بين طرائف اتفاق التطبيع بين الإمارات ودولة الاحتلال، والتي أخذت ترشح تباعاً في الصحافة الإسرائيلية على وجه الخصوص (إذْ يستحيل، بالطبع، أن يُعثر عليها في صحف الإمارات)، أنّ وزير الدفاع بيني غانتس، الذي يحدث أيضاً أنه يتمتع بلقب “رئيس الحكومة البديل”؛ ووزير الخارجية غابي اشكنازي، وهو أيضاً عضو في تحالف “أزرق أبيض” المشارك في الحكومة الحالية؛ لم يسمعا بالاتفاق إلا عبر… وسائل الإعلام المختلفة!
سبب أوّل وراء هذه الحال هو أنّ عمليات الإنضاج الختامي للاتفاق عُهد بها إلى فريق دبلوماسي وأمني ضيّق النطاق، في واشنطن وتل أبيب بصفة خاصة، وكان “المكوك” الأبرز خلف سيرورات التواصل والتنسيق والهندسة من الجانب الإسرائيلي هو رئيس جهاز الموساد يوسي كوهين. وإذا كان رؤساء موساد سابقين قد قاموا بأدوار سرية مشابهة، بل يصحّ القول إنّ أياً منهم لم يعدم فرصة لقاء أو أكثر مع مسؤولين كبار في الإمارات أو السعودية أو البحرين، فإنّ كوهين ينفرد عن غالبية زملائه في تأسيس علاقات عربية وطيدة؛ كما في نشاطه، الذي افتُضح مؤخراً، مع الجنرال السوداني محمد حمدان دقلو.
سبب ثان هو هوية المستفيد الذي يقدّم له الاتفاقُ خدمة خاصة دعائية وسياسية، أي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (صاحب السجلّ شبه الصفر في ميدان السياسة الخارجية)، ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (الغارق في فضائح الفساد وتصدّع تحالفاته وتآكل ائتلافه الحاكم). فلولا الخشية من الصحافة لأطلق الرئيس الأمريكي على التطبيع الإماراتي – الإسرائيلي تسمية “اتفاق ترامب”؛ بدل ابراهيم الخليل. وأمّا نتنياهو، فللمرء أن يحدّث ولا حرج حول إغفال، أو استغفال، الشركاء.
سبب ثالث لعله يتصل بإدراك الأطراف الثلاثة أنّ الاتفاق صيغة معلنة تتوّج سنوات من التعامل السرّي، والعلني أيضاً في حالات غير قليلة؛ وبالتالي لا فريق ترامب رأى فائدة في توسيع نطاق الطبخة قبل إعلانها، ولا نتنياهو وجد مغنماً في جلب صداع إضافي على نفسه عبر إخبار غانتس بقرب كشف الحكاية. ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد معتاد، من جانبه، على طرائق العمل الإسرائيلية، والأرجح أنه لم يعكر صفو التكتم إلا بوضع شريكه وحليفه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في صورة الطبخة.
وتُساق في هذا الصدد حكاية الدبلوماسي الإسرائيلي بروس كاشدان، الذي كان مقرباً من محمد بن زايد وتولى العديد من مهامّ الوصل بين تل أبيب وعواصم عربية عديدة على رأسها أبو ظبي، ولكنّ الموساد شاءت تغييبه تماماً عن أيّ خيط يتصل باغتيال القيادي الحمساوي محمود المبحوح، في دبي مطلع 2010، رغم وجود كاشدان فعلياً في الإمارات يومذاك؛ مما جعله يتوجه بالتوضيح إلى ولي العهد الإمارتي، الذي قيل (على ذمة الصحافي الإسرائيلي يوسي ميلمان) إنه “تفهم” الوضع وأعذر! والحال ذاتها تكررت مؤخراً، إذْ اتضح أن كاشدان لم يعلم بالطبخة إلا على شاكلة رئيسه الوظيفي غانتس: عن طريق وسائل الإعلام!
طرفة أخرى هي الشجار الحالي (الذي لم يبلغ بعد حدّ العراك بالأيدي، كما نفهم من صحيفة “هآرتز” الإسرائيلية)، بين وزارة الخارجية من جهة، وجهاز الموساد من جهة مقابلة؛ حول تركيبة الفريق الإسرائيلي الذي سوف يتوجه إلى الإمارات لتتويج الاتفاق، وكذلك… حول المنطقة الأكثر ملاءمة لشراء، وافتتاح، السفارة الإسرائيلية في أبو ظبي. وطرفة ثالثة، أخيراً وليس آخراً، هي حال الحيص بيص بين الفريقين، مضافة إليهما وزارة الدفاع، حول الموقف من المشير الليبي الانقلابي خليفة حفتر، في ضوء اتفاق التطبيع: نواصل دعمه، إرضاءً للإمارات؛ أم نشطّب عليه، ضمن حرج اتفاقية وقف إطلاق النار الأخيرة؟
وما خفي قد يكون أطرف، أو بالأحرى: أسخف؛ في طبخة معلَنة، ليس لها من اسمها نصيب.