اكتملت ملامح طرفي نهائي دوري أبطال أوروبا، ببقاء باريس سان جيرمان في العاصمة البرتغالية “لشبونة” حتى يومنا هذا، بعد الفوز المريح على منافسه الألماني لايبزيغ بثلاثية بلا هوادة على ملعب “النور”، تماما كما فعل بايرن ميونخ مع خصمه الفرنسي ليون بنفس النتيجة، ليضرب العملاق الباريسي ونظيره البافاري، موعدا في أول نهائي فرنسي ألماني منذ سبعينات القرن الماضي، عندما خطف البايرن الكأس من سانت اتيان بهدف فرانز روث.
ضيف شرف جديد أم السادسة؟
لا يُخفى على الصغير قبل الكبير، أن حلم رجل الأعمال القطري ناصر الخليفي، هو كسر عقدة الكأس ذات الأذنين، تلك البطولة، التي استعصت على المشروع الكبير، الذي وُضع حجر أساسه قبل تسع سنوات، فيما هو أشبه بالإعلان عن مولد غول جديد في أوروبا، يملك ما يكفي من المقاومات والإمكانات والقدرة الشرائية لبناء فريق لا يقل جودة عن عملاقي الدوري الإسباني ريال مدريد وبرشلونة وكبار إنكلترا وإيطاليا وألمانيا، بل يفوق الكثير منهم، متسلحا بالساحرين نيمار جونيور وكيليان مبابي على رأس كتيبة المواهب والخبرات، التي سطرت تاريخ الفريق الباريسي الحديث، والآن، لم يعد يفصله عن حلمه سوى 90 دقيقة على أرضية ملعب “النور”، بعد قطع 50% من الطريق، بالوصول للمباراة النهائية للمرة الأولى في تاريخ النادي، ليكون “إلبي إس جي” البطل رقم 23 في تاريخ المسابقة، أو يقبض الفريق البافاري على الكأس السادسة في تاريخه، بحكم تمرسه وخبرته على هكذا مواعيد، باعتباره ثاني أكثر الفرق خوضا للنهائي، بعد معادلة رقم ميلان في الوصول للمباراة الأهم (11 مرة)، الفارق أن ميلان فاز بسبعة والبايرن خسر خمسة وفاز في مثلهم قبل نهائي اليوم الحادي عشر.
الأوفر حظا
صحيح الفريق الألماني اكتسح برشلونة بثمانية أهداف للتاريخ مقابل اثنين في إذلال ربع النهائي، لكن مواجهة ليون، أظهرت المشاكل التي يعاني منها هانزي فليك ورجاله، والتي تظهر بوضوح في البطء الغريب في ارتداد جوشوا كيميتش في الحالات الدفاعية، ذاك المشهد الذي أسفر عن هدف ألابا، الذي جاء بالنيران الصديقة لحظة إبعاده عرضية جوردي ألبا، وانكشف أكثر أمام ليون، الذي تفنن مهاجموه في إهدار الفرصة السهلة تلو الأخرى، بداية من انفراد ممفيس ديباي في أول ربع ساعة مرورا برعونة الكاميروني كارل إيكامبي، الذي أهدر بمفرده ما لا يقل عن 3 فرص محققة بنسبة تزيد عن 90%، منهم تسديدة ارتدت من الألواح الخشبية، بينما باريس سان جيرمان، فلم يعط ممثل شركة مشروبات الطاقة العالمية فرصة للتنفس أو دخول المباراة، بأخذ زمام المبادرة في أول 13 دقيقة، معها ظهرت الفوارق الفنية الشاسعة بين الفريقين، بالسيطرة على كل متر في الملعب، مع تحكم واضح في نسق المباراة، بمنظومة جماعية ترجع في الأساس للمدرب توماس توخيل، الذي توصل أخيرا للخلطة السحرية، ليتحول إبداع نيمار ومبابي إلى خدمة الفريق والجماعة على حساب أي شيء فردي، ونفس الأمر بالنسبة للأرجنتيني أنخيل دي ماريا، الذي يبدع في استغلال المساحات وانشغال المدافعين بثنائي الأحلام.
وحال قامر فليك باللعب بنفس إستراتيجيته أمام البرسا وليون، فسوف تكون العواقب وخيمة، للفارق الكبير بين سرعة ومهارة مهاجمي بطل الليغ1 وبين نظرائهم في البرسا وليون، لنا أن نتخيل أن يكون نيمار في موقف لاعب ضد لاعب مع كيميتش في آخر 20 متر في الملعب، وفي العمق يركض كيليان مبابي بالسرعة المعروفة عنه بجانب جيروم بواتينغ، الشيء المؤكد، لن تكون النهاية على طريقة ديباي أو جوردي ألبا، وهذه ستكون واحدة من أهم التفاصيل الفارقة في المباراة، إما أن يتعلم الفريق الباريسي من أخطاء برشلونة ومنافسه في فرنسا، باستغلال الثغرة الدفاعية البافارية، ليجبر خصمه على فتح خطوطه منذ البداية، وهذا ما يحلم به توخيل، ليمتع عينيه بما سيفعله الساحرين في المساحات الفارغة في الثلث الأخير من الملعب، أو يحدث العكس، باستقبال هدف بلعبة فردية من نجم البطولة سيرجي جنابري أو بلحظة خارقة من روبرت ليفاندوفسكي، وهنا، توخيل هو ما سيضطر للمغامرة لتعويض تأخره، وأيضا هذا ما يريده فليك، لينصب السيرك باستغلال فارق السرعة بين جنابري وبريسيتيش وبين تياغو سيلفا وكيمبيمبي –كثير الأخطاء-، على غرار ما حدث في بيكيه وليغليت في مباراة الثمانية، وما سبق، يعكس مدى تقارب فرص الفريقين في الفوز باللقب، بخلاف الحقيقة الثابتة، أن المباريات النهائية قابلة لأي سيناريو، بما في ذلك أن يخسر الطرف الأفضل.
أفكار وتكتيك كل مدرب
دائما يعتمد مدرب بوروسيا دورتموند السابق على أسلوبه المفضل 4-3-3، معتمدا على الحارس كيلور نافاس بعد تعافيه من إصابته، وفي الدفاع، قد يعتمد على ماركينيوس بجانب مواطنه القائد في قلب الدفاع، وعلى اليسار خوان بيرنات واليمين ثيلو كيرير، وفي الوسط، بنسبة كبيرة سيعود ماركو فيراتي إلى التشكيلة الأساسية، بعد تخلصه من الانتكاسة ومشاركته في آخر سبع دقائق أمام لايبزيغ، ليرافق المتألق لياندرو باريديس وأندير هيريرا أو لاعب ثالث آخر، وأمامهم الثلاثي دي ماريا ومبابي ونيمار، بينما فليك، يلعب برسم 4-2-3-1، في حراسة المرمى مانويل نوير، وأمامه الرباعي ألفونسو ديفيز، دافيد ألابا، جيروم بواتينغ وجوشوا كيميتش، أمامهم ثنائي الارتكاز ليون غوريتسكا وتياغو ألكانتارا، ثم الثلاثي الطائر جنابري، بريسيتش وتوماس مولر وفي الأمام ليفاندوفسكي كرأس حربة، وباستعراض أسلوب والعناصر المتاحة لكل مدرب، يظهر بوضوح أن كل مدرب لديه تفوق على الآخر في بعض المراكز، على سبيل المثال، في مركز حراسة المرمى، مانويل نوير يبعث الاطمئنان أكثر من نظيره الكوستاريكي، رغم فوزه بالأبطال 3 مرات من قبل مع ريال مدريد، بينما في الدفاع، فالأمور تبدو متقاربة إلى حد بعيد، باعتباره نقطة الضعف الواضحة للاثنين، لكن في الوسط، فالأفضلية تميل نوعا ما إلى الفريق الألماني، للحالة الرائعة التي يبدو عليها غوريتسكا وألكانتارا في المباريات الأخيرة، أما في الهجوم، فرغم وجود ليفاندوفسكي في الخط الأمامي للبافاري، إلا أن وجود نيمار ومبابي يرجح كفة الهجوم الباريسي، لإمكانية حدوث أي شيء إذا كان الاثنين في أفضل حالاتهم.
بشرى سارة للخليفي
من الأشياء التي تبعث السرور والتفاؤل في نفس الخليفي والمعسكر الباريسي قبل سهرة اليوم، التفوق التاريخي للنادي على البايرن في المواجهات المباشرة بينهما، والتي بدأت منتصف التسعينات في مرحلة المجموعات، وقد فاز باريس سان جيرمان في مباراتي الذهاب والعودة عام 1994، بواقع هدفين نظيفين في المباراة الأولى وهدف مقابل لا شيء في المباراة الثانية، وبعد ثلاث سنوات أخذ البايرن بثأره، بتحقيق أكبر نتيجة في تاريخ المواجهات بينهما، بفوز عريض بلغ قوامه لخماسية لهدف، وفي المباراة الثانية، حفظ “إلبي إس جي” ماء وجهه بثلاثية مقابل هدف، وتجدد النزاع عام 2000، بفوز باريسي بهدف نظيف في المباراة الأولى والخسارة في الثانية بهدفين دون رد، فيما كان الجيل الحالي للفريقين شاهدا على آخر صدام قبل ثلاث سنوات، بانتصار أصحاب “حديقة الأمراء” بنتيجة 3-0، وفي العودة رد البايرن على ملعبه “آليانز آرينا” بنتيجة 3-1، ما يعني أنه على غير المعتاد لا ينحاز التاريخ للبايرن على أحد خصومه المحليين أو القاريين، بواقع 5 انتصارات لممثل العاصمة الفرنسية مقابل 3 انتصارات لزعيم أندية البوندسليغا، غير أن الفريق الباريسي زار شباك ميونخ 12 مرة، واهتزت شباكه 11 مرة، لكن منهم 5 في مباراة واضحة، دليلا على أن باريس سان جيرمان من القلائل الذين لا يهابون اللعب أمام عملاق ألمانيا وأوروبا، قبل حتى وصول الإدارة القطرية مع بداية العقد الماضي .. فهل هي إشارة لاقتراب حلم الخليفي بالتقاط الصور التذكارية في قلب “حديقة الأمراء”؟ أم سيرفض البايرن التنازل عن النجمة السادسة ليتجاوز برشلونة ويتساوى مع ليفربول في عدد مرات الفوز بالبطولة؟ هذا ما سنعرفه مساء اليوم.