حي الزيتون جذور ضاربة في عمق غزة وتاريخ لا يمحى

إسماعيل عبدالهادي
حجم الخط
1

يعد قطاع غزة من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في العالم، ويمثل شاهداً حيا على تعاقب الحضارات المختلفة عبر آلاف السنين، من الكنعانيين مرورا إلى الفراعنة والإغريق والرومان والبيزنطيين والعرب المسلمين وصولاً إلى العثمانيين. وعلى الرغم من صغر مساحته، فإن قطاع غزة يضم عددا كبيرا من المواقع الأثرية التي تجسد هذا التاريخ العريق وخاصة في قلب مدينة غزة، ومن أبرز تلك الأحياء التي تحتضن عددا من المعالم التاريخية التي مرت عليها آلاف السنين حي الزيتون، الذي يعتبر واحدا من أقدم وأكبر أحياء مدينة غزة ومدخل المدينة الجنوبي، ويحمل الحي بين أزقته الضيقة ذاكرة المدينة، ويعد اليوم شاهدا حيا على تقاطع التراث والدين والمأساة المعاصرة، كما يمثل حي الزيتون مرآة لتاريخ مدينة غزة، فهو ليس مجرد حي سكني، بل شاهد على تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية تعكس نبض المدينة ووجدانها، وبين أزقته ومساجده وشجره العتيق يحيا التاريخ وتتشكل الهوية.
نشأ حي الزيتون في بدايات القرن العشرين وتوسع تدريجيا مع ازدياد عدد السكان، وعرف الحي سابقا باسم المنطقة الشرقية، لكنه اكتسب اسمه الحالي لكثرة أشجار الزيتون التي كانت تحيط به.
تأسس الحي في ثلاثينيات القرن الماضي قبل النكبة الفلسطينية، واستقبل مهجري النكبة في الأربعينيات، وقبل الحرب العالمية الأولى، كان الحي يمثل الجزء المكمل لحي الدرج، قبل أن ينفصل عنه بشق شارع جمال باشا إبان الحرب الأولى، والذي أصبح يسمى باسمه الحالي شارع عمر المختار، والذي يضم أسواقاً تجارية أشهرها سوق السروجية، وفي الثلاثينات والأربعينيات من القرن الماضي، بدأت نواة حي الزيتون في التمدد، مستقطبة اللاجئين الذين هجروا من أراضيهم وقراهم الفلسطينية خصوصاً بعد نكبة عام 1948، وكانت عائلة مؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس الشيخ أحمد ياسين، إحدى العائلات التي استقرت في حي الزيتون بعد النكبة.

رائحة أشجار الزيتون

من حيث الموقع، يمتد حي الزيتون في الجهة الجنوبية الشرقية من مدينة غزة، حاملاً في أزقته وشوارعه عبق التاريخ وذاكرة مفعمة بالحنين، ورائحة أشجار الزيتون التي سمي بها، تتميز بيوت الحي القديمة بأسقفها العالية وجدرانها السميكة المبنية من الحجارة، ونوافذها الخشبية ذات الأقواس والزجاج الملون، كثير من هذه البيوت لا تزال قائمة وشاهدة على الزمن وإن أصاب الحي بعض الإهمال، كان وما زال حاضنا للحرفيين والمهنيين من النجارين إلى صانعي الفخار والسلال، كما كان معروفا بالمقاهي الثقافية البسيطة التي يجتمع فيها الشيوخ لقراءة الصحف والحديث عن التاريخ والسياسة، بالرغم من التغيرات العمرانية الكبيرة ما فعلته حرب الإبادة بالحي، فلا تزال ملامح التاريخ بادية في شوارعه الضيقة وبعض المباني القديمة.
من أبرز المعالم الأثرية والتاريخية التي تميز حي الزيتون، وتنسب له المكانة التاريخية والثقافية والاجتماعية العريقة عبر العصور القديمة، العديد من المساجد والبيوت والمقامات والأضرحة، ومن ذلك مسجد القزمري ومسجد أبو أيوب الأنصاري، ومسجد ابن عثمان ومسجد الشيخ زكريا ومسجد الزيتون الكبير، إضافة إلى مسجد كاتب ولاية الذي يعتبر تحفة معمارية مملوكية عثمانية، وجميع هذه المساجد مر على إنشائها ما يزيد عن 400 عام، إلى جانب ذلك توجد في الحي أضرحة تعود لعلماء وشيوخ صوفيين، ما يعكس عمق الروحانية والتقاليد الدينية في الحي، يضاف إلى ذلك احتضان الحي كنيسة القديس برفيريوس، وتعتبر ثالث أقدم كنيسة في العالم تعود إلى القرن الخامس الميلادي، سميت نسبة إلى القديس برفيريوس الذي نشر المسيحية في غزة، كما يضم حمام السمرة، وهو آخر الحمامات الشعبية التي بقيت من الحقبة العثمانية في غزة، ودمره الاحتلال خلال الحرب الدائرة على قطاع غزة، إضافة إلى ذلك يضم الحي المستشفى الأهلي العربي «المعمداني»، الذي يعتبر من أقدم مستشفيات غزة، وتديره الكنيسة الأسقفية الانجليكانية في القدس، والذي لا يزال يعمل حاليا بعد أن أجريت له عمليات ترميم مستمرة خلال السنوات الأخيرة.
ويوجد العديد من المنازل الأثرية في حي الزيتون والأحياء الملاصقة له، ويقدر عددها 146 بيتا، حيث تتركز هذه البيوت في حي الدرج والزيتون، وتعود ملكية هذه المنازل لعائلات سكنت البلدة القديمة إبان الحقبة العثمانية والمملوكية، وتتمتع هذه المنازل بطابع بناء جميل يتكون من الحجر الرملي والكركار، وتحولت هذه المنازل مؤخرا إلى مراكز ثقافية ومقاه ومطاعم شعبية تستقبل الزوار من المواطنين وطلبة الجامعات، في حين هناك العشرات من المنازل تركت من دون ترميم، وغالبية المنازل القديمة التي كانت في حي الزيتون تعرضت للهدم بفعل حرب الإبادة.

بيت ستي

يعتبر هذا البيت من البيوت الأثرية القديمة التي توجد في حي الزيتون جنوب شرق غزة، ويعود إلى ما قبل أربعة قرون من الزمن، وهو مبني من الحجر الصلب المخلوط بالرمل والكركار، ويتميز بناؤه بالطابع العربي كحال منازل البلدة القديمة، وأجريت عليه العديد من عمليات الترميم والتنظيف والصيانة بعد أن ترك لسنوات مهجورا، وأصبح بعد عملية ترميم واسعة نهاية عام 2016 مزارا سياحيا ومطعما يستقبل الزوار، وأطلق عليه اسم بيت ستي، لكن لم يعد هذا المنزل موجودا، بعد أن تحول إلى كومة رماد بفعل آلة الحرب الإسرائيلية.

بيت الداية

يعتبر قصر الداية ثاني أكبر البيوت الأثرية من حيث حجم البناء ومساحة أرضه، حيث يقع أيضا في الجهة الشمالية الغربية من حي الزيتون، ويتميز البيت الذي يعود للحقبة العثمانية بطابع معماري جميل، إلى جانب وجود لوحات فنية تعكس الثقافة المحلية والحياة الاجتماعية، وكان يستقبل البيت العديد من الزوار، إلى جانب إقامة أمسيات ثقافية داخله، لكن تعرض البيت للتدمير ولم يعد هناك أثر له.

بيت الغصين

يعتبر بيت الغصين من المنازل الأثرية القديمة، حيث شيد البيت أواخر الحقبة العثمانية، ويقع في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، ويضم البيت إيوان كبير وعدد من الغرف، تم ترميم المنزل قبل عامين، ليصبح مقصدا للزوار المتوقين لمشاهدة فن العمارة الإسلامية القديم، والتمتع بمشاهدة الزخارف والطابع المعماري الذي شيد به المنزل.

بيت حتحت

يعتبر هذا البيت من البيوت الأثرية التي شيدت خلال الحقبة العثمانية، ويقع في حي الدرج الملاصق لحي الزيتون شرق مدينة غزة، حيث بناه الحاكم إبراهيم حتحت وهو كردي الأصل في القرن الثامن عشر الميلادي، ويضم البيت عددا من الغرف وساحة كبيرة، وتم ترميمه مؤخرا واستخدمته جمعية مبرة الرحمة لرعاية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، بعد أن تبرع مالك البيت للجمعية.
وعن الحياة الاجتماعية داخل الحي خلال العصور القديمة إلى هذا الوقت، يعتبر الحي نسيجا متنوعا من العائلات الفلسطينية العريقة، كما يتميز بالتنوع الديني والتسامح، حيث عاش المسلمون والمسيحيون جنبا إلى جنب لعقود، وهو ما يظهر جليا في قرب الكنائس من المساجد، كما يتمتع الحي بروح اجتماعية أصيلة، تتجلى في المناسبات الدينية والجاهات ما يسمى المصالحات العشائرية والتكافل بين السكان، أما على صعيد الدور الوطني عبر التاريخ لحي الزيتون خلال الانتداب البريطاني، كان الحي مركزا للمقاومة الشعبية، واحتضن شخصيات وطنية وسياسية بارزة، وفي الانتفاضات الفلسطينية لعب الحي دورا فاعلا، وقدم شهداء كثر وكان مسرحا لمواجهات الاحتلال، حتى خلال انتفاضة الأقصى، ظل الحي صامدا أمام كل محاولات التهجير والتدمير التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي على مدار السنوات الماضية، من توغلات وعمليات تجريف وتخريب لملامح الحي وآثاره التاريخية، كما أن كثافة أشجار الزيتون داخل الحي أضافت له سمة عسكرية كبيرة، حيث شكلت كثافة الأشجار جدارا منع محاولات عديدة لاجتياح الاحتلال الإسرائيلي سابقا مدينة غزة من الجهة الجنوبية، وهذا دفع الاحتلال إلى تعمد تجريف أشجار الزيتون، التي شكلت سدا منيعا وصمودا لسكان الحي على مدار السنوات الماضية.

مساجد قديمة

يقول الخبير في التنقيب وعلم الآثار أحمد حسين يعتبر «حي الزيتون من أقدم أحياء مدينة غزة، ومن الرموز التاريخية والأثرية العريقة التي تضم العديد من المواقع الأثرية، منها مساجد ومنازل وكنائس ومقابر وحمامات، تعاقبت عليها الكثير من الحضارات ومنها الكنعانية والرومانية والبيزنطية وغير ذلك من الحضارات، ونتيجة لاكتساب هذا الحي جمالا معماريا، شكل قبل نشوب الحرب مزارا للمؤرخين والكتاب وطلبة الجامعات».
وبين أن «تسمية حي الزيتون بهذا الاسم، تعود إلى كثرة أشجار الزيتون التي كانت مزروعة داخل الحي وتحيط به من جميع الجوانب، فأشجار الزيتون بالنسبة للفلسطينيين بشكل عام وللغزيين بشكل خاص لا تعتبر شجرة فقط، بل هي رمز وطني وثقافي وتاريخي، فضلت أشجار الزيتون جزءا من هوية السكان، وبقي أهالي الحي يزرعون الزيتون حتى بعد عمليات التجريف التي تعرض لها الحي خلال السنوات الماضية».
وأشار حسين في حديثه لـ«القدس العربي»: إلى أن «حي الزيتون ظل يحتفظ بالأماكن الأثرية، بالرغم من مرور فترة زمنية طويلة على الحقب التي سكنتها بالعديد من الحضارات، حيث تبرز حجارة الأبنية مدى قدم هذا البناء، وبعض هذه الحجارة منقوش عليها ما يدل على الحقبة التي كانت تعيش منذ القدم فيها، فهذا التاريخ موجود داخل أزقة المخيم، فهناك بعض من المساجد القديمة التي بقيت حتى قبل حرب الإبادة والأديرة والبيوت القديمة، لكن مع تكرار عمليات التوغل للحي، دمرت الطائرات والجرافات والمدفعية عدد كبير من تلك المعالم».
ولفت إلى أن «الاحتلال لم يترك أي معلم أثري وتاريخي خلال العمليات العسكرية المستمرة على قطاع غزة إلا وهدمها، وبالتحديد حي الزيتون والبلدة القديمة المجاورة له، حيث يعمل جيش الاحتلال على تدمير ومحو المباني السكنية والمعالم التاريخية العريقة من مقابر ومساجد وكنائس، تعود جميعها للحضارات التي سكنت فلسطين قبل آلاف السنين، وذلك بشكل متعمد وممنهج، يهدف من خلاله طمس تاريخ فلسطين العريق، وتدمير أي إثبات يبرز أحقية الفلسطينيين بالأرض».
يشار إلى أن كافة معالم غزة التاريخية صارت إلى دمار كامل، جراء حرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل على قطاع غزة منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث تعمد الاحتلال وبشكل همجي قصف وتجريف مناطق متفرقة من محافظات قطاع غزة، تضم غالبية كبيرة منها العشرات من المواقع الأثرية، لاسيما المواقع التي توجد في البلدة القديمة، والتي تضم حي الزيتون وباقي الأحياء التي تضم المئات من المواقع الأثرية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية