القاهرة-“القدس العربي”: أقامت وزارة الثقافة المصرية مبادرة بعنوان “إضحك .. فكر .. إعرف” يتم من خلالها إقامة عروض مسرحية أون لاين، مستوحاة من القصص القصيرة لأنطون تشيخوف (1860 ــ 1904). ورغم تباين هذه العروض من حيث المستوى الفني، ومدى التفاعل مع نصوص تشيخوف وتفهمها، ما بين النقل الحرفي، وصولاً إلى خلق رؤية شبه متكاملة وإعادة إنتاجها من خلال نصوص تشيخوف. جاءت هذه العروض متتابعة خلال الشهور الماضية، عن طريق البيت الفني للمسرح، ممثلاً في فرقة مسرح المواجهة والمسرح القومي، وقد حقق بعضها نجاحاً ملحوظاً، سواء بالمشاهدات أو المتابعة الصحافية، بعيداً عن الدعاية المعهودة لوزارة الثقافة. السمة الأخرى لهذه العروض تكمن في تنوعها، ما بين الكوميديا والتراجيديا، وحتى المسرح الاستعراضي، مع تعليق أحد الفنانين أو النقاد المسرحيين على العرض نفسه في نهايته، كمحاولة لتوضيح جماليات العرض وكيفية تعامله مع النص الأصلي المستوحى عنه. وسنحاول مناقشة بعض هذه العروض التي أضافت بالفعل إلى الحالة المسرحية المصرية، بعيداً عن التكرار أو مسألة تقضية الواجب والمجاملات.
المقام العالي
يأتي العرض المسرحي “المقام العالي” عن قصة “البيت الريفي” أداء عمرو عبد العزيز، وحمدي عباس، وسمر علام، ديكور يحيى صبيح، إضاءة عز حلمي، موسيقى محمد خالد، من إعداد وإخراج إسلام إمام. تدور الأحداث حول موقف في غاية البساطة. مجرد خطاب من فتاة مراهقة، يجده أحد القضاة بين أوراق قضاياه في المنزل. رجل وقور يحافظ على مكانته الاجتماعية، ويُصر على أن يراه الناس كما يحب أن يكون. ولكن بمجرد رؤيته للخطاب، واعتراف الفتاة له بالحب، وأنها تريد مقابلته في الحديقة القريبة من البيت، تبدأ هذه الشخصية في الانهيار، أو بمعنى أدق تبدو على حقيقتها، فهو يريد هذه المغامرة، مع تأكيده بأن هذا التصرف ــ تصرف الفتاة ــ لا يعدو كونه تصرفاً لا يليق، وهو سيقابلها لنصحها بألا تفعل ذلك، مجرد نصيحة أب! في المقابل نجد الزوجة المنهمكة في تحضير الطعام، وقد عاد الرجل من العمل، وأصبحت عباراته مضطربة خشية افتضاح أمره، وقد صار يتصرف مثل المراهقين، عبارات مضببة ما بين هزل وجد. من ناحية أخرى نجد شقيق الزوجة، والمقيم معهما في البيت، والأصغر سناً ومقاماً من زوج شقيقته. ويقرر الزوج الذهاب بالفعل، لكنه يُفاجئ بشقيق زوجته في انتظاره، فالأخير بدوره قرأ الخطاب وفي انتظار الفتاة، وبعد مجادلات عن تواجد كل منهما في هذا المكان وهذا التوقيت، يعودان إلى المنزل، لتكشف الزوجة الحقيقة، في مفارقة ساخرة، بأنها كانت تريد التخلص من وجودهما مؤقتاً حتى تنظف البيت! فالمرأة رغم وجودها الهامشي في الأحداث ــ هكذا يبدو ــ هي التي دبرت المؤامرة أو الخدعة، وكشفت زيف وقار الزوج وعقلانية الشقيق ــ مجتمع الرجال ــ مجرد كلمات بسيطة في خطاب، يمكن أن تكشف الجميع. ويأتي العرض في بساطة الحكاية، ما بين مشهد في البيت وآخر في الحديقة، ثم عودة مرّة أخرى إلى البيت لكشف المفاجأة. حاول العرض أن يتسم ببعض من الكوميديا، نظراً للمفارقة المبنية عليها القصة، ما بين تصرفات الزوج بعد قراءة الخطاب، أو الزوجة المندهشة، والتي تعرف كل شيء.
مشهور مش مشهور
عن قصة “كلخاس” يأتي عرض “مشهور مش مشهور” أداء سامي مغاوري، ومحمد طلبة، ونادين خالد. ديكور مصطفى التهامي، موسيقى إسلام علي، إعداد وإخراج مازن الغرباوي. ما بين الحلم والواقع يدور العرض ــ أشبه بالمونودراما ــ حول ممثل قضى طيلة حياته في المسرح، شاباً وكهلاً ومُسناً الآن، حتى أنه اشتهر بممثل “الجُملة الواحدة”. تتشابه حالة مشهور والكثيرين ممن امتهنوا التمثيل، وحلموا بالشهرة والنجومية، وسماع تصفيق الجمهور. على مستوى آخر ــ وهو الأعمق ــ يمتد الأمر أو هذه الحالة إلى كل مَن حلم ولم يصل، أحياناً يتعايش، وأخرى يتأسى، وفي كل الأحوال يعيش على أمل. فقد ضحى الرجل بالزواج والبيت والحياة المستقرة، وآثر أن يظل كما هو لإعطاء الفرصة للجيل الجديد من الممثلين، تزامناً مع عصور جديدة شكّلت الخريطة السياسية والثقافية في مصر. هنا يتحول نص تشيخوف بعد تمصيره دالاً على العديد من الأحداث التي مرّت على الشعب المصري من حزيران/يونيو 1967 ثم تشرين الأول/أكتوبر 1973 وظهور جيل جديد من الممثلين المصريين. لكن الأمر يتعدى ذلك إلى المواطن المصري (الكومبارس الدائم) الحالم بأن يكون موجوداً بالفعل، وأن يلتفت إليه أحد، رغم كل التضحيات التي قام بها طيلة حياته، فقط كلمة شكر واحدة، أو أن أحدا من الممكن أن يتذكره. حالة مشهور الطاعن في السن، والذي اقتربت حياته من نهايتها، تتواصل وحالة الممثل الصغير ــ مشهور القادم ــ الذي أصبح يسكن المسرح خلسة، بعدما تهدم منزله في زلزال مصر الشهير، تنويعة أخرى ستستمر، طالما يعيش هؤلاء تضحيات لا يدركونها، بل ويتمثلونها قيمة حياتية، مع كلمات كالمخدرات، كالصبر والأمل والانتظار. رغم خفة الظل في أداء الممثلين، حتى لا يصبح العمل مناحة طويلة لا تنتهي. حالة مشهور تقترب من شخصيات تشيخوف إلى حدٍ بعيد، فلم يخرج النص عن إطار القصة، رغم تمصيره ومحاولة تقريبه ما بين الخاص والعام في لحظات غير مُقحمة، مستعرضاً تاريخ المسرح المصري عبر ممثليه الأكثر حضوراً وتأثيراً، وهم بدورهم ــ الآن ــ أصبحوا تاريخاً، لا يعرفه الكثيرون، مشهورون ــ نسبة إلى مشهور ــ حتى وإن كانوا في وقت من الأوقات أسماء لامعة على واجهات مسارح الدولة وأفيشات السينما.
عروض الأون لاين
جاءت فكرة مثل هذا الشكل من العروض بعد جائحة كورونا، وكانت فكرة موفقة من وزارة الثقافة المصرية، وتتشابه مع عروض سابقة كانت تقدم من خلال التلفزيون ــ مسرح التلفزيون ــ بدون جمهور بالطبع. وفكرة اختيار نصوص مختلفة لمؤلف واحد ومعالجتها مسرحياً من خلال عدة مؤلفين ومخرجين، فرصة لتباين وجهات النظر والتقنيات المسرحية، لكن هناك بعض المثالب في بعض العروض، التي جاءت مباشرة وسطحية، ومجرد ترجمة ضحلة للنص القصصي، لم تتجاوزه ولا ترقى للعرض المسرحي، مع الإصرار على التهليل لها، بهدف نجاح المشروع ككل، وفي الأول والآخر نجاح الرؤية الثاقبة لوزيرة الثقافة.