دمشق – «القدس العربي» : لم يكن النظام السوري منذ انطلاق العملية السياسية في جنيف عام 2012 مقتنعاً بها كوسيلة للحل بقدر ما سعى لتوظيف حضوره فيها من أجل تحقيق استراتيجيته بإعادة البلاد لما قبل عام 2011 ولا يختلف الأمر كثيراً عن مقاربته للعملية السياسية في إطار اللجنة الدستورية، إذ تشير جهود النظام السوري في تعطيل عمل اللجنة الدستورية، إلى خوفه مما قد تفضي إليه من نتائج، وتهدد احتكاره للشرعية، كما تتضمن اعترافاً صريحاً منه بالمعارضة السورية، فضلاً عن أن الموافقة على أي تعديل دستوري، من شأنها أن تلغي الصلاحيات المطلقة التي يتمتع بها رئيس النظام السوري بشار الأسد.
مراوغة وتعطيل
قال الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي حول موقف النظام السوري من اللجنة الدستورية، إن اللجنة واجهت قبيل إطلاقها العديد من العثرات، نظراً للخلاف على كثير من الملفات، التي تتعلّق بدور الأمم المتحدة، ورئاسة اللجنة، وصلاحيات عملها، والقواعد الإجرائية الخاصة بها، لحين إقرارها في 26 أيلول/ سبتمبر 2019.
ففي الواقع، جاء قبول النظام السوري باللجنة الدستورية بعد ضغط شديد من قبل روسيا، وهو ما يُمكن ملاحظته في استدعاء الرئيس فلاديمير بوتين لبشار الأسد إلى سوتشي على متن طائرة شحن في 17 أيار/ مايو 2018 أي بعد يوم واحد من نهاية الجولة التاسعة من مباحثات أستانة التي ركّزت على السير قدماً في اللجنة الدستورية برعاية ضامني مسار أستانة.
وفرض النظام السوري تعطيلاً على أعمال اللجنة الدستورية مدّة عام كامل تقريباً؛ بسبب رفضه المبادئ والمعايير التي وضعها ستيفان ديمستورا لعضوية الثلث الثالث الخاص بالمجتمع المدني، والذي كان من المقرّر أن تسمّيه الأمم المتّحدة بالتشاور مع روسيا وإيران. لكن وبموجب هذا التعطيل، يقول الباحث السياسي ان النظام السوري استطاع تمرير ما يزيد عن ستة وعشرين عضواً من مؤيديه ضمن لائحة المجتمع المدني. وأضاف «عاصي» لاحقاً، وضع النظام السوري عراقيل أخرى ممثلة بشروط خمسة لقبول الانخراط الجدي في اللجنة الدستورية وهي، أن تكون له رئاسة اللجنة بمفرده وأغلبية ثلثي أعضائها، والتوافق التام في جميع قراراتها، وأن تكون خارج نطاق إشراف الأمم المتحدة، وأن تهدف إلى تعديلات على دستور عام 2012 أي بما يضمن عدم إجراء تغييرات جذرية على صلاحيات الرئيس أو تغيير الدستور بالكامل. وعلى الرغم من أن المجتمع الدولي لم يستجب لأي طلب من الشروط الخمسة التي وضعها النظام السوري، إلا أن هذا الأخير نجح بتأخير الإعلان عن التوافق على القواعد الإجرائية وقيام اللجنة الدستورية حتى 30 / سبتمبر/ أيلول 2019.
تشكيل اللجنة
وأخفق النظام السوري في جهود تقويض اللجنة الدستورية، بعد إعلان الأمين العام للأمم المتحدة عن تشكيلها خلال اجتماعات الجمعية العمومية في 23 أيلول/سبتمبر، بغض النظر عن موافقة النظام السوري من عدمها. ونتيجة لما تقدم، يقول المتحدث ان النظام السوري أصر على وصف وفده بـ «المدعوم من الحكومة وليس ممثّلاً عنها، في محاولة لإخلاء المسؤولية لاحقاً» وذلك مع بدء أعمال اللجنة الدستورية مطلع أكتوبر/تشرين الأوّل 2019.
وبطبيعة الحال، يرى المتحدث ان موقف النظام السوري من اللجنة الدستورية نابع أصلاً من مواقف حلفائه أي إيران وروسيا؛ حيث سعت هذه الأخيرة لفرض رؤيتها على شكل وأهداف ومسار اللجنة الدستورية، هذا بغض النظر عن تقديم بعض التنازلات استجابة لسياسة الضغط القصوى التي مارستها المجموعة المصغّرة وتركيا. مع العلم أنّ إيران تضمن حضورها في مسار اللجنة الدستورية من خلال روسيا، وعلى فرض أنّها كانت وراء جهود التعطيل التي قام بها النظام السوري مراراً، فهو موقف لم يُشكّل غالباً عامل قلق بالنسبة لروسيا.
برلمان معارض
من الواضح أنّ النظام السوري يسعى للإفلات من استحقاقات اللجنة الدستورية، وبالتالي عدم تحقيق تقدّم أو اختراق حقيقي في عملها. وهذا بالطبع مرتبط بعدد من الدوافع وهي حسب الباحث السياسي، إقرار النظام السوري باللجنة الدستورية والسير فيها قدماً، يعني اعترافه بحقوق الشعب. كما أنّ إقرار الأمم المتّحدة لوثيقة القواعد الإجرائية ذات الرقم 775 (2019) تعني تقويض مساعي النظام السوري في فرض روح المادة الثامنة من دستور 1973 على مسار الإصلاح الدستوري، بعد أن قام بإلغائها نظرياً وتكريسها عملياً في دستور عام 2012.
فضلاً عن ان قبول النظام السوري برئاسة مشتركة للجنة الدستورية وجلوسه مع المعارضة السورية التي يصنّفها على قوائم الإرهاب أو لا يعتبرها وطنية على أقل تقدير، وقبوله بالوثائق الصادرة عنها بما في ذلك الالتزام بضمان أمن وسلامة الأعضاء، يتضمّن اعترافاً صريحاً منه بالمعارضة السورية، وبالتالي إنهاء احتكار النظام السوري للشرعية.
كما أن أي مقترح ولو كان مجرد تعديل دستوري لن يُبقي على الصلاحيات المطلقة التي يتمتع بها رئيس الجمهورية التي كرّسها الدستور في عامي 1973 و2012. فضلاً عن ان تضمين مبدأ اللامركزية في دستور سوريا مستقبلاً، يُشكّل عامل قلق كبير بالنسبة للنظام الذي أصر في دستور عامي 1973 و2012 على عدم الإشارة مطلقاً إلى اللامركزية أو إلى أي من مضامينها ومبادئها؛ لأنّ ذلك يعني إحداث خلل كبير في بنية الحكم القائمة على السلطة المركزية المطلقة.
وحول تخوف النظام السوري من تحوّل اللجنة الدستورية إلى جسم سياسي سيكون له دور فعال في حكم البلاد، يرى عبد الوهاب عاصي ان النظام السوري يخشى من تحول اللجنة إلى هيئة تأسيسية تكون بديلاً شرعياً عن مجلس الشعب السوري وبقرار من مجلس الأمن، لا سيما في حال إقرار الموافقة الشعبية من خلالها، بديلاً عن الاستفتاء الشعبي، يُشكّل عامل قلق كبير بالنسبة للنظام السوري. علماً أنّه في تاريخ سوريا الحديث كانت هناك تجربتان تحوّلت من خلالهما اللجان التأسيسية إلى برلمان وذلك في عامي 1920 و1950.
ووفقًا للمتحدث، فإنّ مساعي النظام السوري الحثيثة لفرض الثوابت الوطنية، نابعة أصلاً من الرغبة في تثبيت مقدّمة دستور عام 2012، لا سيما في حال أخفقت جهوده بالدفع نحو إجراء تعديلات دستورية وبالتالي ضرورة صياغة دستور جديد، كما أن السير قدّماً بمباحثات اللجنة الدستورية دون تعطيل، يعطي انطباعاً بقرب الحل والدخول في العملية السياسية، مما قد يمنح ثقة نسبيّة للسكان المحليين للمطالبة بحقوقهم التي اضطروا للسكوت عنها، فضلاً عن متابعة أعمال اللجنة الدستورية دون تحقيق حسم ميداني، يعني عملياً الفصل بين المسار العسكري والسياسي، وبالتالي تقويض الاستراتيجية التي يعمل عليها النظام السوري منذ سنوات.