دمشق – «القدس العربي»: وصل إلى دمشق وفدان روسيان، سياسي واقتصادي، برئاسة يوري بوريسوف نائب رئيس الوزراء، وحضور عدد من الدبلوماسيين الروس على رأسهم سيرغي لافروف وزير الخارجية، حيث اجتمعا مع أركان النظام السوري الذي قدم حسب خبراء ومراقبين الكثير من التنازلات مقابل دعمه في مواجهة العقوبات الأمريكية المفروضة عليه.
وخلال الزيارة المفصلية التي وظفتها موسكو من أجل وضع النقاط على الحروف، في الملفات المهمة، والضغط على النظام السوري حسب ما تدعي بهدف تقديم تعاون حقيقي في إنجاز الملفات السياسية، منح النظام إلى الروس امتيازات اقتصادية واستثمارات أوسع في القطاع الذي يشهد تنافساً دولياً قوياً، وبحث ترتيبات جدية في بنية النظام السوري بهدف تحسين أدائه تجاه الأزمات التي تعانيها البلاد والتي باتت تهدد بنية المجتمع السوري.
ترتيبات سياسية
وعقد وزيرا الخارجية السوري، وليد المعلم، والروسي، سيرغي لافروف، ونائب رئيس الوزراء الروسي، يوري بوريسوف، مؤتمراً صحافياً في العاصمة السورية دمشق، أكد خلاله المعلم أن الوفد الروسي أجرى لقاءً بناءً ومثمراً مع رئيس النظام بشار الأسد شمل التعاون السياسي والوضع في سوريا والمنطقة، كما أكد على مستقبل العلاقات مع روسيا الاقتصادية والسياسية، معتبراً أنها واعدة ومبشرة وشدد على أن الانتخابات الرئاسية المقبلة في سوريا لا علاقة لها باللجنة الدستورية.
تكريساً لهيمنة روسيا على الاقتصاد السوري في ظل ضعف الأسد أمام الأزمات التي تحاصره
وتكريساً للهيمنة الروسية على الاقتصاد السوري، وضمن مساعي موسكو الحثيثة في كسب المزيد من الصفقات، أكد بشار الأسد، أن نظامه مهتم بنجاح الاستثمارات الروسية في البلاد، وقال الأسد في بداية الاجتماع: «أعلم أنه كان لديكم لقاء مع وزير شؤون رئاسة الجمهورية وأنكم تمكنتم من إحراز تقدم نحو التوصل إلى حل مقبول للطرفين للعديد من القضايا» وقال «مهتمون بجدية في إنجاح الاستثمارات». وزعم الأسد انتهاج نظامه مرونة في المسار السياسي، حيث قال إن «سوريا كانت ومازالت تنتهج المرونة على المسار السياسي بالتوازي مع العمل على مكافحة الإرهاب».
من جانبه، أكد الوفد الروسي على مواصلة دعم النظام السوري، وقال نائب رئيس الوزراء الروسي، يوري بوريسوف، إن روسيا تسعى لتعزيز العلاقات العسكرية والسياسية والاقتصادية مع سوريا، وأضاف «الاجتماع مهم للغاية من أجل التفاهم المتبادل حول كيفية تطور العلاقات الروسية السورية في المستقبل القريب». وقال لافروف، في المؤتمر الصحافي، إن زيارة الوفد الروسي، مكرسة لمناقشة الأفق المستقبلية لتطوير العلاقات الثنائية في ضوء التطورات في سوريا والمنطقة والعالم، وأمام سوريا أولويات جديدة أهمها إعادة إعمار البنية الاجتماعية والاقتصادية وحشد المجتمع الدولي لتحقيق هذا الهدف. وكشف لافروف، أن الاجتماعات الثنائية بين المعلم وبوريسوف، ناقشت بشكل مفصل أولويات التعاون التجاري والاقتصادي.
تثبيت الاستثمارات
وحول أهداف الزيارة، كتب المعارض السوري، لؤي حسين «أعتقد جازماً أن زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى دمشق، يرافقه نائبه ميخائيل بوغدانوف، ليست للتباحث بشأن اللجنة الدستورية، فهذه لا تستأهل زيارة وزير الخارجية، ولا معارك إدلب، فهذه من شأن وزارة الدفاع». وأضاف حسين: لا بد إذاً من أنها لترتيبات سياسية في بنية النظام السوري بهدف تحسين أدائه تجاه الأزمات التي تعانيها سوريا خاصة الأزمة المعيشية التي باتت تهدد بنية المجتمع السوري، وتابع «أظن أن القيادة الروسية باتت تلاحظ بوضوح إخفاق الرئيس الأسد في التعاطي مع هذه الأزمات، وأن هذا يحتاج من روسيا لتقديم بعض النصائح لتحسين أداء النظام». وتحمل تركيبة الوفد الروسي، رسائل سياسية واقتصادية، إذ انه ضم فعلياً وفدين الأول، برئاسة بوريسوف نائب رئيس الوزراء المسؤول عن الشؤون الاقتصادية والتعاون التجاري والتقني وهو رئيس اللجنة الحكومية المشتركة الروسية – السورية من الجانب الروسي، لذلك زيارته تتعلق بالتعاون الاقتصادي بدون شك، أما لافروف فترأس وفداً سياسياً آخر وأجرى لقاء مع الأسد ووليد المعلم.
وحول أهم الملفات التي أنجزتها موسكو بعد هذه الزيارة التي استغرقت ساعات فقط، يقول الخبير في الشؤون الروسي، د. محمود حمزة، إن موسكو ثبتت بعض العقود للشركات الروسية مع حكومة الأسد لتضمن الأيام القادمة خاصة في ظل الصراع مع ايران على تقاسم الحصص والامتيازات. أما بما يخص الجانب السياسي، فمن دون شك «هناك ملفات ضخمة أولها تفعيل اللجنة الدستورية وهي مطروحة بقوة أمام الروس لانهم يعتبرون اللجنة مفتاح للعملية السياسية» وبالتالي اعتقد المتحدث لـ»القدس العربي» أن اللجنة تحتاج إلى ضغط على نظام الأسد الذي يتهرب منها، والدليل على ذلك تغيير اسماء ممثليه في الوفد الذي مثل نظامه في جنيف.
ولا يخفى، حسب المتحدث «أن الروس قد أبدو امتعاضهم من تعنت الأسد وتملصه من اللجنة، التي يعني انجاز اختراق في أعمالها أهمية كبير بالنسبة لهم، وذلك لعدة اهداف على رأسها إقناع دول العالم بتقدم العملية السياسة بهدف طلب المساهمة في التمويل وإعادة الاعمار فضلاً عن أن الروس يرغبون في تقدم اللجنة الدستورية إلى مراحل متطورة طمعاً بطلب التباطؤ في تطبيق عقوبات قيصر وتأجيل اعلان الحزمة الرابعة التي غالباً تستهدف الروس والإيرانيين».
وبرأي الخبير في الشؤون الروسية فإن الوفد بحث ملفات داخلية هامة أيضاً، منها شرق الفرات والوجود الامريكي وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) وعلاقاتها بالنظام لاسيما بعد توقيع اتفاقية بين منصة موسكو و»قسد» في موسكو أي انها تحت إشراف روسي، من أجل إقحام قسد في مفاوضات جنيف.
الجانب الروسي، بطبيعة الحال في جعبته الكثير من الملفات، لمناقشتها لكن في الوقت نفسه استبعد المتحدث بحث أي تدخل عسكري في إدلب، عازياً السبب إلى «التفاهمات القوية مع تركيا لا سيما بعد زيارة وفد تركي رفيع إلى موسكو، فالروس حريصون على التفاهم مع الاتراك ومن اجل العلاقات المتنوعة بين الطرفين». كما أن الزيارة لن تغفل باب الدعم وحل المشاكل المعيشية «فالوضع الداخلي متدهور وهذا يعني تدهور وضع الاسد وهو ما سوف ينعكس على مصلحة روسيا، التي تضع كل البيض في سلة الأسد لذلك ليس لديها خيارات غير ترتيب علاقاتها مع رأس النظام إلى أن يتفقوا على بديل مع الامريكان». وبرأيه، فإن الزيارة هي وضع النقاط على الحروف في بعض الملفات المهمة والضغط على النظام لكي يقدم تنازلات ويتعاون في الملفات السياسية، والاقتصادية التي تشهد تنافسًا قويًا بين روسيا وايران، لذلك فالزيارة مهمة جدا، خاصة «أن لافروف يشارك فيها، اما بوريسوف فهو يزور دمشق عدة مرات كما أن المعلم يزور موسكو ويجتمعون في اللجنة المشتركة».