“خط أحمر” لـ “الوطن الأزرق”.. ماذا وراء اتفاق تحديد الحدود البحرية بين اليونان ومصر؟

حجم الخط
0

التوتر المتصاعد الذي سجل في الأشهر الأخيرة بين تركيا واليونان على خلفية الخلافات حول ترسيم الحدود في شرقي البحر المتوسط، يزيد خطر الاشتعال العنيف في المنطقة. لقد أصبحت عقيدة “الوطن الأزرق” في السنوات الأخيرة سائدة في الخطاب التركي العام. سطحياً، بات الدفاع عن الحدود البحرية لتركيا (بينما تتمدد وفقاً للمفهوم التركي وبخلاف المفهوم اليوناني) مهماً بقدر لا يقل عن الدفاع عن الأرض الإقليمية البرية، ففي شباط 2019 أجرى الأسطول التركي المناورة البحرية الأكبر في تاريخه تحت اسم “الوطن الأزرق” رداً على إقامة منتدى الغاز في شرقي البحر المتوسط (EMGF) قبل شهر من ذلك، والذي لا يضم تركيا عضواً فيه.

 في أواخر 2019 بعد أن وقعت تركيا على الاتفاق مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، نشرت خطة للتنقيب عن الغاز والنفط في مناطق تراها اليونان كمياهها الاقتصادية. وفي تموز من هذا العام، أعلنت عن نيتها إرسال سفينة بحوث إلى المنطقة لإجراء بحوث طبوغرافية، واستعدت سفن قتالية تركية لمرافقة سفينة البحوث. ورداً على ذلك، رفع اليونانيون مستوى التأهب العسكري. وبعد جهود وساطة ألمانية أجّل الأتراك إرسال سفينة البحوث. وفي أعقاب التوقيع على الاتفاق لترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان، والذي شجبته وزارة الخارجية التركية وقالت إنه “لاغ وملغى” عادت أنقرة وقررت مؤخراً إرسال سفينة البحوث بمرافقة سفن حربية، بينما بعثت اليونان بسفنها الحربية إلى المنطقة. في 12 آب اصطدمت بالخطأ سفينة قتالية يونانية بأخرى تركية ترافق سفينة البحوث، ولحق ضرر محدود بالسفينة التركية التي اضطرت إلى العودة إلى قاعدتها لغرض الإصلاحات.

 وثمة ساحة متفجرة أخرى في شرقي البحر المتوسط، فيها إمكانية احتكاك محتملة بين تركيا ومصر، هي ليبيا. ففي الحرب الأهلية الليبية، يدعم المحور المناهض لتركيا قوات المارشال خليفة حفتر، بينما قوات حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج تستعين بميليشيات تدعمها أنقرة. لمصر مصالح أمنية واقتصادية في ليبيا، وعلى رأسها منع تموضع قوات إسلامية على مقربة من حدودها الغربية الطويلة. وأدت إنجازات القوات المؤيدة لتركيا إلى أن يصنف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في حزيران الماضي، مدينتي سرت والجفرة “خطاً أحمر” لتقدمها شرقاً. ودعا البرلمان الليبي الجيش المصري لنجدة ليبيا، وهكذا مُنح المصريون شرعية للتدخل العسكري في حالة تجاهل تركيا لتحذيرها.

 دوافع ترسيم الحدود البحرية

 لما كانت اليونان ومصر لم تنجحا في جولات المفاوضات السابقة في الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية بينهما، فقد طرح السؤال كيف ولماذا تمكنتا من هذا في الوقت الحالي. لقد صعب على اليونان في الماضي –وأحياناً ترددت– التوصل إلى توافقات رسمية مع دول أخرى حول ترسيم مياهها الاقتصادية عقب الخلاف مع تركيا حول السيادة على جزء من الجزر اليونانية وعلى ترسيم المياه الاقتصادية بين الدولتين. وخشيت أثينا من أن يستخدم الطرف التركي تنازلات لمصر ضدها لاحقاً. ولب الخلاف بين تركيا واليونان يتعلق بمسألة هل تستحق الجزء المأهول مياهاً اقتصادية بالقدر ذاته مثل الأرض البرية. ميثاق البحر في 1982 يدعم الموقف اليوناني، ولكن قبول المطالب اليونانية بكاملها يعد إشكالياً في نظر تركيا؛ كونه يبقي مياهاً اقتصادية محدودة نسبياً تحت تصرفها.

 وقبل الوصول إلى اتفاق مع مصر، توصلت اليونان في حزيران 2020 إلى اتفاق على ترسيم الحدود البحرية مع إيطاليا، وتجري اتصالات مع ألبانيا للتوقيع على اتفاق مشابه (في خلفية الأمور يذكر أن المحكمة العليا في ألبانيا رفضت في الماضي اتفاقاً من العام 2009 لترسيم الرف البري الذي وقع بين أثينا وتيرانا بدعوى “خروقات قانونية جوهرية”). على مدى السنين، ورغم توصل قبرص إلى اتفاقات لترسيم المياه الاقتصادية مع مصر (2003)، ولبنان (2007) وإسرائيل (2010)، امتنعت اليونان عن التوقيع على اتفاق مشابه مع نيقوسيا خوفاً من تدهور النزاع في قبرص. وفي ضوء السياسة الاستراتيجية التركية والحاجة إلى العمل ضد الاتفاق الليبي – التركي، تغير موقف اليونان، فيما تنظر اليونان وقبرص مجدداً في التوقيع على اتفاق متبادل.

 ترى مصر في ترسيم الحدود البحرية مع اليونان تعزيزاً آخر للعلاقات الاستراتيجية المزدهرة بين الدولتين، وغايته رسم “خط أحمر” لطموحات تركيا في شرقي البحر المتوسط، بعد “الخط الأحمر” البري الذي وضع لها في ليبيا. كما يستهدف الاتفاق السماح للدولتين بتنمية مقدرات الطاقة في مياههما الاقتصادية والدفع إلى الأمام بالاتفاق الثلاثي لربط شبكات الكهرباء لمصر واليونان وقبرص، في ضوء المحاولة التركية – الليبية لترسيم حدود بحرية تفصل بينهما. وثمة ميزة أخرى تجدها القاهرة في الاتفاق، وهي أن كل محاولة تركية لتحديها ستضع أنقرة من الآن فصاعداً في مواجهة مباشرة مع الاتحاد الأوروبي. يمنح الاتفاق مع اليونان، الذي يستند إلى ميثاق البحر، مصر مياهاً اقتصادية أضيق مما كانت ستحصل عليه لو اعترفت بالاتفاق التركي الليبي. ولهذا، فإنه يمثل التزام مصر بالقانون الدولي، كما يمثل ولاءها أيضاً للمحور المناهض لتركيا وفشل جهود أنقرة في دق إسفين بين القاهرة وحلفائها الإغريقيين.

 ترى اليونان ومصر في الاتفاق مدماكاً آخر في بلورة (EMGF) الذي من المتوقع أن يصبح قريباً منظمة دولية تضم، إضافة إلى الدول المؤسسة السبع، فرنسا كعضو كامل والولايات المتحدة كمراقب. بل إن الاتفاق سيزيد احتمالات تحقق مشروع أنبوب “ايست مد” لتصدير الغاز الطبيعي من إسرائيل عبر قبرص واليونان إلى أوروبا، الذي صودق على إقامته في الدول الثلاث في الأشهر الأخيرة رغم هبوط أسعار الطاقة التي شددت الشكوك حول جدواه الاقتصادية. ويمنح اتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات تعزيزاً إضافياً للمحور المناهض لتركيا الذي يتطور من محور اقتصادي، يركز على مواضيع الغاز، إلى حلف إقليمي ذي بعد استراتيجي متداخل – اقتصادي وسياسي وأمني.

 لا تسارع اليونان ومصر إلى صدام عسكري مع تركيا. كما أن لأنقرة كوابح أمام الدخول في مواجهة ساخنة مع دولة عضو في الناتو. وتواجه مصر في الوقت الحالي تحديات اقتصادية حادة، مع أزمة سد النهضة مع إثيوبيا ومع تهديدات الإرهاب في شبه جزيرة سيناء. وعليه، فإنها ترى في الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع تركيا – تلقي بظلالها على جهود التنمية الداخلية التي تقف على رأس اهتمامها– مخرجاً أخيراً وغير مرغوب فيه. وفي الوقت نفسه، لا تعلق القاهرة وأثينا آمالاً كبيرة على تسوية سياسية تؤدي إلى تهدئة في العلاقات مع أنقرة، خصوصاً إذا بقي الرئيس التركي أردوغان يمسك بلجام الحكم ويتمسك باستراتيجية سياسية تصدح برؤيا عثمانية جديدة.

 بعد التوقيع على صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل في 2018، قضى السيسي بأن مصر “سجلت هدفاً عظيماً” في الملعب التركي. ومع التوقيع على الاتفاق اليوناني–المصري، احتفلت الصحف المصرية “بهدف ثانٍ” في الشبكة ذاتها. يعد ترسيم الحدود البحرية في مصر واليونان خطوة أساسية في إطار المعركة الدبلوماسية مع تركيا. وهذه تتضمن إضافة إلى رسم المياه الاقتصادية –وإلى التهديدات باستخدام القوة رداً على اختراقها– ضغطاً دولياً أيضاً من جانب الناتو والاتحاد الأوروبي، وكشف العلاقات بين تركيا ومحافل الإرهاب الإسلامية والسلفية الجهادية، وتثبيت منتدى الغاز والمحور المناهض لتركيا الذي حوله، بهدف التضييق على النفوذ التركي في المنطقة.

المعاني التي تستخلصها ­إسرائيل

 على إسرائيل أن تستعد لطيف من السيناريوهات المحتملة في المواجهة اليونانية – المصرية مع تركيا، بدءاً بالصدام العسكري بين تركيا وخصومها عبر استمرار المعركة الدبلوماسية، وانتهاء بتحقيق تفاهمات براغماتية. ففي الوقت الذي يتضح فيه الطرف الذي تؤيده إسرائيل، فإن المعاني الأوسع للاندراج في المحور المناهض لتركيا في شرقي البحر المتوسط، ليست مقدرة بما يكفي؛ فانجذاب إسرائيل إلى النزاع اليوناني التركي، مثلما هو أيضاً للنزاع في ليبيا، له أثمان، كالحاجة إلى تخصيص انتباه متزايد للمنطقة في فترة تتكاثر فيها التحديات الداخلية عقب تداعيات وباء كورونا، وإلى جانبها التحديات الخارجية التي أجل الوباء التصدي لها مؤقتاً. ولأن معظم النشاطات التركية في المنطقة غير إيجابية في نظر القدس، فإن جزءاً منها يشكل بالفعل تهديداً مباشراً على إسرائيل، وتتطلب رداً.

 تولي إسرائيل أهمية متصاعدة بشرق البحر المتوسط في ضوء مقدرات الغاز وبسبب وزنه الاستراتيجي متعدد الأبعاد، وبالتالي لها مصلحة في منع أزمات في المنطقة وفي الحفاظ عليها كمجال سلمي. أما نشوء كتل صلبة في شرق البحر المتوسط، فإنه سيعظم الخصام التركي–الإسرائيلي. وإن تعميق الصدوع بين المعسكرات الإقليمية، الذي سيترافق وسباق تسلح متسارع من جانب أسلحة البحر والجو لجيوش المنطقة ويتحدى موازين القوى الحالية، فهو أيضاً غير مرغوب فيه بالنسبة لإسرائيل. وبينما يمكن للوساطة الألمانية في النزاع الليبي، والنزاع التركي – اليوناني أن يخدم المصالح الإسرائيلية، فإن على القدس أن تشجع مشاركة متزايدة أيضاً من جانب واشنطن في مساعي الوساطة وتصدرها.

 عقب التوتر الناجم بين الاتفاق اليوناني – المصري، والاتفاق التركي – الليبي، سيتعين على الأطراف تسوية الموضوع فيما بينها لمنع خطر التدهور إلى مواجهة عنيفة. ويشكل وقف النار في ليبيا، الذي أعلن عنه في 21 آب، إشارة إيجابية للفهم الذي يتغلغل في أوساط اللاعبين المختلفين حول الحاجة إلى الحلول الوسط – رغم الرواسب القائمة. ويحتمل أن يتمكن اكتشاف الغاز في البحر الأسود، الذي أعلن عنه أردوغان في 21 آب أيضاً، والذي يعدّ اكتشافاً لمصدر طاقة ترسبية مهمة في الأراضي التركية، من أن يشكل مدخلاً لمرونة معينة من الجانب التركي. ومع ذلك، فإن استمرار تصلب الكتل يبعث التخوف من بقاء هذا المدخل ضيقاً وغير كافٍ.

بقلمغاليا ليندنشتراوس واوفير فينتر

نظرة عليا 26/8/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية