الشبه لخفائه شبهة أو اشتباه أو التباس، بل هو كذلك في الاستعارة من حيث هي «بنية تداخل بالمطابقة» تمحي فيها الحدود والفواصل بين الأشياء والماهيات، فإذا كانوا قد اختلفوا في «لا تسقني ماء الملام»، فإن اختلافهم فيها ليس في معناها، أو دلالتها ولا هو في صوابها أو بطلانها، أو في حسنها، أو رداءتها حسب، وإنما هو في وصفها وفي المصطلح الحقيق بها أيضا، وهذا اختلاف يغير من جوهر القضايا المطروحة وطريقة تمكنهم من ناصية المعنى في الاستعارة. ومنه تتفرع وجوه النظر متجاذبة حينا متدافعة حينا. ولعل هذا ما يحسن أن نتقصاه في أكثر قصائد النثر على نحو ما يقوله س. موريه في مصنفه «الشعر العربي الحديث 1800/1970 تطور أشكاله وموضوعاته بتأثير الأدب الغربي»: «… والشعر عند انسي الحاج وشعراء قصيدة النثر… تغلب عليه الرؤى والصور اللامعقولة التي توحي باضطراب عالم الشاعر الداخلي وتشوشه؛ وتشبه هذه الصور ما يلوح من أوهام ورؤى للخيال المتحرر بالنوم، من سلطان الوعي ورقابته، بطريقة تجعل الشاعر العربي أكثر اقترابا من السرياليين…» وهذا مما يقتضى بعض إفاضة في توضيح النظرة الفنية التي يستمد منها شعراء النثر مواقفهم؛ وهي تخالف تلك العناصر الأربعة في بناء الصورة قديما : المعنى الحقيقي والمدلول المجازي وعلاقة المشابهة والقرينة. والصورة اللامعقولة لا قرينة لها سوى المعنى الانفعالي، أو الرمز غير المتجانس.

كاتب وشاعر تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية