ترى فرنسا أن التحرك التركي في المتوسط أصبح يهدد مصالحها
باريس-“القدس العربي”: يلقي ملف التطورات في شرق البحر الأبيض المتوسط بثقله على دول الاتحاد الأوروبي، في ظل استمرار التصعيد بين تركيا واليونان، على خلفية أنشطة التنقيب التركية عن الغاز التي تعتبر اليونان وقبرص أنّها تنتهك سيادتَهما. فعلى الرغم من تهديد دول الاتحاد الأوروبي تركيا باحتمال فرض عقوبات جديدة عليها وتكرار دعمها لكل من اليونان وقبرص في مواجهة تركيا، إلا أن ثمة تباينا في وجهات النظر بين دول الاتحاد في التعاطي مع هذا الملف. فبينما تحاول ألمانيا وبقوة لعب دور الوساطة بين اليونان وتركيا في صراعهما المفتوح في شرق المتوسط والدفع بهما في أسرع وقت إلى طاولة المفاوضات لوضع حد لهذه الأزمة المتصاعدة، اختارت فرنسا الانحياز إلى اليونان، رافضة “الأمر الواقع” التركي في شرق المتوسط. ويحرص كل طرف من الأطراف الأوروبية التي تسعى اليوم إلى لعب دور في المساعي الرامية إلى تخفيف التوتر التركي اليوناني على عدم الإسهاب في الحديث عن مصلحته الشخصية من وراء هذه المساعي.
ومن يتابع عن كثب ملف التصعيد التركي اليوناني الجديد، يهتدي بسرعة إلى بروز الموقف الفرنسي الداعي إلى استخدام مختلف أدوات سلاح الردع الممكنة والتي يتم اللجوء إليها عادة من قِبل هذه الدولة أو تلك أو هذا الكتل السياسي الإقليمي خلال فترات التوتر والتصعيد تجاه الخصوم. فقد احتدت تصريحات المسؤولين الفرنسيين وخاصة الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي أوضح قبل أيام أنّه يريد “حوارا بنّاءً” مع تركيا، لكنّه دافع عن “سياسة الخطّ الأحمر” عندما يتعلّق الأمر بـ”السيادة في البحر المتوسّط” قائلاً: “نحن لم ننشر أسطولا ً كبيرًا في شرق البحر الأبيض المتوسّط، لكنّنا قلنا ببساطة إنّنا نعتبر عمليّات الانتشار التي اقدمت عليها (تركيا) استفزازًا”. ولم تكتف فرنسا بذلك، بل إنها كثفت وجودها العسكري في المنطقة عبر تمرينات فردية ومناورات بحرية مشتركة مع دول متوسطية شمالية أخرى منها إيطاليا. ونشرت في منتصف آب/أغسطس المنصرم سفينتَين حربيّتين وطائرتين من طراز رافال دعماً لليونان التي تُندّد بعمليّات البحث التركيّة عن موارد الطاقة في شرق المتوسّط معتبرة أنها “غير قانونية”.
وترى فرنسا أن التحرك التركي في مياه المتوسط أصبح أكبر بكثير من حجمها التقليدي وأصبح يهدد بحق المصالح الفرنسية. لكن باريس تبدو من خلال موقفها الحازم مبدئيا من تركيا ومن خلال استعراض أدوات سلاح الردع غير النووي بمظهر الحريص على أمن المتوسط وعلى سلامة الملاحة فيه بموجب القانون الدولي ولاسيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والتي أبرمت عام 1982 ودخلت حيز التنفيذ عام 1994. ويُذكِّر المسؤولون الفرنسيون بأن اليونان صادقت على هذه الاتفاقية على عكس تركيا وأن اليونان تعرف جيدا أن تطبيق بنود الاتفاقية بحذافيرها وبشكل صارم كان من شأنه أن يمنحهم حقوقا أكثر وامتيازات أهم بكثير من تلك التي لديهم اليوم فيما يخص الاستفادة من ثروات مياه المتوسط لاسيما وأن الجزر اليونانية تُعَدُّ بالآلاف لا بالعشرات. ومع ذلك فإن اليونان تغض الطرف عن هذا المعطى للحفاظ على علاقة الجوار مع تركيا رغم الخلافات الكثيرة بين البلدين والتي لديها مرجعية تاريخية يشعر الأتراك عبرها أنهم ورثة الإمبراطورية العثمانية بينما يفاخر اليونانيون بأنهم أحفاد الإغريق.
يقول مسؤولون فرنسيون يبدون اليوم في صدارة الذين يسعون إلى الوقوف موقفا حازما من تصرفات الرئيس اليوناني في شرق المتوسط، إن الاتفاقات التي أبرمتها تركيا مع حكومة الوفاق الوطني الليبية التي يقودها فايز السراج وتعترف بها الأمم المتحدة تزيد من خطر الوجود العسكري التركي في منطقة المتوسط الشرقية والوسطى وتعزز المصالح التركية على المصالح الأوروبية.
الوسيط الألماني
ومن أهم الحجج التي يلح عليها مسؤولون فرنسيون لتبرير موقفهم الحازم من تصرفات تركيا في منطقة شرق المتوسط أن هناك دولتين في الاتحاد الأوروبي متضررتان من هذه التصرفات هما اليونان وقبرص، وأن مبدأ التضامن معهما ضرري وشرعي من قبل دول الاتحاد الأوروبي. ولكن المسؤولين الأتراك يستخدمون الحجة ذاتها للحمل على الموقف الفرنسي منهم. بل يجدون في الموقف الفرنسي منهم حجة سهلة للانقلاب على الفرنسيين. ويحلو لهم التأكيد على أن وقوف تركيا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني جاء بطلب من هذه الحكومة التي تعترف بها الأسرة الدولية وعلى أن فرنسا التي تساند في العلن الشرعية الدولية تقف في الحقيقة إلى جانب المشير خليفة حفتر الذي لا شرعية دولية له ولا يرغب فيه كل الليبيين. ويرى الأتراك أيضا أن إيطاليا التي لديها مصالح أهم وعلاقات أوثق مع ليبيا مما هي عليه مصالح فرنسا وعلاقاتها مع هذا البلد لا تشاطر الموقف الفرنسي بشأن ملف الأزمة الليبية.
وفي مواجهة تصعيد فرنسا واليونان وقبرص وتهديدها بفرض عقوبات جديدة على تركيا، تتخذ دول أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهي ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، نهجًا أكثر تصالحيا. فألمانيا، التي تتولى حاليا الرئاسة الدورة للاتحاد الأوروبي، تعتبر أن المناورات العسكرية في شرق البحر المتوسط “لا تساعد في خفض التصعيد” وفضلت القيام بدور الوسيط بين تركيا واليونان، لكنها لم تحقق حتى الآن اختراقا كبيرا في هذا الشأن. هذا الموقف الألماني يحظى بدعم قوي من الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ، الذي يفضل الانضمام إلى الجهود الدبلوماسية الألمانية والدعوة إلى “الحوار ووقف التصعيد” خوفا من خطر حدوث تصعيد عسكري بين اثنين من أعضاء الحلف.
ويُذكِّر مسؤولون ومراقبون ألمان بعدة معطيات تصب في مصب مواصلة منطق التهدئة بدل التصعيد مع تركيا منها التي يمكن حصرها في النقاط الأربع التالية: أولا: أن الاتحاد الأوروبي ليست لديه اليوم سياسة خارجية ودفاعية موحدة. ثانيا: أن الولايات المتحدة أكثر قدرة من الاتحاد الأوروبي على الضغط على تركيا واليونان لأنهما دولتان حليفتان للولايات المتحدة الأمريكية من جهة وعضوان في حلف شمال الأطلسي من جهة أخرى. وفيهما قواعد عسكرية تابعة لهذا الحلف الذي يقوده الأمريكيون حتى الآن. ثالثا: أن لتركيا اليوم أوراقا تستطيع من خلالها الضغط كثيرا على أوروبا منها ورقة اتفاق وقف الهجرة المكثفة إلى أوروبا عبر بوابة المنطقة المتوسطية الشرقية والذي أبرم مع الاتحاد الأوروبي عام 2016 بالإضافة إلى الاتفاقيات الأمنية الأوروبية التركية في مجال التصدي للإرهاب، رابعا: أن الرمي بملف التصعيد التركي اليوناني إلى منظمة الأمم لتطويقه من شأنه تخفيف الضغط على الاتحاد الأوروبي وإنقاذه من الموقف الحرج الذي هو فيه لعدة أسباب منها أنه لا يمكن أن يكون حكما وطرفا في التصعيد في الوقت ذاته ولأنه من مصلحة الدول الكبرى الفاعلة في الأمم المتحدة ولاسيما في مجلس الأمن الدولي أن تعمل على إقناع تركيا واليونان بمنطق التهدئة. وهو مثلا حال الولايات المتحدة وروسيا والصين. فالولايات المتحدة، حليف لتركيا واليونان والرئيس الروسي حليف لاردوعان فيما يخص عدة ملفات وقضايا مهمة وطرق الحرير الصينية الجديدة تمر عبر أثينا وإسطنبول في الوقت ذاته.
قمة أوروبية حاسمة
ترى ألمانيا أن الطرح الأكثر صوابا هو الذي يدعو له اليوم رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل والذي سيعرضه عليهم خلال القمة الأوروبية التي ستعقد في بروكسل يومي الرابع والعشرين والخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر الجاري. وهي قمة يرى الصحافي والمحلل السياسي المقيم في باريس مصطفى الطوسة أنها ستكون “حاسمة” لمستقبل العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوربي: “إذا لم تستجب تركيا للمطالب الأوروبية ستكون هناك عقوبات اقتصادية أوروبية ضدها، قد تفتح المجال لردة فعل الأتراك الذين يهددون منذ فترة بفتح الحدود أمام أفواج المهاجرين”.
وقد ألح شارل ميشيل كثيراً، في تصريحات صحافية أدلى بها يوم الرابع من الشهر الجاري، على ضرورة إجراء مؤتمر متعدد الأطراف تشارك فيه الدول الأوروبية لمحاولة تخفيف التوتر بين تركيا واليونان وتجاوز هذا الهدف إلى أهداف أشمل وأوسع هي محاولة إيجاد مقاربات بين هذه الدول من جهة وتركيا من جهة أخرى فيما يخص ملفات مهمة وشائكة منها أساسا ملفات الطاقة والهجرة والأمن الأوروبي المتوسطي.
وثمة اليوم قناعة لدى كثير من خبراء الطاقة والأمن والهجرة في الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط مُفادها أنه لا مفر لدول الاتحاد الأوروبي من طرح مؤتمر شامل يجمع أولي الأمر في منطقتي المتوسط الشرقية والشمالية وأوروبا الغربية للبحث بشكل جدي وفاعل في ملف التصعيد التركي الذي طفا فجأة على السطح في تموز/يوليو وآب/أغسطس الماضيين واحتد في أيام ايلول/سبتمبر الجاري. بل إن هذا الملف قد فرض نفسه بشكل شبه يومي على الأجندة الأوروبية إلى جانب ملف أزمة كورونا.
ويضيف هؤلاء الخبراء أن غالبية قادة دول الاتحاد الأوروبي يدركون في قرارة أنفسهم أن طرح رئيس المجلس الأوروبي هو الطرح السليم نظرا إلى عدة أسباب وعوامل، من أهمها تَعقُّد ملف التصعيد التركي اليوناني من ناحية وعدم وجود تصور أوروبي موحد إزاء تركيا بشأن استغلال ثروة الغاز الموجودة في شرق المتوسط والتي اتضح من خلال وسائل التنقيب الحديثة أنها ضخمة وواعدة. ولذلك، سيكون من الصعب الخروج بموقف أوروبي موحد تجاه تركيا، التي تتمتع دول شرقية، كبولندا والمجر، بعلاقات جيدة مع رئيسها رجب طيب اردوغان.
وفي ظل هذا المواقف واستمرار التصعيد يرى الباحث في الفلسفة السياسية رامي الخلفية العالي أن من الصعب أن نشهد اختراقاً في جدار الأزمة خلال الأيام المقبلة بالرغم من الوساطة الألمانية المدعومة من أمين عام حلف الناتو. فربما أن الجميع بانتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، لأن واشنطن هي من يقدر فعلا على تحريك المياه الراكدة والقيام بالوساطة المنشودة. يوضح الخليفة العلي، متوقعاً أن نشهد في الوقت الراهن استمراراً للتوتر، حيث سيحاول كل طرف فرض أوراقه على الطاولة لاستغلالها عندما تحين “لحظة المفاوضات الحقيقية” المحتملة.