سجناء الأقبية الزجاجيّة: الثقافي/ السياسي

يقول العلماء إنّنا نعيش منذ الربع الأخير من القرن العشرين عصر النظريّة النسبيّة التي تتقدّم بقوّة ظافرة؛ وإنّ أظهر ما يميّزها أنّ الزمان لم يعد هو الزمان، ولا الوقت هو الوقت. وكانت العرب تحدّ الزمان أو الزمن من حيث هو اسم  لقليل الوقت وكثيره؛ ويكون شهرين إلى ستّة أشهر. وهو عندهم العصر، بل الدهر الذي لا ينقطع، ويقع على مدة الدنيا كلها. وميّزوه عن الوقت أي المقدار من الزمان أو من الدهر. وقالوا إنّه أكثر ما يستعمل في الماضي، وإن كان سيبويه استعمله في المستقبل؛ بل في المكان تشبيها بالوقت في الزمان لأنه مقدار مثله؛ ومن ثمّ قالوا للموضع ميقات، وهو مصدر الوقت. وكلّ هذا يحتاج إلى إعادة نظر؛ بل إلى إعادة تخريج معجم لا نزال نستأنس به، وهو لسان العرب لابن منظور؛ إذ يفترض أن تكون طبعاته منقّحة مزيدة، فنثبت ما أثبته؛ ونستدرك عليه سواء في المتن أو في الهامش والحاشية؛ بما استجدّ من مفاهيم الثقافة والسياسة والمواطنة، وهذه النسبيّة التي غيّرت مفهوم الزمان التاريخي الذي أقرّته الميتافيزيقا، وقياسنا له حيث يكون الشهر أحيانا خيرا من عام كامل، أو أكثر شرّا منه؛ وحيث يحوي العام أحيانا من الأحداث والوقائع، ما لا يستوعبه إلاّ قرن أو أكثر؛ بل الزمان الذي هو الكائن نفسه؛ وهو زمان متنوّع غير متجانس. ولا أحد اليوم بميسوره أن يتنبّأ بما يمكن أن تجلبه شتّى التغيرّات والتحوّلات الجيوـ سياسيّة إلى مجال الثقافة خاصّة، والحضارة عامّة. ولعلّ خير مثال لذلك هذا العالم العربي الذي ينتسب في الظاهر إلى حضارة واحدة نسمّيها الحضارة الإسلاميّة بشتّى معارفها العلميّة والتقنيّة ومذاهبها الفلسفيّة والدينيّة، على قلق هذا المصطلح الفضفاض، منذ أن برح العالم الإسلامي مداراته المألوفة مع الوافد الغربي؛ ولكنّ ثقافاته متعدّدة متنوّعة، بل مختلفة من حيث التقاليد الجماليّة والأسطوريّة والتاريخيّة.

أمّا إذا نقلنا هذا كلّه إلى مجالي الثقافة والسياسة، وأنا أتابع مثل غيري هذه “الضجّة الكبرى” حول “التطبيع”؛ وأرى كيف تضيق المسافة عند البعض بين شأن سياسي رسميّ هو عمل دول، وشأن ثقافي هو عمل أفراد أو جمعيّات، وكيف تتّسع؛ فقد نباغت وقد لا نباغت في الآن نفسه. ذلك أنّ هذه الضجّة لا تعيدنا إلى معاهدات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة فحسب، وإنّما إلى كلام معاد مكرور حول السياسي/ الثقافي، هو أشبه بالعود الأبدي؛ ولكنّه العود الذي يعيد المطابق، ويحول دون ذاتيّة الصيرورة؛ فإذا الثقافة والسياسة مصطلحان يلوحان للوهلة الأولى متباعدين؛ بل يتعذّر التوفيق بينهما.

قد تكون الثقافة المنشودة، بعبارة شعريّة ساذجة؛ جزءا من الأحلام التي لم تنغمس في شبهات السياسة، ومجال الجمال الخالص، والبحث عن المطلق أو المجهول أو الحقيقة. على أنّها مساحة للحرّيّة حرّيّة الفنّان المبدع قاعدةً واستثناءً، وحرّيّة الجمهور أيضا. أمّا السياسة  فهي الفعل نفسه، وفضاء الإرادة؛ أو هي بعبارة أرمان جان دو بلاسيس “فنّ جعل الضروري ممكنا” أو فنّ الممكن، أو النسبي، أو هي التسوية والتراضي. بل هي الدهاء وهو العقل عند العرب، والبصر الثاقب بالأمور. وهي أيضا مجال الصراعات على السلطة. وهي أيضا إغراء ووعد واستعباد أيضا كلّما صرف أهل السياسة عنايتهم إلى الشأن الثقافي، أو سعوا إلى تسييجه. وفي أوروبا الغربيّة  شأنها شأن الشرقيّة في فترة الحرب الباردة، وشأن أكثر دولنا أيضا؛ أثارت كلمة “ثقافة”، عندما احتكرتها اللغة الرسميّة، قدرا غير يسير من الريبة وانعدام الثقة، حيث أنشأت الأنظمة الاستبداديّة  والأنظمة الليبراليّة، والأنظمة الكلّيّانيّة “وزارات الثقافة” التي كانت أشبه بمكاتب دعائية وتلصّص على المثقّفين.
على أنّي أقتصر من تعريفات السياسة على أنّها “فضاء الإرادة” إذ يتيح لنا هذا الحدّ، على ما يتهيّأ لي؛ أن نصل بين السياسي والثقافي في بعده الفردي حيث روح المفهوم الفلسفيّ لمفردة الإرادة (من كانط إلى شوبنهاور إلى نيتشه) تسكن مواقفنا؛ ونحن تحت وطأة هذه الضجّة؛ ننهل بنسبة أو بأخرى من هذه العربيّة التي تتفاعل مع اللغات الأوروبيّة؛ تلك اللغات التي ننصت إلى أجراس المفهوم الفلسفيّ تُقرع في جنباتها وتتصادى في ثنايا سجالاتنا.

وقد لا نجادل في أنّ الفلسفة هي التي دشّنت فعل تحويل الحياة إلى موضوع للإرادة بعدما كان يعتقد أنّ الحياة بداهة لا تحتاج إلى تعليل فيها ولا تحتاج إلى أن تكون موضوع قصد؛ وإنّما هي فقط مجال تُلتَقط منه الحكمة. دشّنت الفلسفة هذا الاتّجاه سواء تلقّفنا “الإرادة” من التّأسيس الكانطي للأخلاق وهو يردّها إلى العقل فإذا هي تعبير عن جوهر إنسانيّ كامن لا يمكن تفعيله إلاّ إذا فهمنا الإرادة من حيث هي قوّة للعقل. هذا العقل كلّي أو كونيّ لدى كانط ولكنّه كم يكون قريبا من “إذا الشّعب يوما أراد الحياة”، وتحديدا من شعب فلسطين وشعب لبنان وسوريّا؛ إذا ما دفعنا بالتّحديد الهيغلي لمفهوم “الشّعب” إلى استضافتنا. فهذا المفهوم يفيد، في ما يفيد، معنى “روح الجماعة”؛ وليس للفرد من إمكان أن يكون حرّا إلاّ بقدر ما يكون فردا في الجماعة، أي مواطنا. ومن ثمّة فإنّ إرادته نابعة من إرادة الجماعة أو الشّعب. والحقّ أنّ ما نسمّيه “المواطن العربي” أشبه بدالّ لا مدلول له، فنحن ننتسب إلى دول نحمل جنسيّاتها؛ وليس إلى “وطن عربي” لا وجود له إلاّ في مخيالنا القومي. ولعلّ هذا ما يفسّر اختلاف مواقفنا من “التطبيع” إلى حدّ التباين بالجملة.

إلاّ أنّ مفهوم الإرادة لا ينعقد فقط على حدٍّ ميتافيزيقيّ أو نظري، وحتّى شوبنهاور وهو يصل الإرادة بالحياة، إنّما هو يصلهما ضمن هَمّ ميتافيزيقيّ يتقصّى عن نظام الطّبيعة. بل هو إلى ذلك معقود في جينيالوجيا نيتشه على قوّة الحياة بما هي اندفاع حيويّ، جسديّ، غريزيّ إلى الوجود. وعندئذ لا حاجز، ولا مانع، ولا معيق، ولا سدّ. بل طوفان وجوديّ يأخذ القدر في مجراه؛ على نحو ما يأخذ العالم العربي في هذا الصراع العاتي الذي تختلط فيه الأوراق، ولا يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

وها هنا يمكن القول إنّ الثقافة والسياسة لا ينفصلان. فالثقافة ليست مجرّد حديقة خفيّة مسوّرة، أو منتزها “على الطراز الفرنسي” مصمّما من أجل متعنا وسعادتنا الخاصة، أو هي سحر خبيء؛ أو حديقة أعشاب بريّة  يسرح فيه الخيال، أو قاعة مزجّجة. إنّما الثقافة  ممارسة اجتماعيّة أساسها المشاركة والتبادل. إنها “روح الشعب” والتعبير عن “الاستعداد للعيش” معا ، بما يجعلنا نتجاوز الاختلافات في المعتقدات والمراجع والأذواق؛ وإن كان  يُفترض في هذه أن تخصب الثقافة، وتذكي حيويّتها؛ وتضفي عليها معناها. والثقافة إرث وتراث ومشروع في الآن نفسه، لكلّ الناس أو لغالبيّتهم. وفي هذا ما يعزّز صلتها بالسياسة، حتى أنّ بعض الدساتير تنصّ على حقّ الجميع في التعليم والنفاذ إلى الثقافة، على نحو ما نجد في ديباجة دستور عام 1946 الفرنسي.

وفي مؤتمر عقد في برلين، منذ مدّة غير بعيدة حول “أوروبا والثقافة” استرعت انتباهي إشارة لطيفة يقارن فيها صاحبها بين ألمانيا وفرنسا، ويخلص إلى أنّ المانيا كانت زمنا طويلا ثقافة قبل أن تكون دولة، على حين كانت فرنسا دولة قبل أن تكون ثقافة. وأقدّر أنّ هذا ينطبق على لبنان، وربّما على بلاد الشام عامّة عندما كانت مركزا للآداب العربيّة الحديثة، أكثر من أيّ بلد عربيّ آخر؛ ولكن قبل أن يصيبها داء نظامها الكلّيّاني الطائفي البشع.

إنّ الأسئلة المطروحة عند أهل الضفّة الأخرى، قد لا تختلف كثيرا عمّا نطرحه نحن اليوم؛ وإن بتشنّج يرقى إلى”التخوين” و”التكفير” الثقافي: هل يمكننا التفكير في الثقافة بمعزل عن قضاياها السياسيّة، وفي السياسة خارج محدّداتها الثقافيّة؟ هل يمكننا تجريد الثقافة من علاقات القوّة؟ هل هناك حاجة اليوم لاستدعاء تحليلات غرامشي لدور الثقافة في تحديد علاقة الهيمنة السياسيّة، أو تلك الخاصّة بفلاسفة مدرسة فرانكفورت فيما يتعلّق بالثقل السياسي للصناعات الثقافيّة التي تكاد تختزل الثقافة في “صناعة ترفيهيّة”؟

يبدو الآن أن الرأي العلماني السائد  يرى أنّ وسائل الإعلام والصناعات التخييليّة تشكّل معا أقوى ناقل للتمثيلات الثقافيّة السياسيّة. والسؤال السياسي إذن هو سؤال “التنوع الثقافي”، أي تعايش الثقافات دون أيّ هيمنة من أيّ منها.
ومع ذلك  يبقى الجدل حول ترسيم “المنطقة الرماديّة” وحدودها قائما: التطبيع السياسي لا يعني ضرورة التطبيع الثقافي، والتطبيع الرسمي لا يعني ضرورة التطبيع الشعبي. أمّا إذا بقينا في هذه المنطقة، فلن نكون سوى “سجناء الأقبية الزجاجيّة” بعبارة الألماني ماكس فون درجرون.

* كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية