بطون الأمهات فارغة والأجنة تقاوم الموت، هذا هو الوصف الحقيقي لمعاناة أكثر من 60 ألف حامل في غزة، يواجهن حربا إسرائيلية تحرمهن أبسط الحقوق. فمع دخول المجاعة في غزة مراحلها الكارثية بفعل الحصار الإسرائيلي المتواصل وغياب المواد الغذائية والرعاية الصحية، أصبحت الحوامل في قلب الكارثة، وهن الأكثر هشاشة في مواجهة الجوع، حيث يواجهن خطر الموت مع الأجنة، نتيجة سوء التغذية ونقص الأدوية الأساسية.
ومنذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة مطلع أكتوبر 2023، بدأت إسرائيل بإغلاق كافة منافذ دخول المساعدات والسلع والبضائع إلى القطاع، حيث بدأ الاحتلال وضمن سياسة الانتقام تجويع سكان غزة، من خلال إغلاق كافة المعابر وإدخال كميات محدودة من المساعدات، التي يتيح الاحتلال للصوص سرقتها لمنع وصولها إلى المواطنين، حيث كانت النساء إلى جانب الأطفال ضحايا هذا الحرمان والإغلاق المستمر المعابر.
المنظومة الصحية المنهكة في قطاع غزة ضاعفت من معاناة الحوامل، حيث تعمل مستشفيات غزة المختصة بالنساء بنسبة تقل عن 20 في المئة من طاقتها وذلك وفق معطيات وزارة الصحة، بينما أكثر من 60 في المئة من مراكز رعاية الأم والطفل أغلقت بسبب عجز الكوادر والإمكانيات الطبية، حتى القابلات يعملن بأدوات بدائية. مستشفى الشفاء الذي كان المركز الطبي الأكبر في غزة، لم يعد سوى ركام بعد استهدافه عدة مرات منذ بداية الحرب، تركت أقسام الولادة فيه بلا طواقم طبية ولا أجهزة. وحذرت منظمة الصحة العالمية في تقرير صدر مؤخرا من خطر الولادات منخفضة الوزن والاختناق الولادي، نتيجة نقص التغذية الحاد بين الأمهات، وتشير التقديرات إلى أن 80 في المئة من الحوامل في غزة يعانين من نقص غذائي حاد، كما أن أكثر من 70 في المئة من الحوامل في غزة يلدن في منازلهن أو مخيمات النزوح، وهذا يعرض حياتهن والأجنة إلى خطر الموت.
بحسب تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، في اذار/مارس الماضي استهدف الجيش الإسرائيلي مرافق الرعاية الصحية الإنجابية في القطاع، وشن هجمات مباشرة على أجنحة الولادة وعيادات التلقيح الاصطناعي الرئيسية فيه، إلى جانب استخدامه التجويع سلاح حرب، وإبان الحرب قتل القصف والاستهداف الإسرائيلي ثمانية على الأقل من العاملين في مجال الصحة الإنجابية، منهم الطبيبان الشقيقان باسل ورائد مهدي، اللذان حوصرا وقصفا مع عائلتيهما داخل مستشفى مهدي للولادة، والطبيبة ناهد الحرازين رئيسة قسم النساء والولادة في مستشفى الشفاء، والطبيب إياد الرنتيسي الذي اعتقله الجيش الإسرائيلي وعذبه حتى قتل في مراكز التحقيق الإسرائيلية.
واقع النساء الحوامل يزداد سوءا يوما تلو الآخر، مع تصاعد المجاعة وارتفاع درجات الحرارة وعدم توفر بدائل تخفف من معاناتهن. داخل خيمة مهترئة من أشعة الشمس الحارقة، تجلس أم كرم على فرشة بالية تمسح عرقها بقطعة قماش رطبة بينما تئن من ألم الحمل، تقول وهي تضع يدها على بطنها المنتفخ، «أنا حامل في الشهر الرابع ولم آكل منذ ثلاثة أيام سوى المياه وبعض الخبز الناشف، وأخشى أن أفقد حياتي وحياة جنيني في أي لحظة «.
وتقول لـ«القدس العربي»: «لم أعد أحتمل هذا الواقع الذي لم يمر مثله، حتى الرعاية اللازمة للكشف عن صحة الجنين وصحتي لم تعد متوفرة، العيادات التابعة للأونروا التي كانت ملجأ للحوامل لم تعد متوفرة بشكل كامل، وتعمل العيادات بإمكانيات ضعيفة «.
وأشارت إلى أنها بحاجة إلى طعام وأدوية كي تحافظ على صحتها وصحة جنينها، حيث تحتاج المرأة في هذا الوقت من حملها إلى أغذية غنية بالكالسيوم والحديد والمكملات الغذائية، وهذا غير متوفر حاليا لا من خلال تناول الأدوية ولا حتى وجود طعام يحتوي على هذه المعادن الأساسية.
الإجهاض بسبب الجوع
حال أم كرم ليست فردية، بل آلاف الحوامل يواجهن معاناتها، أم حمزة هي أيضا حامل تخشى من تعرضها إلى الإجهاض بسبب حالة الهزال الجسدي الذي تعاني منه، نتيجة صعوبة الحصول على الطعام، فهي لم تتناول منذ أكثر من أسبوع الخبز وتأكل فقط أعشاب البقدونس والملوخية، وتقضي جل وقتها متكئة على سرير لعدم قدرتها على التحرك.
توضح لـ«القدس العربي» أنها قلقة من عدم شعورها منذ أيام بحركة لجنينها، في المقابل لا تجد عيادة مختصة للتوجه إليها وفحص حالة جنينها، وإن توفر بعض العيادات الخاصة فإن الكشف والفحص يحتاج إلى مبلغ مالي، لا تقدر على توفيره وهكذا هو حال الكثير من النساء نتيجة الوضع المعيشي الصعب.
أم أنس تعرضت للإجهاض قبل أيام، بسبب صعوبة تحملها المجاعة القاسية وصعوبة توفير علاج لتثبيت الحمل، حيث خسرت جنينها في الشهر الثالث، وهو الحمل الأول لها الذي كانت تحلم أن يأتي اليوم الذي تضع فيه طفلها، لكن صعوبة الأوضاع المعيشية واشتداد حدة المجاعة لم يسعف جنينها في البقاء. تقول لـ«القدس العربي» لم نتوقع يوما ما أن يصبح الحصول على رغيف الخبز حلما وهذا هو الواقع حاليا، كما أن اللحوم بكافة أصنافها لم نرها منذ أشهر، والكثير من أصناف الطعام يحرم سكان غزة من تناولها منذ أشهر، بفعل حرب التجويع التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي على السكان.
وتشير الطبيبة تهاني حسين التي تعمل في إحدى النقاط الطبية غرب مدينة غزة، إلى أن أكثر من 80 في المئة من الحوامل يعانين من فقر دم وسوء تغذية، وهذا يجعل الأجنة عرضة للتشوهات والإجهاض، كما أنهن يواجهن ظروفا معيشية صعبة.
وتوضح لـ«القدس العربي»: نستقبل يوميا نحو 30 امرأة حامل، بعضهن مصابات بسوء تغذية حاد، وحالات الإجهاض ارتفعت بشكل مخيف، وخلال الشهر الماضي وحده فقدنا أكثر من 50 جنينا بسبب سوء التغذية وغياب الرعاية الطارئة، كما نرى أجسادا منهكة وبطونا خاوية وأجنة بلا أمل، بعض النساء يطلبن إجهاضا طوعيا، لأنهن لا يردن جلب طفل إلى هذا الجحيم.
ولفتت إلى أنه لا يوجد في المستشفيات والمراكز الطبية مسكنات ولا أدوية متخصصة لحالات تسريع الولادة، حتى خيوط للجروح لم تعد متوفرة، المنظومة الطبية منهكة بشكل كبير، وخطر موت الحوامل والأجنة خلال الولادة بات مرتفعا بشكل كبير.
وتضيف أن غياب شريحة كبيرة من كبار أطباء النساء والتوليد من المنظومة الصحية في غزة، بسبب عمليات القتل والاعتقال التي تعرضوا لها، أدى إلى تراجع الخدمات المقدمة من مراكز الرعاية، وهذا يهدد بظهور ولادات مشوهة، بسبب صعوبة الكشف المبكر عن حالات التشوه الناتجة عن سوء التغذية، والتعرض للغازات السامة بفعل تساقط الصواريخ على القطاع.