■ قبل البدء في رصد الأسباب التي تحول دون تنامي النوع السينمائي الخاص المتمثل في الفيلم الديني، لابد من توضيح الفروق الجوهرية بينه وبين الفيلم التاريخي، لأن لذلك صلة وطيدة بأزمة الغياب الكامل، حيث تشابه المواصفات، واعتبار كل ما هو قديم تاريخي، قلل فرص الظهور أمام الأفلام التي تختص فقط بعرض الصور ذات الصلة بالرسالات السماوية، وسير الأنبياء ومساراتهم، فلو افترضنا أن هناك فيلماً يتناول فترة الصراع على الحكم في عصر الدولة الأموية، أو يتعرض لحادثة ما في التاريخ الإسلامي، فإن التعامل مع الفيلم، سيتم باعتباره فيلماً دينياً، ويوضع كرقم في قائمة الأفلام النوعية المُنتجة لصالح الدين، بوصفة منتمياً للنوع المُتعارف عليه، بيد أن ذلك ينطبق من حيث الهوية والشكل والمضمون على الفيلم التاريخي لاعتبارات كثيرة أهمها، أنه يبتعد عن جُل القضية الدينية في جوهرها، أي فترة الدعوة وصعوبة انتشارها، والثمن الذي دفعة الرسول والصحابة في سبيل تثبيتها، والعمل على تأييدها والإيمان بها.
وهذا الخلط يحدث كثيراً وفي حالات متعددة، طالما أن هناك إطارا يحتمل التشابه، أو يفرض العلاقة بين النوعين السينمائيين المتقاربين، وهناك من النماذج ما يدل على مشكلة الخلط، وعدم استقلال كل نوع عن الآخر، على الأقل بالنسبة لقطاع كبير من الجمهور، وربما تبدو عملية الخلط بين الفيلم الديني والفيلم التاريخي واضحة تماماً في فيلم «وإسلاماه» للكاتب علي أحمد باكثير، والمخرج شادي عبد السلام، إذ يتناول الفيلم المُصنف دينياً من حيث النوع، المعارك والصراعات الدامية، التي كانت دائرة بين شجرة الدُر وعز الدين أيبك، والأمير أقطاي، بسبب العرش والحُكم، فضلاً عن أن جزءًا من الأحداث كانت له علاقة بالغزو التتري على مصر.
وقد حفظ المشاهد التفاصيل عن ظهر قلب، وبات يشير إليها بأبطالها، حسين رياض وأحمد مظهر ولبنى عبد العزيز وتحية كاريوكا ومحمود المليجي وعماد حمدي وفريد شوقي وغيرهم، ورغم ذلك جرت العادة على عرض الفيلم التاريخي في المناسبات الدينية، أخذاً بدلالة العنوان فقط لا غير، الذي وضع للمتاجرة بالقضية الدينية، ورفع نسبة الإيرادات في شباك التذاكر وسهولة التوزيع في السوق الخارجية في الدول الإسلامية.
ويأتي فيلمان آخران دخل كل منهما ضمن إنجازات السينما المصرية في العناية بالفيلم الديني.
وهناك تنويعات كثيرة على الوتر نفسه لتجارب تشابه فيها المعنى الديني مع المعنى التاريخي، فحدث الربط والخلط، يبرز من بينها فيلم «الله أكبر» المأخوذ عن قصة نجيب محفوظ للمخرج إبراهيم السيد.
بينما واقع الحال يؤكد بموجب القصة والأحداث والقراءة التحليلية للفيلمين، أنهما تاريخيان بامتياز، فالأول «حملة أبرهة» بطولة عباس فارس وعمر الحريري وبرلنتي عبد الحميد، وهو ترجمة سينمائية للقصة الشهيرة الخاصة بمحاولة أبرهة الأشرم ملك الحبشة، هدم الكعبة، مُستعيناً بالفيل، وفيها يتم الحديث عن الإعجاز الإلهي بإرسال الطير الأبابيل لإنقاذ بيت الله الحرام، وهو توثيق تاريخي لواقعة بعينها لم يخرج عنها الفيلم، ومن ثم فهو تناول تاريخي محض لحادثة كان لها بعد ديني وضع في صدارة القصة عن قصد، ليكون له اعتباراً يصب في صالح الفكرة التجارية بالأساس، التي حاول صُناع الفيلم ربطها بالكعبة لضمان استثمارها جماهيرياً وشعبياً، وهي حيلة معهودة ومتكررة.
وهناك تنويعات كثيرة على الوتر نفسه لتجارب تشابه فيها المعنى الديني مع المعنى التاريخي، فحدث الربط والخلط، يبرز من بينها فيلم «الله أكبر» المأخوذ عن قصة نجيب محفوظ للمخرج إبراهيم السيد، وهذا الفيلم تم إنتاجه عام 1959، ولعب فيه أدوار البطولة، كل من زهرة العُلا ومحمد الدفراوي وعبد الوارث عسر، وكالعادة تم اعتباره فيلماً دينياً تيمناً بالعنوان، وليس أدل على تكرار الفكرة وترسيخ الظاهرة من التعامل فنياً ونقدياً مع فيلم «رابعة العدوية» للمخرج نيازي مصطفى، الذي أسند البطولة عام 1963 لنبيلة عبيد في أول ظهورها لتقدم شخصية رابعة العدوية، تلك التقية التي هجرت حياة المعصية، واتجهت إلى الله مُتعبدة ورعة، بعد إسرافها على نفسها فكانت لها كرامات، وذاع صيتها كواحدة من أهم الشخصيات القريبة من ربها والمتمسكة بدينها، وقد صور الفيلم حياة الزاهدة تصويراً بارعاً، وقدم رؤية تاريخية لفترتين متناقضتين من حياة رابعة، كمسوغ إنساني لطبيعة السيدة الواصلة مع الله في علاقتها الخاصة المخلصة مع التأكيد على المعنى الروحاني الديني الهادف إلى الثقة في رحمة الله، وأبواب التوبة المفتوحة بلا وساطة أو شروط .
وهكذا يمكــــن القـــول بأن ما تقدم من نماذج سينمائية كان محاولة للرصد الصحيح، غايته استبيان الفروق بين الفيلم الديني والفيلم التاريخي، حتى لا يضيع حق الأول في غمرة استحواذ الأخير على كل المزايا وكل الفرص بدعوى أن الاثنين وجهان لعُملة واحدة.
٭ كاتب مصري