كيف أنشد الحصري القيرواني: يا ليل الصب؟

(عن أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم ونزار وفيروز)

كانت القصيدة العربية القديمة في جانب منها، قد يخفى عن غير أهل الاختصاص نصا متراكبا يصنعه الشاعر وراويته كلاهما، أو الناقد أو الشارح. وقد يتلابس الصنيعان في أبيات غير قليلة، حتى ليستعصي تمييز الفروق الدقيقة والظلال الخفية فيهما، أو إظهار تواشجهما واشتباكهما. فالراوية لا ينقل القصيدة، أو يستظهرها وينشدها وحسب، وإنما له أن يقومها ويهذبها أيضا.
ينقل المرزباني صاحب «الموشح» عن الأصمعي أنه قرأ على خلف شعر جرير، فلما بلغ قوله:
ويــومٍ كإبهـام القطاة محببٍ/ إليّ هواه، غالب لـي باطلهْ
رزقنا به الصيد الغرير ولم نكن/ كمن نبله محرومة وحبائلـهْ
فيالك يـــوما خيرُه قبل شره/ تغيب واشيه وأقصر عاذلـهْ
فقال خلف: ويله وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ قلت له: هكذا قرأته على أبي عمرو فقال لي: صدقت، وكذا قاله جرير، وكان قليل التنقيح مشرد الألفاظ، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع فقلت: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود له لو قال: «فيا لك يوما خيره دون شره»، فاروه هكذا، فقد كانت الرواة قديما تصلح من أشعار القدماء فقلت: والله لا أرويه بعد هذا إلا هكذا». وقد اعترض ابن رشيق القيرواني صاحب «العمدة» على هذا الإصلاح، قال: «أما هذا الإصلاح، فمليح الظاهر، غير أنه خلاف قصد الشاعر. وذلك أن الشاعر أراد أنه كان ليله في وصال، ثم فارق حبيبه نهارا، وذلك هو الشر الذي ذكر». وهو اعتراض سائغ مقبول.
ويروي أبو الفرج في أغانيه، عن شيخ من هذيل أنه دخل على رواة الفرزدق (هكذا بصيغة الجمع)، فوجدهم «يعدلون ما انحرف من شعره» وعلى رواة جرير فإذا هم «يقومون ما انحرف من شعره وما فيه من السناد»، وهو من عيوب القافية، وما يتعلق منها بالحروف وبالحركات. ويقول قدامة بن جعفر: ومن عيوب المعاني فساد المقابلات… وللعدول عن هذا العيب غير الرواة قول امرئ القيس:
فلو أنها نفسٌ تموت سويةً / ولكنها نفس تساقطُ أنفسَا
فأبدلوا مكان»سوية» «جميعة»، لأنها في مقابلة تساقط أنفسا؛ أليق من سوية. وذكر ابن منظور في اللسان، أن الشاعر أراد جميعا فبالغ بإلحاق الهاء، وحذف الجواب للعلم به ، كأنه قال: لفنيت واستراحت. وواضح من كلام ابن منظور أن «جميعة» هي الأصل، وليس «سوية» وإن كان ينهض لها سند من الإيقاع (تكرار السين) ومن لو الافتراضية، ومن الاستدراك أي نفي ما يُتوهم ثبوته.
ففي هذه الأمثلة وفي غيرها وهو كثير، ما يفيدنا في إدراك الصلة التي وشج القدماء بين فن الشعر وفن روايته، وبين «ما ينبغي قوله» و»ما لا ينبغي قوله» كلما كان في البيت تعارض بين مقتضى القول ومقوله. وعلى مثل هذه الهيئة في تعهد النص وتقويمه، حتى يجري أمره على الجادة التي أرادوا، وإلى الغاية التي نصبوا، تستوي صنعة الشعر وتطرد أحكامها.
ولكن إذا كان من الشعراء من سوغ للراوية أن يقوم من شعره مقام المصلح، فإن منهم من كان يتحوط لنصه بالكتابة، حتى لا يختل ضبطه وحفظه. ففيما يقول تميم بن مقبل: «إني لأرسل البيوت عُوجا فتأتي الرواة بها قد أقامتها» يقول ذو الرمة: «أكتب شعري فالكتابُ [الكتابة] أعجب إليّ من الحفظ، لأن الأعرابي ينسى الكلمة قد تعبت في طلبها ليلة. فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاما بكلام». ويروى عنه أنه قال لعيسى بن عمر: «أنت والله أعجب إليّ من هؤلاء الأعراب، أنت تكتب وتؤدي ما تسمع، وهؤلاء يهون على أحدهم وقد نحته من جبل أن يجيء به على غير وجهه». ومرد هذا في تقديري إلى موت صورة «الشاعر» الجاهلية، كما سبق أن أشرت في مقال سابق، فقد بدأت تنقطع مع الحدث القرآني، لتحل محلها صورة «الصانع». وعلى الرغم من أن القدامى دأبوا على استخدام كلمة «شاعر» فإنهم جردوها من محمولها الجاهلي، وما علق بها من «مفهوم» أسطوري للشعر «قرآن إبليس»، بعبارة أبي العلاء الشهيرة في «رسالة الغفران». وصار الشعر صناعة أو علما يكتسب بالخبرة والدربة والمراس، وكلاما بائنا متميزا عن الوحي. وصار الشاعر صانعا، مادة صناعته اللغة. وهذه اللغة هي التي تثبت الصناعة وتهبها صلابة، أي تضفي عليها هيئة في حيز اللغة نفسها.
أما عند المعاصرين، فإن اللافت، هو تدخل بعض الملحنين أو المطربين في النص، حذفا أو زيادة أو نقصانا أو تعديلا. وأمثلة ذلك أكثر من أن أسوقها في هذا المقال، وأقتصر على بعضها. فقد تصرفت أم كلثوم في البيت الثاني من قصيدة أبي فراس «أراك عصي الدمع»، تصرفا أخل بالمعنى؛ عندما أحلت «نعمْ» محل «بَلى»: أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ/ بلى أنا مشتاق وعنديَ لوعة..
و»بلى» حرف يجابُ به عن سؤال في صيغة النفي فيبطلُ نفيه. والمعنى في قول أبي فراس «أن للهوى نهيًا عليه وأمرًا.» فإذا بأم كلثوم وقد ذهب في ظنها أن «نعم» تنوب مناب «بلى»، تنقض المعنى تماما، لأن «نعم» لا تبطل النفي، بل تحتفظ له بثباته؛ فيظل المنفي منفيا؛ أي «ليس للهوى نهيٌ علي ولا أمرٌ.»وهو عكس ما قاله الشاعر. ولا أدري كيف لم ينبهها إلى ذلك صحبتها من الشعراء مثل، أحمد رامي وغيره. والحق أن بعض كبار الشعراء تخفى عنهم أحيانا بعض هذه الفروق بين حروف التصديق والإيجاب. ومنهم نزار قباني، فقد كان هذا البيت من قصيدته «في مدخل الحمراء» في طبعتها الأولى:
ساءلتها هل أنت إسبانية / قالت: بلى غرناطةٌ ميلادي
وقرأه هكذا أثناء زيارته التونسية الأولى في الستينيات، فما كان من الشاعرين نورالدين صمود وجعفر ماجد إلا أن نبهاه إلى هذا الخطأ في التركيب، لأن «بلى» حرف يجاب به عن سؤال منفي كما تقدم. وروى لي صمود أن نزار أصر على الخطأ. ثم صحح البيت بعد عودته إلى بيروت؛ كما اقترحا عليه:»قالت: وفي غرناطة ميلادي». وقد صوبته شخصيا بطريقة أخرى، قد تكون أبلغ: «ساءلتها: أوَ لستِ إسبانيةً/ قالت: بلى غرناطةٌ ميلادي.
ومن أمثلة تدخل الملحنين والمطربين في نص الكلمات، ما فعله محمد عبد الوهاب بهذا البيت: «ولقد أبصرتُ قدامي طريقا فمشيتُ»، من قصيدة إيليا أبو ماضي الشهيرة «الطلاسم» فقد استبدل «أمامي» بـ»قُدامي». وهو ما أفضى إلى كسر الوزن الخفيف، فاعلاتن. وعلل صنيعه، بضيقه بكلمة «قدام» التي وجدها من المبذول في العامية المصرية. ونحا منحاه عبد الحليم في فيلم «الخطايا»، وإن احتفظ للبيت بوزنه: «ولقد أبصرتُ للدنيا طريقا فمشيتُ»، ولكن شابه الخطأ النحوي، إذ نقول «الطريق إلى» وليس «الطريق لـ». والأصوب لو غنى: «ولقد أبصرتُ من حولي طريقا فمشيتُ»
وكان أستاذنا الراحل الشاذلي بويحيى في أواخر الستينيات ينشدنا: «يا ليلَ الصب متى غدهُ/ أقيامُ الساعةِ موعدُهُ» بفتح اللام في «يا ليلَ» وجر الباء في «الصب»، وليس بالضم، كما تغني فيروز ويردد أكثرنا؛ ويقول لنا إن المنادى مضاف، وإن الأسلوب الذي ينتظم مقدمة القصيدة وهي مِدْحة، هو الالتفات أو ما يسميه المعاصرون «لعبة الضمائر». ويتعلق بالتكلم والخطاب والغيبة، ونقل أحدها إلى الآخر. وأقدر أن قراءة أستاذنا هي الصواب. وقد يتساءل القارئ: إذن لماذا لم يقل «غدك» و»موعدك» إذا كان الأمر كما تقول؟ والجواب أن جمالية الالتفات في هذا العدول من مخاطب إلى غائب فمتكلم. وأمثلته كثيرة في القرآن والشعر، وهو من لطائف العربية؛ كقوله في سورة يونس «هُوَ الذِي يُسَيرُكُمْ فِي الْبَر وَالْبَحْرِ حَتى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيبَةٍ…» ولو لم يكن هناك التفات، لقال» وجرينَ بكم. وكذا في سورة الفاتحة حيث ينقلنا الأسلوب القرآني من غيبة «الحمد لله…» أي «هو» إلى خطاب «إياك نعبد»؛ ولو لم يكن هناك التفات، لقال «إياه نعبد». وفي بيت الحصري يعود الضميرعلى المضاف «ليل». والمعنى هو «غد الليل» أي مطلع الفجر، وليس «غد الصب»، وهذا غزل أو نسيب محكوم بسنن ومواثيق، ومنها أن «ليل العاشقين طويل» منذ أن أنشد امرؤ القيس «وليلٍ كموج البحر». وتجري قصيدة الحصري على أسلوب الالتفات هذا، فمن خطاب «ليل الصب» إلى تفصيل حال الصب، ومن غيبة «وأرقه» إلى تكلم «نصبتْ عيناي له شركا» إلى خطاب «خداك قد اعترفا بدمي»…

٭ كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية