لا تحضر ذكرى وفاة نجيب محفوظ إلاّ وذكرى إعدام سيد قطب مرافقة لها، مستبقة الثلاثين من أغسطس/آب بليلة واحدة. وإن كان في إحياء أي ذكرى غاية ما، فإن تذكر سيد قطب بمحاذاة نجيب محفوظ يبدو أمرا غير مستساغ. لكنني لاحظت مؤخرا أن الحديث عن الرجلين عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيها الكثير من طرح الأسئلة العميقة، وهذا ما لم نتعوّد عليه سابقا. سقف الأسئلة هذه المرة ذهب بعيدا في قراءة محفوظ وقطب، ماذا لو أنهما ولدا وترعرعا وشبّا في بلد يحترم أدنى الحريات، التي يجب أن يتمتع بها أهل الفكر؟ إلى أي أفق كان سيصل محفوظ بأفكاره؟ وهل يمكن أن يذهب قطب في الخط الإسلامي نفسه؟
في بعض هذه السجالات المقتضبة، طرح أحدهم سؤالا خطيرا: «إلى أي مدى قامت بعض الجهات بتشويه أفكار قطب، وجعله يسلك طريقا ينافي تماما خيارته؟». الرّجل الأنيق، حليق الذقن، أبو بدلة وربطة العنق، هل يبدو شبيها بمن تبنوا الفكر الإسلامي المتطرف اليوم؟ «لا علاقة» يقول أحدهم، داعما كلامه بقراءاته المكثفة لقطب الشاعر والمفكر والباحث عن الحقيقة.
بالطبع لست مختصة في تركته الأدبية والنقدية، ولكنني في المقابل أعتبر نفسي مطلعة بشكل جيد على أدب محفوظ، وأعرف ـ كما يعرف الجميع ـ أن الجماعة التي حاولت اغتياله، إنّما حاولت تنفيذ حكم إعدام صدر بشأنه غيابيا، وهي بشكل ما تعتقد أنها تنفذ أفكار سيد قطب. الخلاصة التي قد تغيب عن جمهور القراء العرب هي أن كليهما عاش مضطهدا في بلاده، ولا أحد يعلم كم من التنازلات قدّم محفوظ ليبقى بعيدا عن السجون، ويحافظ على مورد رزقه، وهو فن ربما لم يتقنه قطب، أو أنه حسب وصف محفوظ له بعد مقابلة أخيرة بينهما، أنه تغيّر، وأصبح ناقما على المجتمع، وعلى كل من حوله، إضافة إلى مرضه الذي جعله يدخل في حالة اكتئاب قوية، كانت تحتاج لعلاج وتدخل سريع، لا إلى مزيد من الضغط وإنهاء حياته بالإعدام شنقا.
في كتابه «أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرّمة» للكاتب والإعلامي محمد شعير الصادر عن دار العين، نقرأ تفاصيل الخلفية السياسية التي ولدت فيها الرواية، وحجم الضغوط التي عاناها الكاتب، ومراوغته الحكيمة لنظام لم يكن يرحم المبدعين في استرسالهم، لرصد أمور الحياة بصدق، كان من الممكن أن يجد محفوظ نفسه محبوسا مثل قطب تماما، لو أنه لم يقل كلمة «حاضر» خفيض الصوت والجناح، وكانت حياته كلها ستأخذ مسارا آخر، لن يختلف عن مصائر الكتاب والمثقفين من معارضي الرأي، الذين تحوّلت السجون إلى محطّات عادية في حياتهم. صحيح أن كتاب شعير يروي سيرة رواية واحدة، ولكنه كتاب ذكي، يجمع أطراف الحكاية الغريبة لكاتب وُضِعت على رقبته «سكّين» المجتمع والنظام معا، وتُرِك طليقا يسلك طريقه أعزلَ ووحيدا مُهدّدًا بخطر مجهول في كل لحظة من حياته. يمكن لأي شخص أن يتخيل حجم الخوف الذي عاش فيه كاتب نوبل، الذي نبّه العالم إلى أن هناك مبدعين يحاولون البقاء على قيد الحياة، وسط أنظمة ومجتمعات مدرّبة على خنق الحريات، وأن الإبداع مهنة شاقة، تقود إلى المقصلة، وفي أفضل الأحوال إلى الانطواء، أو الهروب إلى المنافي، أو التعايش، بتخفيف سقف الحرية إلى المستوى الذي يوهم الجهات المراقبة له أنه «ثاب إلى رشده» ليُترك في سلام.
ثراء الكتاب بالحكايات حول كاتب «اولاد حارتنا»، وما عاصره من تقلبات سياسية، بأسلوب صحافي مشوّق، يفتح شهية أي قارئ للبحث عن مزيد من الأسرار عن حياة محفوظ، إذ يبدو لي أننا لا نعرفه جيدا، كما لا نعرف أمورا كثيرة عن كتّاب تلك الحقبة، حيث لعب السياسي دوره لتقديم كٌتّاب بصورة مغايرة لما هم عليه.
لقد تساءلت بيني وبين نفسي، لو أن سيد قطب نفسه عاش إلى أيامنا، هل سيكون سعيدا بما آلت إليه أفكاره؟ وهذه مجرّد تخمينات، كوني أربط دوما الأدباء والمفكرين بمناخات مجتمعاتهم، وتوجهاتها العاطفية، في حال تراجع التعليم فيها تحديدا. فقطب ومحفوظ ينتميان للمجتمع نفسه، وللثقافة الشعبية والدينية نفسها، وهما لا يختلفان عن عشرات الكتّاب مثلهما في أغلب بلدان العالم العربي، حتّى كأنّهم مستنسخون عن بعضهم بعضا، فشُطِرت رؤوسهم المفكِّرة إلى فيلقين، فيلق وصف ملحدا، والآخر وصف بأنه تكفيري، فتكوّنت لدينا ظاهرة نتفرّد بها عربيا، وهي قضاء أهل الفكر على طاقاتهم الإبداعية بشكل ذاتي، يتحاربون من أجل إبعاد التهم عنهم، وهذا مؤشر خطير على أن المجتمعات الحاضنة لهم لن تهدأ حتى تمزق بعضها بعضا.
إن حلبة الصراع الفكري أخطر من أي حلبة صراع أخرى. حين نتحدّث عن اليسار واليمين في مقاربات سياسية تخص العالم، فإننا نقصد كتلة أفكار مرجعيتها ثقافية. لا تنطبق الرؤية نفسها على وضعنا، حتى حين نتوهم أننا نملك «يسارا» وفيلقا آخر يتمركز في أقصى اليمين. يصطدم اليسار واليمين بالنوايا المريبة تجاهه من طرف أغلب الفئات الاجتماعية المسيّرة سياسيا في بيئتنا، ثمة طرف ثالث شئنا أم أبينا، هو الذي يلعب دور الأشرعة والرياح في الوقت نفسه للسيطرة على الرأي العام، لا تفسير آخر لهذه المجتمعات، التي لا تأخذ الفكرة من منبعها، بل من «الوسيط الأيديولوجي» حتى حين يتعلّق الأمر بالدين. بدون أي لياقة سياسية، ينعدم الأمن الثقافي، ويصبح التعاطي بالشأن الثقافي مغامرة غير محمودة العواقب، ويترتب عن ذلك انعدام فتح سجال فكري يصب في الصالح العام.
يعج الإعلام هذا الأسبوع باتهامات لسيد قطب في قبره، على أنه الأب الروحي للفكر التكفيري، وهذه وجهة نظر مفرغة من الموضوعية، لأنها لو كانت صحيحة فعلا لكان هناك في المقابل احتضان وحماية لمفكرين وأدباء خالفوا قطب في أفكاره.
هل نحن في أعلى الهرم أم في قاعدته؟
حسب المفهوم الذي تطرحه ذكرى غياب قامتين ثقافيتين، يفترض أن تكونا مؤثرتين في عالمنا العربي، نجد أنفسنا أمام أشكال غير ملموسة من الانقسام التاريخي القديم لليسار واليمين، فقد تساوى الرجلان في عدمية الهيمنة الفكرية على الديناميكية الاجتماعية، بل أسوأ من ذلك، كلاهما عاش تحت المجهر نفسه، توّاقًا للمساواة والحرية، بدون الإفصاح عن ذلك صراحة، مكتفيا بالحديث عن الهوية غير المتزنة للفرد في المجتمع، من منظورين مختلفين، بدون بلوغ المرحلة الفعّالة التي تنعكس في توجهات الفرد نحو المواطنة، رغم اختلاف الهويات. ما تحقق شيء مخيف أشبه بقيام فاشية كتلك التي ابتليت بها القارة الأوروبية، بسبب تعثر مسارات العقل.
لقد كانت المشاحنات الأدبية عبر التاريخ أهم منبع للمعرفة، لكنها لم تكن تحدث في مجالات ضيقة، كانت تتسع وفق موزاييك جمالي علمي ذي تأثيرات إيجابية، وكانت الأساس في صناعة الوعي. وهذا ما نفتقر إليه. وكأن ما يحدث عندنا شبيه بما حدث في أوروبا في مطلع القرن السابع عشر، جدل ديني بأسلوب هجائي شائن، وسحق لا عقلاني للوظيفة الاجتماعية والروحية والسياسية للبلاغة، وإنكار فعالياتها المقنعة، كان الخروج منها يتطلب الدخول في أكثر من حرب مؤلمة، لاستنجاد أخيرا بقوة العقل.
يعج الإعلام هذا الأسبوع باتهامات لسيد قطب في قبره، على أنه الأب الروحي للفكر التكفيري، وهذه وجهة نظر مفرغة من الموضوعية، لأنها لو كانت صحيحة فعلا لكان هناك في المقابل احتضان وحماية لمفكرين وأدباء خالفوا قطب في أفكاره، مثل نصر حامد أبو زيد وسيد القمني على سبيل الذكر لا الحصر، ولكننا نعرف جيدا ما آل إليه مصير الراحل أبو زيد، وما تعرض له سيد القمني وواجهه منفردا ومعزولا.
بعد أربعة عشر عاما من غياب نجيب محفوظ، التأبينيات نفسها تذكِّر برجل عاش مسالما، بسيطا، نال نوبل للآداب فلاحقته تهم العمالة والخيانة، طعن في محاولة اغتيال، فقد إثرها القدرة على الكتابة بيده اليمنى، هل زاد قراؤه أم قلُّوا؟ هل نشرت كل مخطوطاته التي تركها بعد وفاته أم لا؟ لا مفاجآت تهزُّ المشهد الذي مصّ حياة محفوظ، لا تغيرات، إنّه الثبات القاتل لقاطرة معطلة، تحمل كائنات مفكّرة تحلم بأفق حر لتطلق أفكارها في الفضاء.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين