أنا واحد من هؤلاء الذين رأوا نعش جمال عبد الناصر الرمزي وجنازته الرمزية، وصوره والأعلام الكبيرة تمرّ في الشوارع وأمام البيوت في قرية الدراكسة المطلة على البحر الصغير، وكان مطلوبًا مني في ما بعد أن أقطع الطريق من المنصورة إلى مسقط رأسي، بمحاذاة البحر الصغير والتاريخ. هذا ما قدّم به عزمي عبد الوهاب كتابه «وجوه تطل من مرايا الروح.. قراءة في سيَر ذاتية مصرية وعربية» الصادر عن مؤسسة بتانة للنشر والتوزيع.
عبد الوهاب الذي صرخ صرخته الأولى قبل نكسة يونيو/حزيران بثلاث سنوات، كان واحدًا ممن رأوا طائرة في ذيلها نار قبل أن تسقط أرضًا في الجرن المقابل لبيته. وهو واحد من التلاميذ البائسين الذين حشدهم المدرسون لدعم السادات في مؤتمر جنيف، وهو لا يفهم حتى الآن كيف يكون الدعم بحشد بائس لتلاميذ في الإعدادية، وهذا لا يشغله، بل كانت تشغله حقنة البلهارسيا التي أعفاه منها الحدث السياسي، وهو واحد من هؤلاء الذين عرفوا بخبر اغتيال السادات، أثناء عملية جنى القطن. هو أيضًا واحد من هؤلاء الذين ساقهم مكتب التنسيق إلى كلية الآداب جامعة المنصورة، بدون رغبة منه ملتحقًا بقسم اللغة العربية، متشبثًا بحلم طه حسين، فقط لأنه عاد من بعثته من فرنسا ومعه امرأة شقراء. غير أنه لم يكن واحدًا ممن جمعهم صلاح عيسى من مواليد عام النكسة ليدير معهم حوارًا حول ما جرى، جاعلًا منهم، كما يرى الكاتب، فئران تجارب للوصول إلى نتائج محددة حول الجيل الذي ولد مع هزيمة يونيو.
عبد الوهاب الذي تعلم من جريدة «الأهالي» كيف وماذا يقرأ، كان شغوفًا، على نحو خاص، بكتب السيرة الذاتية، خاصة وهي تمثل خلاصة ما وصل إليه العقل والقلب من تجارب وخبرات. مثلما يرى أن هذه الكتب تمثل حياة أخرى لم يعشها القارئ، بل هو يتفرج عليها. هنا أيضًا يطرح عبد الوهاب عدة أسئلة منها، من الذي يستطيع أن يقف موقف المتفرج من مأساة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، وهو يعالج مشكلة الهوية واللغة؟ ومن الذي يستطيع أن يكون محايدًا أمام عمق الجرح الذي عاناه الشاعر الفلسطيني حسين البرغوثي، جراء إصابته بالسرطان؟ وكيف يكون المرء حياديًّا أمام مصرع المفكر حسين مروة؟ أو مع ما حدث لفرج فودة؟
تفاصيل ومفارقات
عزمي عبد الوهاب المغرم بالتفاصيل الصغيرة، التي يسكنها الشيطان، كان همه أن يبحث عن الجانب الخفي في حياة هؤلاء الكبار، الذين كتب عنهم وجمع بينهم في كتاب واحد، ذاكرًا تحدّث العالم عبد العظيم أنيس عن تخلفه الدراسي ورسوبه في الابتدائية، ومعايرة زملائه الصغار لعيب خلقي في فمه، وكيف كانت نحافة شيخ التربويين حامد عمار عاملًا نفسيًّا مؤثرًا، بحث له عن حل في أرقى مستشفيات لندن.
في رحلة تجواله في سير هؤلاء أطلعنا عزمي عبد الوهاب على تفاصيل حياتهم، وما حدث فيها من مد وجزر، متوغلًا في أعماق حياتهم، كاشفًا الكثير من أحداثها ووقائعها، سواء أكانت مبهجة أم موجعة.
في «وجوه تطل من مرايا الروح» نطالع مع عزمي عبد الوهاب تفاصيل صغيرة كثيرة، ومفارقات مفصلية على المستوى الإنساني والروحي والفكري، في حياة شعراء وكتاب ومفكرين. هنا نقرأ عن صلاح عبد الصبور وحزنه الأوروبي، عن لحظات الشعور بالذنب في حياة حجازي، عن الأبنودي وأحزانه العادية، عن محمود درويش في القاهرة، وعن أيام صلاح جاهين الأخيرة في مرآة منى قطان، وعن البياتي والمعرفة مصدر الألم الأول. كما يكتب عن جلال أمين، شكري عياد، لويس عوض، هشام شرابي، إحسان عباس، فرج بيرقدار، فدوى طوقان وفاطمة المرنيسي وغيرهم. الكاتب متحدثًا عن صلاح عبد الصبور يقول إنه كان يمتلك رحابة إنسانية تجعله متصالحًا مع نفسه، وهو لا يكتب سيرته الذاتية، بل يكتب سيرة عقل وقلب حاول بهما أن يفهم نفسه أولًا، ومن ثم العالم والشعر. هنا أيضًا يرى عبد الوهاب أن حركة التجديد الشعري، تم اختزالها في فرسيْ رهان هما عبد الصبور وعبد المعطي حجازي، الأول انتصر للفن الخالص، بينما مزج الثاني بين السياسي والفني. ومتعرضًا لسيرة الأبنودي ينقل عنه قوله «في حياتي أخطاء بالغة القسوة، ندمت عليها، لكن في الشعر لم أندم على شيء، لأن الشعر مقدس، لا يأتي بقرار، هو هبة من الله». ذاكرًا أنه حمل هموم «الغلابة» اليومية في قلبه، مثلما حمل أفكارًا إنسانية مجردة في ذهنه، أراد أن ينتصر لها بشعره.
أرى ما أريد
أما عن محمود درويش فيقول إنه صاحب «أرى ما أريد» المحمل بكل هذا الإرث الطويل من الوجع التاريخي والسخرية الحادة، التي تخلّف في النفس مرارة، يشف معها الجسد، فيرى ما يحدث بعد موته، ويسأل عن مكافأته بعد هذا التعب، فلا يجد ما يريد، مجرد قبر كان ما يريد. وقد وصف درويش نفسه بأنه مندوب جرح لا يساوم، يجلس هادئًا على تلة ترى القدس من بعيد، يتأمل عمره ببصيرة الشعراء الكبار. عبد الوهاب حين يتحدث عن قاسم حداد يقول إن من يقرأ «ورشة الأمل» يجد نفسه أمام سيرة استثنائية مكتوبة على نحو غير تقليدي، إنها سيرة شخصية لمدينة المحرق، كما رأتها عين طفل، طلب من أبيه حذاءً أبيض في يوم غير مناسب، وكانت الأم هي المنقذ. حداد الذى عاش، نقلًا عن عبد الوهاب، طفولة قاسية لم يتحول إلى ناقم على أيامه وأصوله، بل يدين لوالده كونه عرّفه على كل هذه التجربة غنية التنوع. كذلك ينقل من سيرة عبد العظيم أنيس قوله إنه ليس نادمًا على أي شيء، فقد كان همه طوال حياته الدفاع عن الفقراء والمظلومين، وعن استغلال مصر وحقها في حياة كريمة، راضيًا عما قام به وضحى من أجله، مهما كانت قسوة الأيام. ومتحدثًا عن سيرة سمير سرحان يقول الكاتب، إن الثقافة المصرية نادرًا ما ترد الاعتبار لأشخاص فارقوا الحياة، بعد أن كانوا ملء السمع والبصر، وقد كان سرحان واحدًا من هؤلاء، وكان عليه أن يتذكر في آخر أيامه، وهو يعاني مرض سرطان الرئة، وتداعيات الإبعاد من الوظيفة قصة تشيكوف «موت موظف».
في رحلة تجواله في سير هؤلاء أطلعنا عزمي عبد الوهاب على تفاصيل حياتهم، وما حدث فيها من مد وجزر، متوغلًا في أعماق حياتهم، كاشفًا الكثير من أحداثها ووقائعها، سواء أكانت مبهجة أم موجعة، وقد سرّب لنا عامدًا، أو ربما بدون أن يدري، جانبًا من سيرته هو الذاتية، وربما حاول ألا تزيد مقدمة الكتاب عن صفحاتها الأربع، حتى لا يتورط مع القارئ ويُسرب له جوانب عديدة من سيرته، قد يكون لا يزال مترددًا في الكشف عنها أو في تركها آمنة مطمئنة في تجاويف الذاكرة.
٭ شاعر ومترجم مصري