للسينما منذ ولادتها مع مطلع القرن العشرين سحرها الخاص على المتلقي، لم تستطع بقية الفنون أن تنافسها على استقطابه، وهي بذلك تحتفظ بفرادة خطابها السردي في مساءلة الواقع وما بعده من خلال لغة الصورة، ولم يعد هناك مجال للشك في أنها قادرة على أن تطرح قضايا بغاية التعقيد وبلغة مكثفة لا ينافسها عليها سوى الشعر في هذه المهمة، وقد يصل تأثير إيجازها الدلالي إلى ان تجاور المصطلح الفلسفي، ومهما يكن للفنون الأخرى من خصائص جمالية ذات طبيعة تقنية وعلاماتية فإنها لن تقوى على أن تنافس الفيلم السينمائي في تاثيره الحسي والعاطفي على الجمهور، ومن الممكن أن تصل رسالة الفيلم إلى المتلقي بالشكل الذي تغنيه عن عشرات الندوات والمطبوعات. ولهذا التفتت الأنظمة والحكومات إلى الفن السينمائي منذ بواكيره الأولى، إلاَّ ان وتيرة هذه الرعاية تصاعدت بشكل كبير منذ الحرب العالمية الثانية، فكانت السينما الوسيلة الدعائية المثالية للأطراف المتحاربة خاصة في إطار استثمارها لأغراض الحرب النفسية.
وبقدر ما كانت السينما في أوقات السلم جزءا من أدوات المتعة والترفيه بقدر ما أصبحت ميدانا فنيا خصبا اشتغل عليه المخرجون من أجل الانفتاح على منابع الثقافة المحلية في بلادهم، ويأتي ذلك من ضمن تجليات تفكيرهم بإحياء الذاكرة الوطنية والقومية، فالأمر لم يبق مرهونا بتحقيق التسلية إنما تجاوز ذلك إلى إطار أوسع وأعمق، حيث يتداخل الفني مع الثقافي بهدف إعادة تشكيل الوعي والوجدان لدى المتلقين، من خلال انفتاح الأفلام السينمائية في موضوعاتها على نماذج فريدة كان لها حضور مؤثر في ميادين العلم والمعرفة والثقافة، وعادة ما تخوض هذه النماذج معارك شرسة في ميادين العقول والأفكار وليس في الساحات التقليدية للحروب، ومن هنا شهدنا عديد الأفلام الروائية على مدى تاريخ السينما كانت شخصياتها الرئيسية تمثل نماذج إنسانية معظمها كان معروفا لدى عامة الناس، وبعضها لم يكن معروفا إلا على نطاق ضيق.
وإذا ما أردنا نستعرض هذه النماذج المتنوعة التي تفاعلت معها السينما سنعجز بكل تأكيد، لانها ارتبطت بكافة الحقول الإنسانية التي كتب فيها المبدعون انتصاراتهم، من بينهم متسابقو سيارات ونجوم في عالم الرياضة وشعراء وعلماء رياضيات وروائيون وصحافيون.. الخ.
بذلك تكون السينما العالمية وخاصة الغربية قد بددت الغموض الذي يكتنف حياة الكثير من هذه الشخصيات، وكان للمراجعة السينمائية أثر كبير في استحضارها وإعادة الاعتبار لها في ذاكرة المتلقين، ومما لاشك فيه فإن الأدباء كانت لهم حصتهم الكبيرة في هذا الإنجاز السينمائي.
مصر والسيرة الذاتية
لو حاولنا أن نقلب أوراق الذاكرة السينمائية في عموم المنطقة العربية، وخاصة في مصر التي تتميز عن غيرها من حيث الكم والتاريخ الطويل في الإنتاج السينمائي سنصاب بالإحباط، فما تم إنجازه من أفلام سينمائية روائية تصنَّف ضمن خانة أفلام السيرة الذاتية تعد على أصابع اليد الواحدة، وهذا يشكل أبرز المثالب على السينما المصرية بوجه خاص والعربية بوجه عام، ولعل أبرز هذه الأفلام: “سيد درويش” إنتاج 1966 إخراج احمد بدر خان، تمثيل كرم مطاوع، ويرصد الفيلم قصة حياة الموسيقار سيد درويش الذي ترك أثرا في الذائقة والوجدان المصري من الصعب تجاوزه. “قاهر الظلام” إنتاج 1978 إخراج عاطف سالم، تمثيل محمود ياسين، ويتحدث عن جانب من حياة عميد الأدب العربي طه حسين. “ناصر 56” إنتاج 1996 إخراج محمد فاضل، تمثيل احمد زكي، ويتوقف عند مرحلة مفصلية من المسيرة السياسية للرئيس جمال عبد الناصر عندما أقدم على تأميم قناة السويس عام 1956 وما صاحبه من تداعيات على المستوى الدولي. “ايام السادات” إنتاج 2001 إخراج محمد خان، تمثيل احمد زكي، وفي هذا الفيلم حاول السيناريو ان يمر على حياة انور السادات منذ ولادته إلى ساعة اغتياله. “حليم” إنتاج 2006 إخراج شريف عرفة، تمثيل أحمد زكي، وهنا استعرض السيناريو حياة المطرب عبد الحليم حافظ منذ طفولته مارَّا بكفاحه من أجل أن يكون في قمة مجده، كما يتوقف أمام تجربته المريرة مع المرض الذي رافقه منذ طفولته حتى وفاته. “الفاجومي” إنتاج 2011 إخراج عصام الشماع، تمثيل خالد الصاوي، وتدور أحداثه عن حياة الشاعر المصري احمد فؤاد نجم “1913- 2013” الذي يعد أبرز من كتب الشعر بالعامية المصرية.
خطط قاصرة
ما يؤكد على صحة فرضيتنا أن الفترة الزمنية التي تفصل بين الفيلم الأول “سيد درويش” عن الثاني “قاهر الظلام” تصل إلى 12 عاما، وبحدود خمسة أعوام ما بين كل فيلم عن الذي يليه في بقية الأفلام التي أشرنا إليها! والملاحظ انها فترات زمنية طويلة نسبيا، تعكس عدم أهمية هذا النوع من الأفلام في أجندة الإنتاج السينمائي، قبل أن تكون إشارة على غياب الأيقونات المؤثرة في الثقافة والوجدان الوطني عن ستراتيجية مؤسسات الدولة الثقافية، وهذا الاستنتاج يأتي ضمن سياق قناعتنا التي نشير فيها إلى ان السينما العربية ممثلة بمصر، لم تكن متفاعلة بما يستوجب الموضوع من اهتمام مع واحد من أهم الحقول في الإنتاج السينمائي، المتمثل بسينما السيرة الذاتية، ولم تضع هذا النوع ضمن خطط إنتاجها خاصة في السنوات العشر الأخيرة. فمنذ فيلم”الفاجومي”2011 لم يتم إنتاج شريط سينمائي يعتمد السيرة الذاتية. وهذا القصور الواضح لا يشمل شركات القطاع الخاص فقط والتي تضع أولا الربح المادي في حساباتها، بل يشمل الإنتاج الذي تساهم فيه الدولة عبر مؤسساتها السينمائية.
شخصيات تنتظر
هناك أسماء كثيرة كانت مسيرتها الإنسانية والثقافية بؤرة إشعاع دارت حولها مفاصل مهمة في حياة الثقافة العربية المعاصرة مثال على ذلك الروائي نجيب محفوظ، لريادته في كتابة الرواية وما تركه من إرث لا يجاريه في ذلك أي من الكتاب، هذا إضافة إلى أن مسيرته الثقافية والإنسانية كانت قد شهدت محطات درامية توفرت فيها عناصر من الممكن أن تنفتح عليها بنية الفيلم الروائي بشكله السير- ذاتي نظرا لما تزخر به من مفارقات ومواجهات، لعل أبرزها محاولة اغتياله في 14 تشرين الأول (اكتوبر) 1994 من قبل عنصرين يتبعان جماعة إسلامية متشددة، وهذا الحدث لوحده يكفي أن يكون منطلقا دراميا لصياغة سيرة ذاتية سينمائية عن محفوظ باعتباره روائيا ومثقفا تمكن خلال أكثر من نصف قرن من ان يتصدر الأسماء التي راهنت عليها الثقافة العربية لتأكيد حضورها الإبداعي محليا وعالميا وتوج هذا الحضور بنيله جائزة نوبل للآداب. وبطبيعة الحال هناك أسماء أخرى لا تقل أهمية عن محفوظ تشير سيرتها إلى ما فيها من أبعاد درامية تصلح ان تكون مادة سينمائية، على سبيل المثال: المفكر محمد عبده، عباس محمود العقاد، الناشطة النسوية هدى شعراوي، نجيب سرور، فرج فودة، نصر حامد ابوزيد، وآخرين .
منطقة محظورة
ما يثير التساؤل بهذا الصدد أن السينمائيين العرب مع كل الإرث الذي أنجزوه، من أفلام روائية إلا انهم كانوا أبعد ما يكون عن الاهتمام بسيرة الأسماء المؤثرة في البيئة العربية من علماء ومفكرين وأدباء، وكأنَّها من المناطق المحظورة وينبغي تجنبها لدواعي ليست لها علاقة بالفن.
ويبقى هذا التساؤل مفتوحا أمام المهتمين بالفن السينمائي بحثا عن إجابة. ونرى أن إهمال هذه النوعية مرتبط بقصور في الوعي من قبل المؤسسات الرسمية إزاء الدور الفاعل للشخصيات المؤثرة في مجتمعاتها، ودائما ما يتم اختزال التأثير وحصره بالشخصيات المرتبطة بالعمل السياسي، خاصة تلك التي تمكنت من الوصول إلى سدة الحكم، مع أن هذه الشخصيات يبقى تأثيرها عرضة للتشكيك بأهميته.
قد يُبرر البعض غياب أفلام السيرة الذاتية في السينما العربية إلى عزوف الجمهور عن مشاهدتها، بناء على التحولات التي شهدتها المجتمعات العربية في العقود الثلاثة الأخيرة والتي أدت إلى انهيار العالم القديم الذي كانت فيه الظروف ملائمة لنمو الأيقونات الفردية، في عالم الفن والثقافة والسياسة، وهذا يعني ان أفلام السيرة الذاتية التي أشخاصها من فصيلة الزعماء السياسيين لم تعد تحقق هي الأخرى إقبالا جماهيرها .
مسؤولية الفشل
وجوابا على الفرضية المغلوطة التي تضع اللوم على المتلقي في مسألة فشل أفلام السيرة الذاتية وترفع المسؤولية عن كاهل الجهات المنتجة من كتاب ومخرجين وشركات إنتاج، لابد ان نذكِّر أولا بنجاح مثل هذه الأفلام التي عادة ما تقدمها لنا السينما الأمريكية والأمثلة كثيرة جدا، إذن مثل هذه الفرضية لا مصداقية لها ولا يمكن ان تصمد كثيرا إذا ما تم وضعها تحت مشرط النقد، لانها تقفز من فوق الحقائق بهدف تزييفها، فمن غير المنطقي ان يتحمل المتلقي مسؤولية فشل أي عمل فني، وإذا ما ناقشنا الموضوع انطلاقا من نظريات التلقي، فإن الفشل يعود أولا إلى صاحب الرسالة لأنه لم يضع في حساباته طبيعة الجمهور الذي خاطبه والكيفية التي صاغ بها رسالته الموجهة إليه.
أما إذا تم تناول هذه الاشكالية ضمن إطار تجنيسي باعتبار منجز الفنان تجربة فنية، فإن الفشل تتحمله جهة الإنتاج، وأسباب ذلك كثيرة منها ضعف القدرات الإبداعية للمخرج، والمستوى المتواضع لبقية عناصر الفيلم من ممثلين إلى تقنيين.
وتبقى أفلام السيرة الذاتية رهانا فنيا وثقافيا إضافة إلى كونه يفتح نافذة على التاريخ. وبانتظار أن يصبح هذا الشكل الفني قيمة ثابتة ضمن آلية الإنتاج السينمائي في المنطقة العربية.