الباحث السوري حواس محمود يرصد المشكلات العربية المزمنة

صدر حديثاً عن دار الزمان في دمشق كتاب «العالم العربي قضايا معاصرة» للكاتب والباحث السوري حواس محمود. يتناول الكاتب العديد من القضايا والمشكلات المعاصرة في الوطن العربي، التي ما زالت تستأثر بالاهتمام والجدل لدى الفعاليات الثقافية والفكرية، وهذه القضايا تتعلق بالجوانب الحضارية كافة، ومن أبرزها، العلمية والتقانية والجوانب السياسية الفكرية والجوانب الثقافية المعرفية، إضافة إلى فصل عن علم اجتماع الإنترنت، وموضوع المستقبلية، والدراسات الثقافية، والشعبوية الافتراضية، والعروبة والديمقراطية كجدلية غائبة عن الفكر العربي.

معوقات البحث العلمي

يؤكد المؤلف على أن الحاجة اليوم تبدو أكثر إلحاحاً في العالم العربي لتطوير آلية البحث العلمي، في ظل الحاجات المتزايدة للتنمية في عصر المعلوماتية والاتصالات، من أجل مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين. وتفيد دراسة لليونسكو ـ حسب المؤلف – بأن الإنتاجية العلمية في العالم العربي متدنية جداً، فقد كان هنالك على سبيل المثال سبعة آلاف باحث، وكان من المتوقع أن ينتج هؤلاء ما بين (8000 و14000) بحث سنوياً، إلاّ أنّ المنشور فعلاً بلغ (847) بحثاً أي (10٪) من المتوقع. أَمَّا بالنسبة للإنفاق على البحث العلمي عربياً، فإنه يختلف عن المعدل العالمي للإنفاق على البحث العلمي، وقد أورد الكاتب عددا من المشاكل التي تقف في طريق البحث العلمي عربياً ووصوله إلى مستوى الدول المتقدمة ومنها: إضافة إلى تدني مستوى الإنفاق على البحث العلمي، يأتي نقص التجهيزات العلمية والتقنية، كذلك نقص الفنيين والمتخصصين في التقنيات الحديثة، وغياب المراجع الضرورية لعمل الباحثين في العالم العربي، وانعدام أجواء البحث العلمي.

غياب العلم والتقانة

وفي الفصل الثاني يتابع حواس محمود الحديث عن دور العلم والتقانة في عمليات التنمية، حيث يغيب لدى الفكر العربي المعاصر الاهتمام بموضوعات العلم والتكنولوجيا، باعتبارهما المرتكز الأساس لأي نهضة، ولأي تنمية في القرن الواحد والعشرين. ويؤكد على أن العلم لا يمتلك بالاستمداد والاستعارة، أو النقل أو الشراء، بل بالجهد، جهد توطينه وتوظيفه، أخذاً في الحسبان الحاجات البيئية والمجتمعية المحلية، مع امتلاك القدرة على صياغة سياسات علمية وتقنية وطنية، لا بد من النظر إلى العلم والمؤسسات البحثية من زاوية تبرز بعدهما البنيوي المنظومي، ومن هنا تبرز أهمية العلاقة بين منظومة العلوم والتقانة، في مجتمع ما والمشروع الحضاري، الذي يتبناه ذلك المجتمع.

غياب الثقافة العلمية

يبرز المؤلف دور الثقافة في المجتمع، قائلاً: إنَّ واقع العلم والتقانة في العالم العربي قد انعكس على الثقافة العلمية، وأدى إلى تدني مستواها لأسباب كثيرة منها: ارتفاع نسبة الأمية التعليمية في مجتمعاتنا لحدٍ ما، حيث يظهر تركيز غالبية الناس على وسائط التثقيف العلمية السريعة، كالراديو والتلفزيون، وإهمالهم وسائط التثقيف الأساسية في هذا الإطار، كالكتب العلمية والمجلات المتخصصة، وكذلك قلة الندوات والمحاضرات المركزة على هذا الجانب.

اقتصاد المعرفة

ينتقل الكاتب إلى مناقشة اقتصاد المعرفة الذي يمثّل اتجاهاً حديثاَ في الرؤية الاقتصادية العالمية (وفرعاً جديداً من فروع الاقتصاد) حيث يُنظر إلى المعرفة بوصفها محرك العملية الإنتاجية، والسلعة الرئيسية فيها، إذ يرى أنها تلعب دوراً رئيسياً في خلق الثروة غير المعتمدة على رأس المال التقليدي، ولا على المواد الخام، أو العمال، إنما تعتمد على رأس المال الفكري البشري، وإن مفهوم المعرفة، كما يوضح المؤلف، ليس بالأمر الجديد بالطبع، فالمعرفة رافقت الإنسان منذ أن تفتح وعيه، وارتقت معه من مستوياتها البدائية، مرافقة لاتساع مداركه وتعمقها، حتى وصلت إلى ذراها الحالية، إلاّ أن الجديد اليوم – حسب المؤلف- هو حجم تأثيرها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وعلى نمو حياة الإنسان عموماً.

المجتمع المدني

يطرح المؤلف مسألة (المجتمع المدني) في العالم العربي، التي برزت في الآونة الأخيرة، من قبل نخبة واسعة من المفكرين والباحثين العرب، خاصة بعد التحولات العالمية المعاصرة، منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، وتفكك المنظومة الاشتراكية، والحرب الخليجية الثانية، وبروز تكوين ملامح نظام عالمي جديد. وقد ظلت هذه المسألة مطوية في عوالم النسيان والتجاهل والإهمال إلى (نهاية الثمانينيات) لأسباب داخلية وخارجية، حيث يؤكد الكاتب على أن بروز ظاهرة المجتمع المدني، يُعَدُّ ظاهرة حضارية جديدة، قوامها حضور سياسي ومشاركة فعلية للمجتمع المدني، بتنظيماته ومؤسساته الأهلية والشعبية، فالمنظمات غير الحكومية غائبة تقريباً في معظم البلدان العربية، وإن وجدت فهي مخترقة من قبل أجهزة الدولة. وأنّ المجتمع المدني العربي الجديد يتسم بـ(عدم الثبات- التقلب السريع والمتواصل- غياب المقومات الذاتية والاتساق الداخلي- انعدام آليات تحقيق للتوازنات الكبرى المادية والمعنوية).

الأمية الثقافية

وعن المناخات السلبية في الحالة العربية، يورد الكاتب أمثلة على الأمية الثقافية من المجتمعات العربية، والتي تتجسد من خلال الابتعاد عن القراءة، وبالتالي ضعف المعلومات الثقافية، على النقيض من أمور أخرى لا علاقة مباشرة لها بالثقافة (إذ تحظى باهتمام شريحة واسعة من الشباب العربي) كالولع بنجوم الرياضة والسينما والتلفزيون والفيديو، إلخ. ويرد في الكتاب استطلاع نشرته إحدى المجلات العربية، الذي شمل عينة من الشباب العربي، فقد كشف الاستطلاع أن متوسط جلوس من شملهم الاستطلاع أمام التلفزيون ست ساعات، وقد كشفت الأسئلة المتعلقة بالشخصيات العامة عن جهل الطلبة، بأسماء شخصيات لها دور وطني بارز، فمثلاً عرّف الكثيرون المفكر التنويري عبد الرحمن الكواكبي على أنه صحافي مصري، وسعد زغلول بأنه شاعر سوري والشاعر التشيلي بابلو نيرودا بأنه أديب مغربي وهكذا.
ولكن الأمر اختلف عندما تعلق السؤال بمسألة تلفزيونية أو سينمائية، إذ تم السؤال عن جنسية الممثلة الأمريكيـــــة شارون ســــتون وعن فيـــلم «غريزة أســـاسية» كأشهر أفلامها إذ كانت أجوبة أكثر الطلاب صحيحة، وأنحى الطلاب باللائمة على أساتذتهم في الجامعة وعن مسؤوليهم في أنهم يلقنوهم معلومات غير صحيحة، تدل على جهلهم بالحقائق التاريخية.

٭ صحافيّ وكاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية