اجتمعت في غزة كل صعوبات الحياة على العمال والباعة في الأسواق وكافة المنشأت الصناعية العاملة، فلم يكن الحصار المفروض على القطاع منذ 14 عاماً ليكفيهم، حتى باغتتهم جائحة كورونا التي طلت على غزة لتطبق الخناق عليهم. قطاعات اقتصادية عدة كانت تنشط بشكل نسبي في غزة، ولكن اليوم ومع فرض الجهات الحكومية المختصة حالة الإغلاق الكامل ضمن إجراءاتها لمنع تفشي الفيروس الذي دخل بقوة، توقفت كافة القطاعات إثر ذلك عن عملها وتكبدت خسائر مالية كبيرة، ومن أبرز القطاعات التي أغلقت مرافقها الاقتصادية أو توقفت أعمالها بشكل كامل، السياحة والفنادق وصالات الأفراح، والنقل والمواصلات والتجارة والصناعة.
وأعلنت الحكومة الفلسطينية في 24 أب/أغسطس الماضي، عن فرض حظر تجوال تام في جميع محافظات غزة، بما يشمل مقرات العمل الرسمية والخاصة والمؤسسات التعليمية والمساجد والأسواق وصالات الأفراح والنوادي ومنعت التجمعات، وذلك بعد تسجيل سبع إصابات لمواطنين خارج مراكز الحجر في مخيم المغازي وسط قطاع غزة.
وأدت حالة الإغلاق المفاجئة، إلى إرتفاع مؤشري البطالة والفقر اللذين وصلا ما قبل أزمة كورونا ومع بداية العام الحالي إلى 52 في المئة على مستوى قطاع غزة، فيما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني أوضاعاً اقتصادية ومعيشية متردية للغاية، جراء حصار إسرائيل المتواصل منذ أن فازت حركة حماس في الانتخابات البرلمانية صيف 2006 إلى حد الآن.
وأكد خبراء اقتصاديون أن تداعيات جائحة كورونا انعكست بشكل كبير على القطاع الاقتصادي، حيث قدرت الخسائر بـ3 مليار دولار وما تبعها من انكماش وتراجع للنمو الاقتصادي الذي يعاني من صعوبة في التعافي نتيجة الإغلاق المتكرر للمرافق الصناعية بسبب تفشي كورونا.
وقال الخبير الاقتصادي وائل الرفاتي إن نمو الاقتصاد الفلسطيني يشهد حالة من التراجع الحاد، كما وصلت نسبة الانكماش لما يقارب 25 في المئة في ظل أزمة كورونا، وما رافقها أيضاً من أزمات انقطاع الرواتب وعدم استلام السلطة أموال المقاصة.
وبين الرفاتي في حديثه لـ”القدس العربي”: إن حجم خسائر الاقتصاد الوطني جراء الجائحة بلغت 3 مليار دولار، ومن المتوقع أن ينكمش بنسبة 7 في المئة على الأقل مع نهاية العام، كما وأن من المتوقع أن يصل عجز الموازنة لأكثر من 1.4 مليار دولار للعام الجاري، مشيراً في ذلك إلى أن تداعيات جائحة كورونا منذ مطلع شهر اذار/مارس الماضي، انعكست بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع، حيث بلغ عدد العاطلين عن العمل 4600 في الربع الأول من العام الجاري، سواء في قطاع غزة والضفة الغربية.
ويعتبر قطاع عمال المياومة من الأكثر تضررا من جائحة كورونا، ومن بين هؤلاء العمال من الصيادين وعمال المطاعم والباعة المتجولين في الشوارع العامة، وفي إطار ذلك أطلقت الغرف التجارية ونقابتا العمال والصيادين في قطاع غزة، نداءات استغاثة عاجلة لمساعدتهم على تخطي الواقع المأسوي المحيط بهم، في أعقاب فرض الحظر التام لأكثر من أسبوعين ضمن إجراءات الحد من تفشي وباء كورونا، محذرين من انعكاس ذلك على تعطل مصالحهم التجارية، وعجزهم عن تلبية احتياجات أسرهم والإيفاء بالالتزامات المالية تجاه الغير، ودعوا إلى أهمية إعادة التجار ورجال الأعمال والمصنعين لأماكن عملهم مع اتخاذهم إجراءات الأمن والسلامة، وطالبوا بدور فاعل للسلطة الفلسطينية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين أونروا تجاه أوضاعهم، والعمل على تقديم مساعدات مالية إغاثية عاجلة للمتضررين من الوباء كما في الضفة الغربية المحتلة.
في إطار ذلك قال الخبير الاقتصادي معين رجب، إن استمرار حالة الإغلاق لاشك أنها ستترك تأثيراتها السلبية الشديدة على الحركة التجارية في القطاع، وأنه لابد من بحث سبل التعايش مع الوباء، وفتح كافة القطاعات الاقتصادية أبوابها مع الالتزام بإجراءات السلامة الوقائية.
وأوضح رجب لـ”القدس العربي”: “أن قطاع غزة وصل إلى مرحلة الانهيار الاقتصادي الكامل، وأن الإجراءات المتبعة للحد من تفشي الوباء ندرك جميعاً أنها تصب في الصالح العام، لكن في الجهة الأخرى يتعرض الاقتصاد إلى خسائر فادحة تظهر مع مرور الوقت، وهنا ينبغي أن نأخذ من تجربة الضفة الغربية والدول المحيطة درسا في التعايش مع المرض”.
أما على صعيد قطاع الصيد، والذي توقف بشكل كامل بعد أن أغلقت الجهات المختصة البحر أمام الصيادين كخطوة إحترازية لمنع تفشي الوباء، قال نقيب الصيادين نزار عياش لـ”القدس العربي”: “إن واقع الصيادين مزري للغاية، وأنهم باتوا بين فكي ملاحقة الاحتلال لهم في عرض البحر والإجراءات المتخذة للحد من تفشي كورونا” في حين أشار عياش إلى أن أزمة كورونا حرمت ما يقارب 50 ألف نسمة من عوائل الصيادين من كسب قوت يومهم، مبيناً أن مزيداً من الانقطاع المتواصل لعمل الصيادين، سيؤثر على حياتهم وأسرهم، في ظل اعتمادهم في توفير لقمة عيشهم على عملهم اليومي.
وفي ظل المعطيات السابقة والخسائر المتتالية للقطاع الاقتصادي في فلسطين، تبدو الصورة للمرحلة المقبلة ضبابية، فالاقتصاد الفلسطيني منهك ما قبل كورونا، وهذه الجائحة زادت الطين بلة، ما يستدعي وجود رؤية واضحة وخطة مدروسة في محاولة لانعاش الاقتصاد قبل فوات الأوان.