محمد علي شمس الدين في ديوانه «كرسي على الزبد»: رجُل الضوء الذي يفسّر الظّل

كي لا يكون حجة على نفسه، يؤكد محمد علي شمس الدين أن للشاعر المجاز لأن يتلفّع بنرجسية النوايا لاواقعية المواقف، متنكباً عن تقدير قصائده بقلمه، وعازفاً عن أي صبغة احتفالية بها، كي يتاح استشكالها كنص جمالي بمسؤولية التأويل للناقد الحصيف لا سواه. هو إذن يحمي أصالته الشعرية ومدخرات قوته التخييلية وترامي أمدائها، ويعتقلُ الخوف مما قد يتوسدُ الإبداع من إعياء عند تشكيل الخاطرة، إذا ما ارتِجَتْ عليه كصدمة نشاز تهلك دينامية القصيدة. في ديوانه «كرسي على الزبد»، يُقبِلُ شمس الدين شَرِهاً، كَمُدمنِ شِعر على اختراق التجربة بصدمة الشك، والسؤال كلما اقترب من اللحظة الأخيرة لتَشكُّلِ القصيدة سلباً، أو إيجاباً، فلا يباشرُ الشعر بالواسطة، بل بامتحان كفاءة يعي الدخول إلى المحتد الحداثي من حيّز الإبداع قصداً، وليس على احتمالات الاختبار أو التّجريب. ما يعني تعالُق القصيدة كثافةً وخصوصية بممكنات الرمز والإيحاء، ولفظِ التسويات والرفض والثورة، والموت والانبعاث في انغمار كُلِّي بتجديد المضمون الشعري، بكفايةٍ مُثمرة من أَوالِ الرؤية الدّالة التي تُطارح الفلسفة أحياناً، في بيت مخدومها الشِّعر.
موازاة مع ذلك يؤمِنُ شمس الدين بأهمية شكْل القصيدة في تكوين بؤرة انطباعية تُكرِّسُ ملامح الوعي في ذهن المتلقي، ولذلك فهو يتحمسُّ للتنويع بين تشكِيلَي النص الموزون والنص التفعيلة، تارةً كلٌّ على حِدَة، وطوراً بتعشيق أحدهما بتخاريم الآخر، كتقنيةٍ محايثة تخدم وضوح التجربة، وبتراتبية فكرية جاءت أقرب للتصوف، كمنطلق نظري يشكّل معراجاً لممارسة روحية شفيفة، تتناصفُ قصائدَه المُشرقة نصّاً وروحاً، بِطاقةٍ غيريَّة مُستنيرة. إنه رجل الضوء الذي يفسّرُ الظّل بذات العارف، ويفلسفه. الظلُّ المُنكسِر، المعلَّقُ القلِق، الآخر الرّجُل: شمس الدين التبريزي، المنحول عن صاحبه: شمسُ الدين يكتبُ شمسَ الدين، صِنْوَهُ في الرؤى النازفة في بؤرة التماهي بصمتِ الذي خاتَلَتْهُ الثّمالة عذوبةً وعذاباً، وهي تعاقرُ حفنةً من الكلمات بين غموضِ مدٍّ وجزْر حتى تجلّي الاندثار :

أنت اخترت عذابي
واختار جمالك أن يعبث بي
أعلم أن العشق طريق الدم
والسالك فيه مخطوف أو مقتول
فاسكب يا شمس الدين كلامك في أقداحي
ولنشرب… حتى لا يُعرَفَ منْ مِنَّا الآخر !

في قصيدته «حاشية على معلقة امرئ القيس» يمتاحُ شمس الدين بمزاجه الخاص الذاكرة المخضرمة باتجاه شاعر عاطلٍ عن العمل، هو امرؤ القيس، الملك المكدود، المتبدل حزناً وحيرة بين أمل وألم، وسكرة وفكرة، كلما بدّلَ قوماً بقوم وعهداً بآخر :

لا يبكي المسافر في مسالك حضرموت
لأنه، ملِكاً أضاع دروبه، وأضاع ما بين السلالة والسلالة أهله
فمضى يفتش في بلاد الروم عن وجه تناثر في الضباب.

هو الخصب الزائد عن حاجة الروح، الذي يتقلب على نضج إيقاعها المتحول بتحول الفكرة بين الملك المنضّد بالتّضاد في جغرافيا القروح اليمانية، والمرتحل بين عذارى البادية اليعربية، طمعاً بألوية الانتصار الخائبة، حتى الهزيمة الفظّة على عتبات بلاد الروم :

لا ثأر أجمل من نحور اليعربيات اللواتي كنت تستّرِقُ
الخطى لترى على طرف البحيرة / يغتسِلْن / ثيابهن
فحينما اجتمعتْ هنالك تحت أعذاق النخيل نهودهن المشرئبة كالرماح
جلستَ تنظر من على شهواتك الحمراء ما لا ناله ملك ولا حلمت به الغزواتُ
والنافرون على الجياد ليبلغوا طرف الجزيرة أوهنوا
ورمت بما حملته فوق سروجها الخيل العِرابْ.
وعلى الرغم من كل ذلك لا يتركُ شمسُ الدين امرء القيسِ وحيداً، فهما توأمُ انكسار بلمسةٍ شكسبيرية، تجيز افتئات الحيرة على لغة الأمل، وانثيال اليأس على مطمح النوال، كيما يستقر مودعاً للبشارات الحزينة كملك ضلّيل:
فأنت الآن لا في الخمر ولا في الأمر
والحرب التي عاقرتَها زمناً على «صهوات منجردٍ غدا والطير في وكناتها «
فوضى، ولم تقتل سوى قتلاك… فانزل !
لكن شمس الدين وحيداً مِرجَلٌ من الذنوب الوليدة في حاضرة التيه، التي صُحّفت بسوء الفهم، فلا تُنسخ إلا على باب الهداية الملونة بكبرياء النور. فالرّجلُ الذي يَقِنَ الضّجَر من عقلنة الاحتمالات، وبراءة النرد المستحيلة في لعبة الحظ، ادّاركَ فضيلة إيمانه، إذ تسّنمَ سلاسَةَ التّوق إلى ذروة الملتقى، بصخب الدعاء، وكأس الرجاء التي أُهريقت، مُمزّقاً غربتهُ بزئير مشاعره على قدمَي التوبة النصوح، التي تنتظر إحقاق القدر :
أنا الغريبُ فهلْ برقٌ على جبل للتائهين وهل نارٌ على أُحُدِ؟
يهدي القوافل حاديها وقائدها فمن لقلبي إذا غامرتُ في الأبدِ؟
فيا دليل دليلي وارتعاش دمي ويا خواتم إيماني ومعتقدي
يكفي لتمحو في لقياكَ معصيتي من خمرة الله كأس الواحد الأحدِ.

٭ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية