في ذكرى شهداء الفن

هذا العام يكون قد مرّ خمس عشرة سنة على أكبر كارثة في تاريخ الفن المصري، وهي محرقة مسرح بني سويف، التي راح ضحيتها خمسين شهيدا من الفنانين والكتّاب والنقاد، وثلاثة وعشرين جريحا. هي ليلة لن ينساها أحد، وكلما ازدادت الآلام حولنا تزداد وطأة ذكراها على أرواحنا.
بالنسبة لي لم تكن مجرد الحادثة الأبشع في تاريخ الفن فقط، لكن أيضا كان فيها كثير من أصدقائي، جمعت بيننا قبلها سنون طويلة من المحبة والود، بحكم كوني كنت أعمل في الهيئة العامة لقصور الثقافة، التي لم تفقد اسمها القديم وهو الثقافة الجماهيرية، فضلا عن كوني من محبي المسرح. ذلك الوقت قبل أن أحال إلى التقاعد بعام، كنت أعمل مديرا لإدارة أطلس الفلكلور. وقتها تولى الثقافة الجماهيرية شخص غير معروف لنا إلا بأنه عضو في لجنة السياسات، التي كان يديرها جمال مبارك وأحمد عز، وكانت أحاديثه في التلفزيون هي ترويج لهذه اللجنة وأفكارها، التي كانت أكبر أسباب ثورة 25 يناير/كانون الثاني. جاء رئيسا للجهاز وعرفنا بدون أن يخبرنا أحد، أنه فُرض من جمال مبارك على فاروق حسني وزير الثقافة. كان جمال مبارك قد فعل ذلك من قبل، حين تم تعيين أنس الفقي رئيسا للجهاز، وانتقل منه إلى وزارة الشباب، فبدا تعيين مصطفى علوي ليكون تمهيدا ليكون وزيرا أيضا، لكن كان الفارق بينهما كبيرا. فأنس الفقي بخبرته الثقافية من قبل، ترك كل شيء في الهيئة كما هو وشجعه، وأضاف بعض ندوات تخص هيئة السياسات، ونشاط السيدة سوزان مبارك في الجانب الثقافي. كان ذكيًّا لم يهمل عمل الثقافة الجماهيرية الأساسي، ثم إنه لم يكن بعيدًا عن الحياة الثقافية وبالذات نشر الكتب، ويعرف المثقفين وقيمتهم.
مصطفى علوي جاء وجعل كل شيء لهيئة السياسات. لم أكن معجبا به، واعتبرت الأمر لا يعنيني، حتى جاء يوم، وزار فيه قصر ثقافة الجيزة، الذي فيه إدارة الأطلس التي أديرها. ألحَّ عليّ أحد الزملاء أن أنزل لأقابله ؛ فهو رئيسي في النهاية. كان مصطفى علوي، يقيم ندوة خاصة بلجنة السياسات. بعد إلحاح من زميلي نزلت في اللحظة التي انتهت فيها الندوة. وجدته واقفًا يتحدث مع الموظفين، وقفت صامتًا منتظرًا أن يكون على معرفة بي، فلم أجد ما يُشير إلى ذلك. فجأةً قال إنه يود أن ينقل إدارة الثقافة الجماهيرية من مكانها في منطقة القصر العيني، ويأتي بها إلى هذا المبنى الكبير. وجدت نفسي أقول له: «يا ريت تستنى شوية؛ لأنها شكلها حتخرب»، وتركته ومشيت. كان كما قلت قد أهمل العمل الطبيعي، وحوّل كل شيء للجنة السياسات. عدت إلى البيت، وهاتفت الوزير فاروق حسني، شرحت له ما يحدث، وأني أريد أن أترك العمل إلى مكان آخر. قال لي «انتظر ولا تكتب مقالًا في الموضوع، سأحدثه وسيتغير الوضع». في صباح اليوم التالي لاتصالي بفاروق حسني، حدثني سكرتير مصطفى علوي أنه في انتظاري غدًا. ذهبت في الموعد، وأخبرته أن في الجهاز أسماء مهمة من الشعراء والكتاب والفنانين، تم إهمالهم بهذا العمل السياسي، وهذا غير مفيد للجهاز. سألني عن أسمائهم فقلتها له راجيًا أن يستفيد منها، مندهشًا من عدم معرفته بكوادر الجهاز. سألني فجأةً هل أنت في (جماعة كفاية؟) اندهشت جدًّا. لم أكن في (جماعة كفاية)، لكنني حضرت بعض مظاهراتها. قلت له «أنا كاتب مثل الضمير، يمكن أن يشترك في هذه الفعاليات، لكن لست عضوًا في شيء». قال لي» إن شاء الله خير»، ومشيت مدركًا أنه لن يفعل شيئًا مما قلته. ولم يفعل. لم يتطور الأمر بيني وبينه إلى الأفضل، ولم نتبادل أي حديث، حدثت المحرقة ووقع الخراب الكبير الذي حذرت منه ولم أتوقعه هكذا أبدا.

اشتعلت الحياة الثقافية وخرجت المظاهرات من المثقفين والفنانين إلى ميدان طلعت حرب من دار ميريت للنشر، وإلى منطقة الأوبرا، وتم توقيع بيان لإقالة فاروق حسني وزير الثقافة، الذي بالفعل تقدم بالاستقالة، لكن حسني مبارك رفضها وطلب منه أن يجد من يوقع على بيان ببقائه.

كانت المسرحية، التي تعرض ضمن مهرجان لنوادي المسرح، ومن ثم كانت هناك يوميا عروض مختلفة، وتواجد لعدد كبير من المخرجين والممثلين، ونقاد المسرح والصحافيين، وأساتذة الدراما في الجامعات وفي أكاديمية الفنون. كانت المسرحية قد تم إعدادها عن مسرحية «قصة حديقة الحيوان « للكاتب الأمريكي إدوارد إلبي، وهو من كتّاب العبث واللامعقول. اختار لها المخرج محمد منصور قاعة الفنون التشكيلية في قصر الثقافة، وجعل الديكور للمكان مثل قبو أو مغارة فأغلقت كل الأبواب. ولأن ميزانية الديكور في الثقافة الجماهيرية عادة ضئيلة، فكانت ديكوراته من أوراق وأخشاب وخيش وشموع وألوان فقيرة. أوشك العرض على الانتهاء فسقطت شمعت في خلفية الديكور، وفي لحظة اشتعل كل شيء وانفجرت أجهزة التكييف من النار التي وصلتها في ثوان والقاعة مغلقة، واشتعلت الستائر والسجاد وكل شيء، وسقط السقف المكون من «الفوم» ليتحول إلى نيران سائلة، وصاروا محاصرين من جميع الجهات بالجحيم. تأخرت عربات الحماية المدنية التي هي على بعد خمس دقائق لتأتي بعد خمسين دقيقة، وحاولت إخماد الحريق بالمياه فلم يجدوا مياها وتحقق العبث كله. وصلت عربات الإسعاف بعد ساعات حتى أن الناجين جروا بحروقهم من باب صغير استطاعوا فتحه إلى المستشفيات القريبة في معاونة من الناس وعربات التاكسي. اشتعلت الحياة الثقافية وخرجت المظاهرات من المثقفين والفنانين إلى ميدان طلعت حرب من دار ميريت للنشر، وإلى منطقة الأوبرا، وتم توقيع بيان لإقالة فاروق حسني وزير الثقافة، الذي بالفعل تقدم بالاستقالة، لكن حسني مبارك رفضها وطلب منه أن يجد من يوقع على بيان ببقائه. مما عرفته أن فاروق حسني اشترط للبقاء إزاحة مصطفى علوي، الذي عينه جمال مبارك، وقد حدث وقام بتعيين الفنان أحمد نوّار رئيسا للثقافة الجماهيرية. ماتت أسماء لامعة وكبيرة منها المخرجان بهائي المرغني وحسن عبده وصلاح حامد مهدلي، وهذا كانت مأساته فوق الخيال فقد صحب أولاده الثلاثة الصغار معه فهو من المنطقة، ومات معه واحد منهم هو محمد، بينما أصيب الآخران أحمد ومحمود بالحروق. وكذلك مات المخرج صالح سعد ومخرج العرض محمد منصور. من الصحافيين مات ناقد المسرح أحمد عبد الحميد وإبراهيم الدسوقي، ومن النقاد وأساتذة وكتّاب المسرح حازم شحاتة ومحسن مصيلحي ومدحت أبو بكر ومؤمن عبده ونزار سمك. من الفنانين الممثلين شادي منير الوسيمي، وسامية جمال وغيرهم. أما المصابون فكان منهم المخرج حمدي طلبة وجمال ياقوت والمخرج عادل حسان، ومن الأطفال أيضا الطفل محمد عادل الذي كان في التاسعة، وكان يذهب للفرجة على العروض وحده، لأنه يحب المسرح. لقد جعل عماد أبوغازي في الوقت القليل الذي تولى فيه وزارة الثقافة بعد 25 يناير، يوم الخامس من سبتمبر/أيلول يوم المسرح المصري فصارت الذكرى تتجدد كل عام.
كان من بين الضحايا صديق العمر نزار سمك، الذي هو من أفضل وأنبل مَن كانوا في الحركة اليسارية. عرفته السجون، ولم يزايد أبدًا بشيء. ويكتب في الصحف في السياسة وفي المسرح، وكتب فيلمًا تسجيليًّا رائعًا عن اغتيال السادات، وله أكثر من كتاب، ويحبه كل الناس. وإلي روح نزار الذي كان في السهرات، وطبعا في السجن الذي عرفه في شبابه أيام السادات ومبارك، مولعا بغناء أغاني الشيخ إمام، وإلى روح كل الشهداء، أهدي له هذه الاغنية للشيخ أمام مؤكدا أننا لن ننساكم أبدا.
يا حبايبنا.. فين وحشتونا
لسة فاكرينا ولا نسيتونا
دا احنا في الغربة.. في الهوا دبنا
وانتوا في الغربة.. جوة في قلوبنا
أوعوا تفتكروا إننا تبنا
مهما فرقونا ولا بعدونا
يا حبايبنا.

٭ روائي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية